تعد مدينة بابل الأثرية من أكثر الإمبراطوريات نفوذا في العالم القديم بين عامي 626 و539 قبل الميلاد، وتشمل مركز الإمبراطورية على الأسوار الداخلية والخارجية للمدينة والأبواب والقصور والمعابد، وتمثال أسد بابل الشهير وكذلك أجزاء كبيرة من بوابة عشتار الضخمة من الطوب الأزرق عليه نقوش حيوانات أسطورية تحمي أحد المداخل الثمانية لبابل الأصلية. والجنائن المعلقة المشهورة عالميا أكثر منها محليا، وبرج بابل التوراتي، الذي سيكون بالنسبة لعلماء الآثار زقورة بابل، وهو صرح ديني أكدي، إضافة إلى عدد من القرى والمناطق الزراعية المحيطة بالمدينة، ويمتد على مساحة عشرة كيلومترات على بعد نحو مئة كيلومتر جنوب بغداد، وطرح ملف الآثار البابلية العراقية على لجنة التراث العالمي لمنظمة لأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (يونيسكو) منذ عام 1983، بهدف إدراج هذا الموقع على لإئحة التراث العالمي.

وبعد ثلاثة عقود من الجهود التي بذلها العراق في هذا الاتجاه وخلال النقاشات في العاصمة الأذربيجانية (باكو)، وافقت لجنة التراث العالمي (يونيسكو) في 5‏/7‏/2019 على إدراج موقع بابل الأثري التاريخي لبلاد ما بين النهرين على لائحتها، والتي جرت الإشارة إليها لأول مرة في لوح من الطين يعود للقرن 23 قبل الميلاد. قال ممثل العراق لدى لجنة اليونيسكو، "ما هي لائحة التراث العالمي من دون بابل؟ كيف سنخبر تاريخ الإنسانية من دون أول فصولها، بابل؟".

وأشارت لجنة اليونيسكو من جهتها إلى أن موقع بابل في "حالة محفوفة بالمخاطر (...) وبحاجة ماسة للحفاظ عليه ومنعه من الانهيار".

وذكر الموقع الرسمي لليونسكو على الإنترنت أن بابل "تجسد إبداع الإمبراطورية البابلية الحديثة في أوجها"، مشيرا إلى، أن ارتباط المدينة بواحدة من عجائب الدنيا السبع قديما وهي حدائق بابل المعلقة كان له تأثير على أشكال الثقافة الفنية والشعبية والدينية على مستوى العالم.

أما ممثل تونس، فاعتبر أن إدراج بابل "يملأ فجوة واضحة في القائمة، وبالفعل، هذا نوع من المواقع يمكننا أن نقول إن هذه الاتفاقية وجدت لحمايته".

وتشير شاتلار، وهي أيضاً باحثة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، إلى أن إدراج اليونيسكو لبابل اليوم "اعتراف مهم وخبر سار للسلطات التي تأمل في أن تعزز الفخر الوطني".

عقود من الإهمال

بدأت أعمال التنقيب مدينة بابل، في أوائل القرن التاسع عشر على يد علماء آثار أوروبيين. وفي سبعينيات القرن العشرين وفي إطار مشروع ترميم، أعيد بناء جدران وأقواس القصر الجنوبي بشكل رديء فوق الآثار الموجودة، مما تسبب في أضرار واسعة.

وتفاقم الأمر خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 عندما تمركزت قوات أمريكية وبولندية بالقرب من الموقع وبنت قاعدة عسكرية فوق أثار بابل. ولا يزال من الممكن رؤية الكثير من النقوش التي كتبها الجنود على الطوب القديم.

من جهته، قال مدير آثار البصرة قحطان العبيد الذي قدم ملف بابل إلى اليونسكو، لوكالة فرانس برس إن بابل التي يزيد عمرها عن أربعة آلاف سنة "أكبر مدينة مأهولة بالسكان في التاريخ القديم، وهي الأولى في العالم حيث تفصل فيها مناطق المعابد الدينية والقصور السياسية".

وأضاف، أن بابل كانت "شاهدة على التقلبات السياسية وعمليات النهب والتخريب التي قام بها الجنود الأميركيون والبولنديون الذين اتخذوا المكان مقرا لهم بين عامي 2003 و2005، ولقد تركوا أطناناً من النفايات العسكرية، وأعادوا حتى طلاء بوابة عشتار عند المدخل باللون الأسود".

والبابليين هم حضارة الكتابة والإدارة والعلوم، في العراق الذي يفخر بكونه أول بلد عرف الكتابة وعثر فيه على أول لوح مسماري يعود تأريخه إلى 5500 عام".

ويرى العبيد أن إدراج بابل على لائحة التراث العالمي "سيشجع البحث والتطوير في الموقع" بالاضافة إلى "الدعاية السياحية المجانية". مؤكدا، إن الموقع بحاجة ماسة للصيانة فخلافا لثلاثة مواقع‭ ‬أخرى في العراق على قائمة التراث العالمي، لم تدرج اليونسكو بابل على أنها في خطر بعد اعتراضات من الوفد العراقي.

