منذ أن خُلِقتْ البشرية، أخذت تتبلور بوادر التطور، وانتقل الإنسان من مرحلة الصيد والترحال، إلى مرحلة الاستقرار في تجمعات عند الأنهار، أو عند الواحات ومصادر المياه الأخرى، لذلك نشأت حضارة وادي الرافدين كواحدة من أقدم الحضارات، وبدأت ترفد العالم آنذاك بأيقونات التطور وشروع مرحلة التحوّل من الإشارة ثم الرسوم على جدران الكهوف، فالمنحوتات ثم مرحلة الانتقال الصوتي، لنصل بعد ذلك إلى الانفجار الفكري بظهور عصر الكتابة وصناعة الورق والمطابع، وكان للثقافة والفنون المختلفة دورها في إدامة التحضّر، وتعدد وتنوّع الحضارات.

علماء الآثار يعرّفون الحضارة بأنها نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتألف الحضارة من عناصر أربعة هي:

- الموارد الاقتصادية.

- النظم السياسية.

- التقاليد الخُلقية.

- العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها وباختصار الحضارة هي الرقي والازدهار في جميع الميادين و المجالات.

ترتكز الحضارة على البحث العلمي والفني التشكيلي بالدرجة الأولى، فالجانب العلمي يتمثل في الابتكارات التكنولوجيا وعلم الاجتماع فأما الجانب الفني التشكيلي فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات وبعض الفنون التي تساهم في الرقي. فلو ركزنا بحثنا على أكبر الحضارات في العالم مثل الحضارة الرومانية سنجد أنها كانت تمتلك علماء وفنانين عظماء. فالفن والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أي حضارة.

في اللغة العربية الحضارة كلمة مشتقة من الفعل حضر، ويقال الحضارة هي تشييد القرى والأرياف والمنازل المسكونة، فهي خلاف البدو والبداوة والبادية، وتستخدم اللفظة في الدلالة على المجتمع المعقد الذي يعيش أكثر أفراده في المدن ويمارسون الزراعة، التعدين، التصنيع على مستوى مصغر، والتجارة. على خلاف المجتمعات البدوية ذات البنية القبلية التي تتنقل بطبيعتها وتعتاش بأساليب لا تربطها ببقعة جغرافية محددة، كالصيد مثلاً، ويعتبر المجتمع الصناعي الحديث شكلاً من أشكال الحضارة.

السرقات العالمية المنظمة للآثار

وطالما أن لكل شيء نقيضه، فقد ظهرت معيقات التطور الحضاري، ومنها وربما في مقدمتها، السرقات المنظّمة للإرث البشري في مجال الآثار، كونها تشكل المخزون المتدرّج للتطور، وارتفاع أثمانها لدرجة أن العصابات والمافيات الدولية سال لعابها، فتشكّلت منذ أزمنة بعيدة لتخريب الإرث العالمي، وقد طال العراق الجزء الأكبر من السطو على الآثار النفيسة، في أور والزقورة والحضر وآشور ونينوى، ولعل أخطرها ما حدث إبان الغزو الأمريكي للعراق، وهجوم الرعاع على متحف بغداد الذي كان يضم آلافاً من قطع الآثار النفيسة.

هذا يفصح عن جهل القائمين على هذه الآثار لأهميتها، والمعني هنا السلطات التي تقع عليها مسؤولية حماية الآثار، فكلّنا نعرف أن الأمريكان لم يتدخلوا في منع السرقات التي حدثت لآثار متحف بغداد، بل كانت تجري أمام أعينهم وربما بتشجيع منهم!!.

يقول الكاتب أيمن محمود في مقال له جاء تحت عنوان (هكذا صارت الآثار العراقية في متناول الجميع): تحدَّث كثير من المحللين عن أن الغزاة الأمريكيين وضعوا النفط العراقي نصب أعينهم عند اتخاذ قرار الغزو، لكن نهب الآثار الناتج عن العمليات العسكرية في العراق يفوق الضرر الناتج عن سرقة النفط، فإن كان للنفط قيمة اقتصادية عالية، فالآثار لا تقدر قيمتها بثمن، بل تكمن قيمتها في أنها تمنح العراق هويته وتاريخه الذي لا يعوضه المال، وهو ما تناولته مجلة «The Atlantic» الأمريكية في تقرير لها.

