مع بداية كل يوم يسير بعض الناس ان لم يكن اغلبهم بشكل مبرمج وعلى خطى ثابتة، فقد اعتدنا ننجز الاعمال الموكلة الينا بأسلوب واحد، ربما لا نرغب في تغييره لدواعِ عديدة، وهذه البرمجة تبدأ من الدوام اليومي وما يرافقه من تفاصيل مكررة حتى نهاية الدوام او العمل، ومن ثم نشرع بدورنا الاسري ككل يوم ليعود الشريط مراراً ويعود وتعود معه الصور الزمكانية ذاتها في كل يوم.

حتى بعض النشاطات الاجتماعية والممارسات والطقوس جرت العادة على اقامتها والتعامل معها على انها مسلمة متفقة عليها لا يطرأ عليها أي جديد ولا يطالها أي تحديث، ليتصدر بالتالي ذلك الروتين اليومي المشهد في حياة البشر.

وبالاستمرار في اداء كل هذه الجزئيات على نحو واحد يبدأ الانسان يصاب بالضجر والملل والرتابة التي تقلل النشاط ويغير من نظرة الفرد للحياة وتتشكل لديه رؤية سلبية، فتبدو الحياة على هيئة فيلم يعاد عرضه في كل يوم مما يدق جرس الخطر للإصابة بأمراض نفسية ومنها الاكتئاب النفسي، فعبر التكرار في أكثر اعمالنا تتسلل الكثير من السوداوية الى عقولنا وتنخر قوانا الذاتية.

وبذلك يسقط الانسان في الحلقة المفرغة التي كونها الروتين اليومي القاتل والذي صنعه الانسان لنفسه، فكل الحذر ان نبقى قابعين ومقتنعين بتكرار المشاهد خوفاً عن تجربة الجديد، لأن ذلك يجعل حياتنا على سطح الكرة الأرضية هو حاصل يوم واحد فقط مضروب بعدد الأيام التي نعيشها.

العجز ايضاً في تغير نمط من انماط حياتنا يقتل فينا شغف المعرفة والتجريب فنغدو لا نملك محرك لكسر الروتين مما يجعلنا مستلمين له وبذا فقدنا الوقود الذي يدفعنا للعمل والاتيان بإنجازات شتى مهنية او علمية او وظيفية او غيرها، وبالتالي نبقى نسير نحو جهة واحدة اعتدناها، حتى أصبحت طريقا ذا اتجاه واحد ذهاباً وإياباً.

في هذا الخصوص يقول (زيغفريد ليل) رئيس جمعية التدريب العقلي في دراسة اجراها على عدد من العمال بعمر 25_30 سنة، بينت الدراسة ان مستوى ذكاء هؤلاء العمال تراجعت بسبب اجبارهم على العمل في نفس الوظائف يومياً دون وجود تغيير ولو بسيط، فالروتين اليومي هو عدو استمرارية الذهن في الابداع وتجدر الإشارة أن معدل الذكاء المتوسط يبلغ مائة نقطة عند الانسان الطبيعي.

وفي دراسة اخرى نشرت على موقع (هايل براكسيس) الالماني افضت الى ان المكوث طويلا في مكان عامل معين دون الانتقال الى بيئة عمل اخرى لا تعطي حافز نفسي للفرد من تطوير عمله او المحافظة على مستوى اداءه على اقل تقدير.

كما يصح الحديث حول امكانية تأثير الروتين في الصحة النفسية، فقد يؤدي الى تراجعها والمصداق على ما نقول هو اصابة الافراد اللذين يعيشون رتابة في تفصيلات حياتهم بالاغتراب النفسي كما يفقدون المتعة بالأشياء التي كان يستمتعون بها من ذي قبل.

من ابرز الاسباب التي تدفعنا الى القبول بالروتين والابعاد عن التجديد هي: ان محاولة تغير طريقة العمل يحتاج الى وقت وجهد جسماني وربما فكري في الحالات التي تعتمد على الفكر والابداع، كما ان في الاستمرار على نفس النسق يسرع الانجاز في المهام على اعتبار اننا اعتدنا على تأديتها على نحو يومي سريع نتيجة للتدريب تلقيناه والدافع الى الاستمرار في الروتين هو العجز والكسل والخمول وهذه الظاهرة تنتشر بشكل كبير في صفوف الموظفين.

ويفضل الكثير من الناس عدم الخروج عن المألوف بداعي خشيتهم من التعرض للانتقاد سيما من كبار السن او ممن يسبقوهم في العمل في نفس المهن ونفس اماكن عملهم، كما يعد ضعف ثقة الناس بأنفسهم وامكاناتهم في التجريب للخروج بشيء مختلف يجعلهم قابعين تحت سطوة القديم المتهالك وان كان لا يواكب متطلبات الحداثة والتجديد.

ويمثل فقدان الفرد للرضا الوظيفي عن مكان المؤسسة التي عمل فيها سبباً مهما في رفض البحث عن الجديد في العمل كأسلوب رفضي لسياسية المؤسسة او من يرأسها، تلك هي ابرز ما يجعل الافراد يستمرون في روتين يومي قاتل.

اما افضل الحلول او المعالجات التي يمكن للإنسان من خلالها ان يغير من الروتين فهي: محاولات تغير جزئيات ولو بسيطة في العمل مثل تغير مكان المنضدة التي توضع عليها جهاز الحاسوب، او تغير الطريق الذي يوصلنا لمكان عملنا ذهاباً واياباً الى المنزل.

والتجرأ على تجريب طرق جديدة للعمل وان كانت تستغرق وقت اطول في الانجاز بالمقارنة بالطرق التي تتبع يومياً ما من شأنه ان يعطي الفرد دافعية في الاستمتاع بالتغير، وحتى طرق التفكير يمكن الخروج بها عن الرتابة عند الخروج من طرق التفكير الكلاسيكية او ما يسمى التفكير (خارج الصندوق) بالتالي الوصول الى نتائج مختلفة بمعنى الوصول الى الابداع.

ختاماً: ان الانسان تسير حياته قوتان هما الطابع الوراثي الذي يميز شخصيته والتطبع الذي يفرضه المحيط، فالطابع يميل الى السكون والراحة اما التطبع فهو الخروج عن الكسل الى العمل المختلف من حيث الاسلوب والطريقة والوسيلة وبذلك زاد من انتاجيته وكون له بصمة في مجتمعه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8