البحث عن آثار العراق المنهوبة

بعد ما نقلت آلاف القطع منذ بداية القرن العشرين في حقائب الآثار الاستعمارية، عادت تلك البوابة منتصبة اليوم، لكن بعيدا عن ضفاف نهر الفرات، بل داخل متحف في برلين على ضفاف نهر شبريه. والعراق، الذي يعلم أنه غير قادر على استعادة البوابة الأصلية التي يبلغ طولها 28 متراً وعمرها نحو 2600 عام.

ثم أغار الدواعش في عامي 2014 و2015 على مواقع تاريخية وخربها، فيما وصفته (يونسكو) بأنه هجوم ”واسع النطاق“، واستخدم النهب لتمويل عملياته من خلال شبكة تهريب امتدت عبر الشرق الأوسط وخارجه.

واستولوا على آلاف القطع الأثرية قبل طردهم من العراق في 2017. معظم تلك الآثار لا يزال مفقودا، وأظهر تسجيل مصور نشرته الدولة الإسلامية في 2014 وانتشر على نطاق واسع أعضاء بالتنظيم يستخدمون الجرافات والحفارات لتدمير جداريات وتماثيل في مدينة نمرود الآشورية التي تعود إلى 3000 عام والقريبة من الموصل. وقاموا بتهريب وبيع ما لم يتمكنوا من تدميره.

و في ورشة عمل لحماية الآثار وتنسيق الجهود الدولية لاسترداد الآثار في المتحف الوطني ببغداد يوم 23 يناير كانون الثاني 2019، قال برونو ديسلاندس وهو مهندس صيانة في يونسكو وأول خبير دولي يصل إلى الموقع في مطلع عام 2017 بينما كانت عملية طرد التنظيم لا تزال جارية. " نحاول استرداد كثير من القطع الأثرية ونحتاج إلى كل الموارد المحلية والدولية للعمل. لا يقدر العراق على القيام بهذا بمفرده".

ونظرا لأن المعركة كانت لا تزال تدور على بعد بضعة كيلومترات فقط، كان عليه هو وفريقه أن يعملا سريعا لتقييم حجم الدمار في الموقع مستخدمين المسح الثلاثي الأبعاد والتصوير بالأقمار الصناعية. وجمعوا في غضون دقائق كنزا من البيانات يقولون إنها ستكون مهمة للغاية في اقتفاء أثر القطع المفقودة.

وقال ديسلاندس "عندما تؤخذ قطعة أثرية، يمكننا توثيق البصمة التي تتركها، ونحن نوثق هذا بدقة شديدة... وبالتالي يمكننا استعادتها... عندما نجد قطعة في أوروبا أو مكان ما تضاهي هذه الخصائص فيمكننا استعادتها... نعم!"

وشارك في ورشة العمل أفراد من الشرطة العراقية ومن الخارج ومسؤولون بالجمارك وخبراء في الآثار، وكانت ثاني ورشة خلال عامين تنظمها بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية في العراق.

وقال مسئولون بسلطات إنفاذ القانون إن بوسعهم مساعدة الشرطة العراقية على اقتفاء أثر القطع المفقودة بالاستعانة بقواعد بيانات عمليات الضبط ومعلومات أخرى بما في ذلك ما يتعلق بممرات التهريب.

وقالت ماريا بولنر المسؤولة بمنظمة الجمارك العالمية إن تقارير مسئولي الجمارك في أنحاء العالم بشأن عمليات الضبط المتعلقة بالتراث العالمي "ليست سوى قمة جبل الجليد" وإن تحسين التنسيق بين الدول أعضاء المنظمة البالغ عددهم 183 ساعد في زيادة عمليات الاسترداد. فيما قالت منظمة الجمارك العالمية إن ضباط الجمارك استردوا في 2017 أكثر من 14 ألف قطعة منهوبة في أنحاء العالم بينها آثار قديمة ولوحات وتماثيل، وذلك بزيادة 48 في المئة عن العام السابق.

من جهته أوضح، إيكهارد لوفير وهو ضابط شرطة ألماني شارك في ورشة العمل إن العديد من هواة جمع الآثار من القطاع الخاص وبعض المتاحف لا يسألون في العادة عن مصدر القطع الأثرية، هذه إحدى أكبر مشكلات الجريمة. وقال ديسلاندس إن المواقع داخل العراق لا تزال في خطر وعندما يتم تحرير موقع، هذا لا يعني انتهاء أعمال النهب.

العراق يسترد أثرا بابليا عمره أكثر من 3000 سنة

أعادت بريطانيا اليوم أثرا بابليا يبلغ عمره أكثر من 3000 سنة إلى السلطات العراقية. وكان الأثر البابلي، الكودورو، قد ضبط بواسطة السلطات الجمركية في مطار هيثرو بلندن بعد وصوله من العراق. ويعتقد أنه سرق بطريقة غير قانونية من بقايا معبد تاريخي.

