محرر الاخبار في العراق مستهلك لا منتج، انه يشبه عمل التاجر الذي يجمع الاخبار الجاهزة والمصنعة في سوق الاخبار المجانية، فبمجرد نشر الخبر في وكالة اخبارية ينسخه المحرر بما فيه من اخطاء وهفوات كبيرة قد تصل الى حد نشر اخبار كاذبة لها تأثير خطير على الجمهور.

في الاسابيع الاخيرة نشرت وسائل العراقية عدة تقارير واخبار، اغلبها كانت عبارة عن سلسلة من الاخطاء، وهي ليست اخطاء بسيطة بل ترتقي الى مستوى الاخطاء الهائلة التي تكشف عن وجود ثغرات في عمل محرري الاخبار والصحفيين عموما.

دوامة النسخ

لا تملك وسائل الاعلام العراقية العدد الكافي من المراسلين لضعف التمويل من جانب، وغياب الرؤية والافق الواسع للمؤسسة، من جانب اخر.

مع هذه الثغرة في العدد الكافي من المراسلين والمحررين، ومع غياب الرؤية، تأتي ثغرة اخرى لتوسع المشكلة انها مشكلة الكم على حساب النوع.

ولو دخلنا بالتفاصيل، فيمكن للصحفي العراقي أن يعمل 16 ساعة في اليوم الواحد لصالح مؤسسات إعلامية مختلفة التوجهات، في الصباح مع قناة فضائية بصفة مراسل ميداني يغطي الأحداث السياسية اليومية في البلد، يحدد واجبه بعد اجتماع سريع يجري في الثامنة صباحا وينطلق لإجراء مقابلات مع شخصيات الحدث.

ويعود في الظهيرة ليكمل تقريره، يخرج قبل انتهاء الدوام الرسمي بربع ساعة يستفيد منها كوقت مستقطع خلال ذهابه إلى الإذاعة الإخبارية التي يعمل فيها مراسلا أيضا، لكن تحت اسم مستعار حتى لا تستطيع القناة الفضائية اكتشافه متلبساً بجريمة إعداد تقارير لصالح مؤسسة مختلفة معها سياسيا.

لا تقف رحلة صديقنا الصحفي عند الإذاعة، إذ ينطلق منها ليلا للعمل محررا في موقع إخباري حتى منتصف الليل، وبأجر زهيد يكاد يكفي لسد أجور سيارات الأجرة التي يستقلها يوميا للتنقل بين أماكن عمله، فضلا عن تغطية فاتورة طعام الوجبات السريعة رخيصة الثمن، مقارنة بمطاعم الدرجات المتوسطة.

مدير الوسيلة الاعلامية الفاقد للرؤية ونقص التمويل، يطلب من العاملين لديه كما كبيرا من الاخبار يوميا، انه يقدس العدد، ولا يهمه النوع، لذلك يعيش المحرر في دوامة من الضغط لينتهي به المطاف الى نسخ ولصق الاخبار من اجل تحقيق نصابه اليومي من الاخبار حتى لا يطرد من المؤسسة الاعلامية التي يعمل فيها.

مع هذا الواقع، لا نستغرب نسخ خبر غير دقيق وتداوله بنفس الكلمات والحروف وعلامات الترقيم، ينتشر كالنار في الهشيم، لان الصحفي لا يتمتع بالولاء المهني للمؤسسة الاعلامية التي يعمل فيها، وربما لا نبالغ اذا قلنا انه لا يتمتع بالولاء لمهنة الصحافة نفسها.

على سبيل المثال نشرت صحيفة الصباح العراقية الرسمية خبرا مفاده الاتي: "تستعدّ مدينة أور الأثرية في ذي قار لاستقبال أكبر رحلة للحج تضمّ 13 ألف حاج مسيحي لزيارة مسقط رأس النبي إبراهيم وأداء الصلاة الإبراهيمية قريباً، بينما ستبدأ 10 بعثات عملها التنقيبي في مدن أور وأريدو ولارسا ومملكة لكش الأثرية بالمحافظة".

تسترسل الصحيفة في المعلومات وتأخذ تصريحا من مدير مفتشية آثار وتراث ذي قار عامر عبد الرزاق الذي قال إنَّ "رئيس مؤسسة السياحة والحج المسيحي ريمو كبافاريني اتفق مع وزير الخارجية فؤاد حسين خلال زيارته الفاتيكان مؤخراً على تنظيم هذه الرحلات".

وأضاف أنَّ "هذه الرحلة تعدّ أكبر رحلة حج مسيحي في التاريخ لمنطقة أور الأثرية مسقط رأس النبي إبراهيم، إذ تضمّ 13 ألف حاج، وستمهِّد لرحلات حجيج مسيحي منتظمة شهرياً".

ثم تكمل الخبر بتفاصيل مطولة من نفس المصدر، وخلال ساعات انتشر الخبر كالنار في الهشيم في اغلب وسائل الاعلام العراقية والعربية الشهيرة، لا نستطيع ذكرها الان، ويمكن للقارئ البحث بالموضوع عبر الانترنت ليكتشف حجم الانتشار ونسخ الخبر بدون زيادة او نقصان.

بعد يومين خرجت وزارة الثقافة لتنفي الخبر داعية وسائل الاعلام الى توخي الدقة.

المفارقة ان وسائل الاعلام التي نشرت الخبر غير الدقيق من صحيفة الصباح، هي نفسها اعادت نشر خبر النفي من وزارة الثقافة، ليس من باب حق الرد مكفول، بل لان المحرر يجد في هذا الخبر رقما يحقق له النصاب الكامل في عدد الاخبار المطلوب منه يوميا.

ودليلنا على هذا الادعاء هو نسخ الخبر ولصقه من وزارة الثقافة كما قام المحرر بنسخ ولصق الخبر من صحيفة الصباح، بدون زيادة او نقصان او اي توضيح.

هذه الطريقة في عمل وسائل الاعلام لا تقدم اي خدمة اخبارية مهنية بقدر ما تكون صدى للاعلام الحكومي، لا سيما وان دوائر الاعلام الحكومي بدأت تعرف هذه الثغرة وهي تعمل الان على تحرير الاخبار بشكل كامل قبل ارسالها لوسائل الاعلام التي لا تعدل ولا تضيف ولا توضح، انما ينسخ المحرر الخبر ويلصقه.

انظر الى تقارير هيأة النزاهة وهيأة المنافذ الحدودية وخلية الاعلام الامني وبيانات المكتب الاعلامي لرئيس الوزراء ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية.

وسائل الاعلام بتوجهاتها المختلفة لم تكن سوى صدى للاعلام الحكومي، الذي احتكر الساحة الاعلامية مستفيدا من قلة الدعم المالي للاعلام الخاص، واضطراره لتوظيف عدد اقل من المحررين، وغياب الرؤية لدى القائمين على وسائل الاعلام الذين يفضلون الكم على حساب النوع.

اضف تعليق