لا أستغرب إذا قَدّمتُ قضية للمحامي ليدافع عني في المحاكم، وطلب مني أجرًا عن عمله هذا (أتعابه بحسب عُرف المحامين)، فالحق الطبيعي للمحامي أن يأخذ أجرًا مقابل دفاعه عن أي مواطن يحتاج إلى شخص يفهم طرق الدفاع السليمة في أمام القضاء.

كما أنني لا أستغرب إذا طلب الطبيب أجرًا وربما أجرًا كبيرًا عندما أطلب منه معاينتي ومعرفة أسباب بعض المشكلات في جسدي، فمن الطبيعي أن يحصل الطبيب على أجر مقابل عمله، بل يأخذ أجرًا فاحشًا في بعض الأحيان.

ونجد بين مدة وأخرى محاميًا أو طبيبًا يعمل بأجور زهيدة، وهؤلاء استثناء من القاعدة العامة التي تعني "دفع الأجور مقابل تقديم خدمة للمواطنين".

لكن المواطنين أنفسهم يستغربون لو قلت لهم ادفعوا أجرًا للصحفي الذي يكتب لكم الأخبار اليومية، والأجر المدفوع نقصد به الاشتراك في صحف خاصة (علمًا أن العراق لا يملك الصحف الخاصة التي تمول نفسها من الاشتراكات) فلم يسمعوا أن الصحافة تكون مدفوعة الأجر، إلا الصحف الورقية القديمة التي كانت توزع وبأجور زهيدة تكاد لا تذكر يذهب ربحها للموزع الذي يقف في التقاطعات المرورية. وأنا لا اقصد هذا النوع من الصحف الزهيدة، بل الصحف ووسائل الاعلام الخاصة التي تعتمد على اشتراكات الجمهور فقط.

لكن ما تعود عليه عامة الناس أن الصحافة "الورقية والاذاعية والتلفزيونية والالكترونية" هي خدمة مجانية، ومن المعيب دفع الأموال للمؤسسات الإعلامية والصحفيين الذين يعملون على مدار الساعة للبحث والتقصي وجمع الأخبار، والتحقق من مصداقيتها ثم معالجتها ومن بعدها نشرها للجمهور.

كل هذه العملية يريدها الجمهور أن تكون مجانية، وكأن الصحفي لا يملك أسرة ينفق عليها، ولا يريد أن يعيش حياة مرفهة، فقد كُتِبَ عليه (بحسب قاموس الجماهير)، أن يعمل مجانًا، ولا نعرف من أين يأتي بالمال ليعيش عيشة الكفاف على أقل تقدير.

وإذا ما اخفق في نقل الحقيقة كاملة يتعرض للشتائم والاستهزاء والاتهام بالتزوير رغم أن الجمهور لا يملك أي سلطة على الصحفي، ولا يحق له أن يحاسبه على فساد بضاعة هي بالأساس مجانية واختيارية أيضًا فالصحفي لا يجبر أحدًا على متابعته.

الخدمات المجانية.. لا شيء في سبيل الله

نتفق على أن الغالبية العظمى من الخدمات الإعلامية في العراق هي مجانية، والعاملون في قطاع الإعلام لا يحصلون على أي مقابل مادي من الجمهور، وهذا يعني أن الصحفي سيكون أمام خيارين:

الأول: أن يجد له وظيفة أخرى يكسب منها رزقه ليضمن حصوله على المال الكافي له ولاسرته، ومن ثم يكون العمل الصحفي عملًا ثانويًا حسب أوقات فراغه.

ولنتخيل أن كل الصحفيين يعملون بهذه الطريقة فربما تفرغ الساحة الإعلامية من كل العاملين المحترفين، وينقص عدد الأحداث التي يرصدها الصحفيون يوميًا، لأنهم مرتبطون بأعمال أخرى هي مصدر رزقهم.