وقد شهد العراق عمليات سلب ونهب للآثار على مستوى غير مسبوق في الفترة التي أعقبت إنهاء النظام السابق على يد القوات الأمريكية الغازية. والآن، وبعد مرور 15 عامًا على سقوط صدام، بلغ عدد القطع الأثرية المنهوبة نحو 15 ألف قطعة، استعيدت سبعة آلاف منها فقط، فيما تظل ثمانية آلاف قطعة أخرى مفقودة. وللأسف، تلك الإحصائية تمثل مسروقات المتحف الوطني في بغداد فقط، وقد تكون إحصائيات ما سُرِقَ من باقي أنحاء العراق مفزعة أكثر.

البيع الإلكتروني لنفائس لا تقدّر بثمن

وقد لاحظ الخبراء نقلة نوعية في قضية سرقة الآثار العراقية والاتجار فيها، إذ أن القطع الأثرية المنهوبة أصبحت متاحة بشكل ملحوظ على مواقع التسوق الإلكتروني، والآن بإمكان الجميع أن يستمتعوا بجولة تسويقية بين مقتنيات حضارة بلاد الرافدين. وما سهَّل تداول تلك المقتنيات أن المواقع التي تعرضها لا تُلزم البائع بتقديم شهادة معتمدة ببيانات كل قطعة أثرية، مثل التي تأمر اليونسكو بإصدارها منذ عام 1970.

«أويا توبشوغلو»، أستاذة الآثار في جامعة نورثويستيرن الأمريكية، تقول لكاتب التقرير إنه من السهل تزييف مصدر معروضات المواقع الإلكترونية، فبإمكانك الادعاء أن جدك اشتراها في زيارته للشرق الأوسط عام 1928، وأصبحت في حوزة العائلة منذ ذلك الحين، أو تدَّعي أنها قطعة ضمن مجموعة امتلكها نبيل سويسري في فترة الخمسينيات، ولن يستطيع أحد إثبات صحة تلك الادعاءات أو خطئها. وقد أجرت أويا دراسة لتتبع مصدر كميات من المعروضات الأثرية على المواقع الإلكترونية، فوجدت أن معظمها بيع في لندن، التي ظلت لفترة طويلة مركزًا لتجارة آثار بلاد الرافدين، لكنها في الوقت ذاته أكدت صعوبة إثبات ما إذا كانت تلك التحف مسروقة من المتحف الوطني العراقي أم لا.

لا تنحصر أضرار الجهل بالإرث العالمي بخصوص الآثار والتراث بمختلف مسمياته، بالعراق وحده، فهناك جهل عالمي، أدى بالنتيجة إلى إحداث نوع من عدم الاحترام لما تركهُ لنا الأجداد من نفائس فكرية وفنية وآثارية، ولكن يزداد التطاول على الأثريات ومخزونها بسبب أثمانها العالية، وهذا ما حفّز على سرقتها، مع ازدياد التجاهل الدولي لعمليات التهريب وبعثرة الآثار في عموم دول العالم.

ما يحدث يدل على مساهمة دولية في تقريب الحضارة من حافة الانهيار، فالحرائق المدمِّرة تبدأ بشرارة صغيرة، لكنها ما تلبث أن تنتشر وتتزايد، لتصبح بعد لك مصدر تهديد وتدمير شامل، ينطبق هذا على ما يحدث اليوم من جهل ولامبالاة رسمية على المستوى العالمي، في التعامل مع قضية الحفاظ على الآثار العراقية وسواها في عموم المنجز العالمي، وهذا بحد ذاته يرسل إشارات مخيفة لتقريب المنجز الحضاري العالمي من حافة الانهيار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3