ويقول مراسل الشؤون الفنية في بي بي سي فينسنت داود إن الكودورو عبارة عن تسجيل لعقد مهم لبيع الأرض يكتب على الحجارة أو الصلصال. والنموذج الذي سيعاد الى العراق مصنوع من الحجر الصلب جدا. ويبلغ طول الكودورو 40 سنتيمترا، رغم أن خبراء في المتحف البريطاني يعتقدون بأن ثلثه قد اختفى.

ولم يكن الآثاريون يعلمون بوجود هذا الكودورو بالذات إلى أن ضبط في مطار هيثرو، حيث قال مورده إنه حجر من تركيا وقيمته لا تتجاوز 330 دولارا أمريكيا، ولكن السلطات البريطانية قررت أن قيمة الأثر أكثر من ذلك بكثير، وأنه قد يفقد في السوق السوداء المتخصصة بالآثار القادمة من منطقة الشرق الأوسط.

ويقول الدكتور سنجن سيمبسون من المتحف البريطاني إن القطعة مهمة جدا ويعتقد أن الكودورو تعود إلى حكم نبوذخنصر الأول، الذي حكم بابل إلى عام 1103 قبل الميلاد. وتتضمن القطعة سلسلة من التعاويذ الغرض منها الحفاظ عليها إلى أبد الدهر. وسلم مدير المتحف البريطاني هارتفيغ فيشر القطعة الأثرية الثمينة إلى السفير العراقي لدى بريطانيا صالح حسين علي في احتفال أقيم بعد أن تأكد خبراء من صحة تاريخها. وقال فيشر "انها قطعة مهمة جدا من الإرث الحضاري العراقي"، مثمنا "الجهود الاستثنائية والدؤوبة" لمسؤولي الجمارك في مطار لندن.

وكان هؤلاء قد ضبطوا القطعة الأثرية في عام 2012، واتصلوا بالمتحف البريطاني بعد أن أطلعوا على وثائق تبين لهم أنها مزيفة. من جانبه قال وزير الفنون والثقافة والسياحة البريطاني مايكل أليس "ضبطوا هذه القطعة ووضعوا اليد عليها عندما شاهدوها في أحد الموانئ البريطانية، وبعد سنوات وبعد الكثير من الجهد القضائي، تمكننا من اعادتها الى العراق وهذه لحظة مهمة جدا".

ولم تتضح بعد الكيفية التي هربت بها القطعة من العراق، ولكن الوزير قال "نعتقد أنها سرقت قبل 15 عاما أثناء الفوضى التي كانت تعم العراق". ويقول الخبير الآثاري جوناثان تايلور إن "الكودورو عبارة عن لوح حجري رمزي مدون عليه اهداء قطعة أرض من الملك نبوخذنصر الأول إلى أحد مواطنيه كمكافأة لخدمته المتميزة.

وتكسو القطعة من أحد جوانبها رسوم للآلهة البابلية أنليل ومردوك، بينما تكسو الجانب الآخر كتابات بالخط المسماري. وقال تايلور إن القطعة تحتوي أيضا على "لعنات شديدة" لكل من يحاول الاستيلاء على الأرض المذكورة فيها أو يحاول اتلاف اللوح نفسه".

مدينة الأساطير

تحتل مدينة بابل الأثرية مكانة خاصة في التاريخ والأساطير العالمية، مع بوابة عشتار الشهيرة وحدائقها المعلقة وبرج بابل، وكلها معالم بارزة في التاريخ والأديان والفن، رغم كون مواقعها موضع نقاش دائم. ولدى العراق خمسة مواقع مسجلة في اليونيسكو، بينها قلعة أربيل التي أدرجت في العام 2013، والاهوار في العام 2016.

يضاف إليها موقع الحضر، شمال غرب العراق، المهدد بالخطر بحسب اليونسكو، وتم تسجليه عام 2005، وتعرض خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية ل"تطهير ثقافي" تمثل بعمليات تدمير وسرقة على يد الجهاديين. وهناك أيضا مدينة سامراء الأثرية التي أدرجت في العام 2007 على لائحة التراث العالمي المعرض للخطر بحسب المنظمة، بسبب العنف الطائفي الذي أعقب تفجير مراقد الائمة المقدسة لدى الشيعة. وموقع مدينة أشور سجل في العام 2003 معرضا للخطر أيضا بسبب مشروع بناء سد مائي.

تعرض مواقع الآثار للكثير من لأضرار وراح ضحية نهب الحروب، وبعد 35 عاما من حكم حزب البعث ومن ضمنها الحصار، ثم النهب والتهديم على يد الدواعش خلال حكمه الوحشي والتطهير الثقافي الذي دام ثلاث سنوات وانتهى في عام 2017. يسعى العراق الذي لديه ما لا يقل عن سبعة آلاف موقع أثري من ضمنها خمسة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي للعودة إلى الساحة الثقافية والسياحية وينهض من كبوته، ليكون واجهة الحضارة وقبلة السياح.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9