الثاني: أن يأتي شخص ما أو شركة أو حزب سياسي يوفر الرواتب للعاملين في مجال جمع وتحرير ونشر الأخبار، لكنه يريد مقابلًا لهذه الرواتب، أنه يريد فرض سياسته على الحقيقة، لأن كل الحقائق ستكون ملونة بلونه المفضل، فمهما ابتعدت الاحداث عن لونه (الممول) خو يريد من الصحفيين العاملين لديه أن يعطوها اللون الذي يفضله.

وإذا فشلوا في إضافة لونه على الحقيقة يتوقف عن دفع الرواتب، ما يجبرهم على البحث عن وظائف غير الصحافة للعمل فيها وكسب رزقهم، أو البقاء في نفس المؤسسة الإعلامية لكن كل الحقائق التي تخرج من بين إيديهم ستكون ملطخة بلون الممول.

تنظيف الحقيقة

إذا ما تركنا الصحفي يعمل في وظيفة أخرى، ويجعل من الصحافة عملًا ثانويًا ستضيع الحقيقة، لعدم وجود متخصصين لجمعها وتصنيفها وتحريرها ونشرها، وقد تصلنا مبتورة وغير كاملة.

أما اذا تركناها للممولين المجهولين ستصلنا الحقيقة ملونة ومشوهة، وملطخة بالوان المسارات التي يريدها الممول.

الحل الوحيد هو أن يقوم الجمهور بتمويل المؤسسات الإعلامية بنفسه عبر الاشتراكات السنوية ليفرض شروطه على تلك المؤسسات، فهو يوفر كوادر مهنية متخصصة، ويستبعد الطارئين الذين لا يجيدون فنون المهنة، فضلًا عن محاسبته الدائمة للعاملين في المؤسسات التي يمولها.

قد تكون فكرة تمويل الجماهير للمؤسسات الإعلامية غريبة في العراق، وربما مثالية اكثر من اللازم، لكن فكرتنا ليست أكثر مثالية من الذين يطلبون الحياد من الصحفي رغم عمله في مؤسسة إعلامية ممولة من حزب سياسي، ومن واقع التجربة فإن التمويل الجماهيري لوسائل الاعلام يعد أفضل الأفكار لإنتاج صحافة حرة قادرة على رصد الأحداث بدقة وأمانة، بعيدًا عن الضغوطات السياسية للممولين.

فالمواطن الذي يخسر شهريًا (10 دولارات لشركات الاتصالات) أي ما يعادل 120 دولارًا سنويًا، سيحصل على خدمة صحفية أفضل بكثير من المتوافرة حاليًا لو دفع 20 دولارًا كاشتراك سنوي في بعض الصحف المدفوعة، وهو مبلغ ضئيل ولا يؤثر على الميزانية الشهرية.

بل سيضيف لميزانية المواطن الكثير الكثير، فالصحافة المدفوعة تستطيع تفعيل أدوارها الرقابية، ومحاسبة المقصرين والذين يتلاعبون بالمال العام، كما تساهم الرقابة الإعلامية المهنية بالكشف عن مواطن الخلل في الدولة واصلاحها ما يوفر اموالًا إضافية وبما يسهم في ارتفاع دخل الفرد في الدولة.

لكن للأسف، فالمواطن مستعد لانفاق أمواله ووقته يوميًا وخسارة عمره كله من إجل أن تربح شركات التواصل الاجتماعي وشركات الهاتف النقال وذلك عندما يبقى متسمرًا امام الشاشة وهو يشاهد المنشورات والنفايات العاطفية والاشاعات والاخبار المزورة.

وإذا ما أراد الجمهور والمواطنين بشكل عام التخلص من وباء النفايات الإعلامية والاشاعات والاخبار الكاذبة فعليهم أن يدفعوا المال مثلما يدفعونه للمحامي والطبيب، ومثلما يكون المحامي حارسًا للعدالة والطبيب حارسًا للجسد، فالصحفي هو حارس الحقيق ولا يمكن أن يكون الحارس بدون أجر.

اضف تعليق