يصاب المواطن العراقي بخيبة الامل نتيجة للكثير من القصص الوطنية التي يشاهدها في محيط عيشه لكنها لا تجد طريقها الى وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بينما يشاهد يوميا مئات القصص العادية في دول أخرى يتداولها الاعلام والرأي العام العراقي باعتبارها قصصا ملهمة، المهندس الذي صنع ماكينة عراقية خالصة ولم تجد طريقها للاعلام، والطبيب الذي يعمل بجهد مجاني والمعلم الذي ابتكر طريقة جديدة لتوصيل الأفكار لتلاميذه، والأستاذ الجامعي الذي نشر بحثا علميا رصينا.

القصص تلك وغيرها مدفونة تحت تراب الرفوف، حتى وان نشرت فانها تنشر بطريقة العتب والتوبيخ، على غرار الطريقة المعروفة "لو كانت في دولة اجنبية لوجدتها مشهورة في وسائل الاعلام"، و "اعلامنا مأجور لا ينشر الا القصص الأجنبية" و "مواقع التواصل الاجتماعي تابعة للاجنبي ولا تريد الخير للعراق" و "مغنية الحي لا تطرب".

المسألة ليست بهذه البساطة، ولا تتعلق بالخيانة الوطنية، ولا الولاء للخارج فقط، فرغم صحة هذا الافتراض في نسبة معينة، لكن هناك أسباب أخرى اكثر تاثيراً وهي الفاعل الجوهري في الظلم الذي يتعرض له المبتكر العراقي في نشره ابتكاراته، او القصص الملهمة التي تخرج من العراق.

على مستوى الداخل

1. تراكم الازمات في العراق جعل الخبر الرئيسي عن هذا البلد هو الحروب والقتل والتفجيرات والصراعات السياسية واخبار الفساد والسطو على المال العام، اما الاخبار الجيدة فهي غير موجودة على أولويات دفتر ملاحظات الصحفي سواء كان اجنبيا او محليا، لانه ترعرع على صورة سلبية للعراق ويعتقد ان البحث عن تلك القصص الملهمة يشبه البحث عن ابرة في كومة قش.

2. ضعف الاعلام المحلي عموما، فالتجربة الإعلامية العراقية جديدة العهد، اذ ان مولد الاعلام العراقي بشكله الديمقراطي يبدأ عام 2003 بعد الغزو الأمريكي وفتح سوق الأفكار وانتشار الأفكار الحرة، وهذه التجربة أساسها الاعلام الحزبي الذي يركز على نشر ما يرتبط بالحزب نفسه وسلبيات الأحزاب المنافسة، أي ان هناك عملية تلميع للحزب الممول للمؤسسة الإعلامية، وعمليات تسقيط للأحزاب الأخرى، والتسقيط لا يشمل الحزب فقط بل يتخطاه الى تسقيط جمهوره.

هناك مؤسسات إعلامية تاسست على قالب قومي او طائفي ولا تنظر للواقع الا من خلال الطائفة او القومية، فلا تنشر القصص الجيدة الموجودة لدى الطائفة الأخرى او القومية الأخرى، كما تحاول تلميع صورة الطائفة التي انبثقت منها، حتى وان أدى ذلك الى إخفاء الحقائق او تصنيع واقع مزيف.

وبسبب هذه الثنائية لم تتولد لدينا تقاليد إعلامية وطنية شاملة جامعة لجميع العراقيين، فالاعلام اعور، وان حاول النظر بزاية واسعة يعود وينكفئ على نفسة، فهو لم يتعود التحدث بلغة الوطن.

3. سيطرة الاعلام السياسي واحتلاله المرتبة الأولى في مجمل النشاطات اليومية لوسائل الاعلام، والجوانب الجميلة من القطاعات المجتمعية الأخرى يتم تناولها بطريقة الخبر السياسي، او يؤخذ منها الجانب السياسي فقط ما يفقدها الكثير من الابهار وبالتالي يقلص فرص انتشارها.

4. اعتماد الاعلام المحلي على الأجنبي، فالقصص البسيطة التي تنشر في وسائل الاعلام الأجنبية تعادل عشرات القصص الإبداعية التي تنشر في وسائل الاعلام المحلية، لاسباب تتعلق بغياب الثقة، واصلها يعود الى طبيعة عمل المؤسسات الإعلامية المحلية التي تنظر لبعضها البعض على انها خصوم وليست كتلة واحدة تختلف في بعض وجهات النظر ويجمعها الوطن، انما تنظر لبعضها البعض بمنظار حزبي او طائفي وتعتقد ان ما ينشر في الصحيفة (أ) لا بد وان يحمل رسالة معينة للحزب الممول او الطائفة والقومية التي تنتمي اليها، ومن ثم لا تتبادل وسائل الاعلام العراقية القصص الإبداعية فيما بينها، وحتى التحالفات الإعلامية التي تشكلت تحمل ابعادا قومية وطائفية.

5. التمويل الخارجي لوسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فلا يخفى على احد حجم التمويل الذي تحصل عليه بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية، والصفحات الكبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي من دول خارجية بشكل علني تارة ومخفي تارة أخرى، وهذا التمويل يستهدف التسويق للدول الخارجية، ولا يهتم اطلاق بالشأن المحلي، لذلك فلا غرابة من تسويقه لقصص خارجية بسيطة بينما يهمل اعظم القصص المحلية.

على المستوى الخارجي

1. وسائل الاعلام الأجنبي ضاربة في القدم وهي بالإضافة الى خبرتها الواسعة فهي كثيرة، اذ انها تنشر الاف القصص الإخبارية الكثير منها لا يلقى رواجا، لكن طبيعة التنافس الإعلامي وخبرتها الواسعة في التعامل مع الملفات المختلفة جعلها تملك مفاتيح العقول وتستطيع التسويق لبعض القصص وتدفعها نحو العالمية ما يجبر وسائل الاعلام في اغلب دول العالم على تناولها.

2. طبيعة المجتمعات الأجنبية، فهي مجتمعات منتجة وتملك العديد من المصانع والشركات العملاقة التي تقدم يوميا ابتكارات يصعب عدها، ولديها كل أدوات الإنتاج، بما يجعلها تمثل النموذج الذي يحتذى به، خاصة الدول الغربية منها، أي انها النموذج المثالي للعيش، وكل قصة تنتج هناك تمثل انموذجا يجب ان يحتذي به الجميع على عكس ما يجري في البلدان العربية ومنها العراق التي تمثل انموذجا للازمات وان وجدت فيها الابتكارات فهي حالة استثنائية ولا يمكن تحويلها الى واقع بسبب الصراعات السياسية والتسابق على نهب المال العام.

وفي حال أراد الاعلام العراقي ان يكون مصدرا للقصص الإيجابية المحلية فعليه التحرر من سطوة السياسية بجانبي التمويل والعمل الاخباري، وتطويل الكفاءات الإعلامية لتستطيع تمييز القصص الوطنية وتجريدها من جوانبها الطائفية والقومية وتقديمها على انها قصص عراقية خالصة لتلقى الرواج المحلي اولاً والرواج الإقليمي والدولي ثانياً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1