موجتان اجتاحتا مواقع التواصل الاجتماعي قبل يومين او ثلاث، وكلاهما يعتبران ردة فعل على حلقة من مسلسل (كما مات وطن) الذي تعرضه احدى القنوات المحلية، ويتناول ا المسلسل الدرامي مجموعة متنوعة من القضايا الاجتماعية السائدة او التحولات السياسية التي طرأت على الساحة في الأشهر الاخيرة.

تباين واضح بين الموجتين فبعضها وقفت الى جانب افكار المنتجين للعمل الفني، وبعض آخر اتخذ من الجهة المقابلة لهم مكانا منه يطلق الانتقادات، ما تعبر عن اعتراضه لما يتم طرحه من برامج لا تتماشى وذوقهم وتوجهاتهم، فضلا عن خلفياتهم الدينية والعقائدية، وطبقا لهذه المعايير كان لهم رأي في المواد الإعلامية والدرامية على وجه الخصوص.

قبل سبر الأغوار في حيثيات الموضوع والدخول بمتاهاته علينا التيقن ان لكل وسيلة إعلامية هدف وغاية تسعى لتحقيقه، وبذلك فان جميع ما يتم كتابته او سماعه وحتى مشاهدته له غرض معلوم ولم يُنتج الا لتحقيق شيء معين.

هذا المنتج بطبيعة الحال له تأثيرات جمة على الجمهور، ويتوقف حجم التأثير على حجم القاعدة الجماهيرية التي يتمتع بها، وهنالك علاقة طردية، اي كلما اتسعت رقعة جمهور المؤسسة، كلما زاد حجم تأثيرها بشرائح المجتمع، بينما يقل ذلك التأثير بشكل طبيعي اذا قلت القاعدة الشعبية، اذ أصبحت بعض المؤسسات تراهن على استمالة جمهورها عاطفيا واللعب على وتر المشاعر لتحقيق مبتغاها.

ونظرا لمعرفتها بحجم جمهورها أخذت تنتج الإعمال التي تمكنت من تجاوز الموانع، وحطمت الخطوط الحمراء لدى الناس، وعملت على بناء منظومة قيمية جديدة، ذات ابعاد وتفاصيل لا تخرج عن رؤية ورغبة القائم بالاتصال.

عوامل كثيرة ساهمت بان يأخذ هذا النوع من الوسائل مكانته بين الاشخاص، ويذاع صيته، يأتي في مقدمتها هو إدراك المشرفين عليها أهمية الإعلام وما يمكن احداثه، لاسيما في ظل العمليات الجارية لتسطيح العقول وإفراغها من مضامينها التي تراكمت بفعل عوامل التنشئة الاجتماعية للفرد، وبعد هذه المرحلة تبدأ مرحلة الغرس، عبر بث البرامج المحملة بالكثير من الرسائل ذات المضمون السلبي في كثيرا من الأحيان.

في المقابل لم تتمكن القنوات الوطنية او التي تعود لجهات لديها حرص بنسب متفاوتة على مستقبل البلد، ان تكون بيئة جاذبة للمحترفين، ومن ثم توظيفهم لخدمة هدفها الإعلامي، بل على العكس من ذلك تماما، فقد أصبحت بيئة طاردة للمبدعين والأشخاص المؤثرين، الذين تمكنوا من ترك بصمات واضحة وآثار طيبة، في اذهان المشاهدين، ويأتي من بين حزمة الأسباب ايضا هو إدارة تلك المؤسسات من قبل أشخاص لا يزالوا مراهقين في المجال وبعض منهم دخيلا لا يفقه شيئا، امر انعكس بشكل كبير على أساليب التناول وطرق المعالجة، وتقديم مضمون هزيل.

مثلما الوسائل متباينة الاتجاهات فالجمهور متباين الثقافات ايضا، فهنالك من يعود الى مجتمع منغلق يرى في سماعه او مشاهدته بعض الأعمال مشكلة دينية لا يمكن تجاوزها، في حين يوجد من يبحث عن برامج من نوع آخر لسد حاجة التسلية والفضول لمعرفة ما يحيط به.

النوع الأول من الجمهور وبعد معرفته بتصحر أراضي القنوات التي يفضل متابعتها، قرر المغادرة وحجز له مقعدا بين صفوف الجمهور الثاني، وهنا بالتأكيد شكل مؤشرا واضحا على الإشكالية التي وقعت بها المحطات ذات الصبغة الدينية، فهي لم تتمكن من القبض على جمهورها ومنعه من الادبار عن شاشاتها.

هذا الخلل الذي حصل بهذه المعادلة لا يمكن ان نعلقه على شماعة المؤسسات الاعلامية فحسب، بل يتحمل جزء كبير منه الجمهور، فالمحطات هنا بقيت اسيرة بين ما يفرضه عليها من موانع وبين متطلبات المرحلة وما يحتاجه الشباب من برامج تهمهم وتسلط الضوء على معاناتهم، الى جانب إسعادهم وإخراجهم من الواقع المر الذي يعيشونه برؤية متجددة بعيدا عن القوالب القديمة.

كما ان وزارة الثقافة لم تكن خارج دائرة التقصير، فهي لم تضع معايير معينة وعوامل ترشيح لتنقية ما يقدم للجمهور بمختلف اشكاله، اذ وضعت الحبل على الغارب، ولا تعلم ماذا يُنتج وماهو الهدف منه، وكيف سيؤثر على الأجيال الناشئة، فبعض الأعمال حكمت على اجيال بالإعدام نتيجة ما زرعته فيهم من افكار منحرفة.

ولم يعفي ذلك الإعلام الحكومي من المحاسبة لعدم اخذ دوره الحقيقي والفعال، لتقليص الفجوة الحاصلة بينه وبين الجمهور، الذي ذهب نحو إعلام الأحزاب وهو مرتاح البال، ولديه قناعة راسخة بترهل ما يقدمه وفقر مضمونه، الذي لا يتعدى تلميع صورة الحكومة امام العامة والابتذال في الطرح.

ان الذي فسح المجال امام مثل هذه الأعمال ان تنشط ويكون لها صدى واسع في الإطار المحلي هو تناولها قضايا وظواهر محلية أولا، ومن ثم افتقار الوسط الى منتج بمواصفات جيدة يستحوذ على اهتمام الجمهور ثانيا.

وهنا لابد ان تكون صحوة إعلامية تأخذ بدورها بيد الإعلام المتزن الى ميدان المواجهة الفعلية، وهذا لم يتم الا في حال الخروج الى مرحلة معالجة السلبيات وتطوير الإيجابيات، والسعي بصورة مستمرة الى حين توليد حالة من الرضى والمقبولية لدى الجمهور، وإعادة الثقة المفقودة منذ عقود.

وكذلك من الصحيح ان يعي الجمهور ضرورة تغيير بعض الثوابت التي تضعها القنوات المحايدة الى حد ما، ففي حال التزمها بالقديم تصبح محل تهكم وسخرية من قبل القريب قبل الغريب، ومن ثم تكون سلعتها غير قابلة للاقتناء، ولا يستسيغها أحد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11