مثلما يوجد عمود ترتكز عليه الخيمة في نقطة مركزها، هناك مرتكَز للمجتمع يرتكز عليه كي يتطوّر، إنه المثقف الذي يتميز عن غيره بمخزون ثقافي فكري قادر على تغيير الناس، ونقلهم إلى مستوى، يمكنهم من خلاله مواكبة المجتمعات الأخرى في العالم.

كما نرى هناك مهمة كبيرة تترتب على من يدّعى الثقافة، فمن يعنوِن شخصه بأنه مثقف، ومن يُنسب عقليته إلى النخبة المثقفة، ينبغي أن تتوافر فيه اشتراطات مركّزة، أهمّها قابليته على تطوير الأفكار وتنويعها، حتى تكون ذات قابلية على تغيير عقول الناس وأفكارهم، بالدرجة التي تسمح لهم بأن يكونوا مثقفين متميزين، قادرين على منافسة الأفكار والثقافات الأخرى لغيرهم.

المثقف هنا عمود ومرتكز، وإذا هزل العمود أو ضعف المرتكز، هذا سيشكل خطورة هائلة على البنية الفكرية الثقافية للمجتمع، متى يمكن أن يكون المثقف هزيلا أو ضعيفا أو هشّاً؟ وهل يمكن أن يكون كذلك؟

المثقف مصباح يضيء عقول الآخرين، هذه هي مهمة المصباح، ومتى ما يخبو ضوؤه لم يعد مثقفا، هل هناك احتمالات لهزال المثقف أو ضعفه؟ بالطبع يمكن أن يتحول المثقف من مرتكز أو عمود مركز إلى وبال على نفسه وعلى المجتمع.

متى يمكن أن يحدث ذلك، وما الأسباب التي تجعل منه مثقفا أوحداً – من الأحادية وليس التميّز أو الاختلاف الأجود-، توجد أسباب مختلفة تؤدي إلى هذه النتيجة غير المرغوبة، ولكن أسوأ وأخطر تلك الأسباب، حين يتحوّل المثقف إلى (عارف وحيد) من بين العارفين، ومثقف وحيد من بين المثقفين، ومفكّر لا يدانيه آخر!.

فهو كما ينظر لنفسه، عقل لا يُضاهى، ومُنتج أفكار لا يجاريه عقل آخر، أفكاره وحدها صاحبة القدح المعلّى، وكل ما لغيره من أفكار محض سراب، فهو يخطّئ الآخرين، ويستكثر عليهم الاختلاف معه، بل يستغرب اختلاف أفكارهم مع أفكاره، لأنه ينظر لنفسه المفكر والمثقف الأوحد في محيطه الاجتماعي والثقافي.

هل هناك مثقفون من هذا النوع؟ وهل يمكن أن تصل النرجسية ببعض المثقفين إلى هذا المستوى، وهل يمكن أن يبلغ هذا النوع من المثقفين درجة من التضخّم الذاتي، بحيث يمحو الآخرين تماما، ويعلن نفسه (السلطان الأوحد للأفكار)؟، الإجابة الدقيقة نعم يمكن أن يصل بعضهم إلى هذا المستوى من الوهم، ولكن لماذا؟

هنالك أسباب كثيرة تقف وراء صناعة هذا النوع من المثقفين؟، ونقول صناعة! لأن هذا النوع ليس سويا، ولا يمكن أن ينتمي إلى صنف المثقف المتوازن، إنه بلغ من التطرف الفكري أقصاه، بسبب أمراض بيئية أو عضوية وراثية أو نفسية، يُضاف إلى ذلك مرجعياته المعرفية والثقافية.

يتآزر المرض النفسي مع البيئة الاجتماعية والجذور الفكرية، فنصل بالنتيجة إلى مثقف يلغي جميع المثقفين، ولا يتردد في إعلان ذلك على الملأ، لأنه يصل من الوهم إلى درجة تجعله يؤمن بنفسه بأنه المتفوّق الأكبر من بين المثقفين والمفكرين، لذلك غير مسموح لغيره – في قرارة نفسه- أن يختلف معه فكريا، ولا يسمح بأن يرى الآخرون وجود خلل فكري في طروحاته.

هذه الأحادية الفكري تنتهي إلى نتائج خراب فكري على المثقف نفسه أولا، فهو يتحول إلى رائي متطرف، ولسان سليط ذي نبرة جهورية حادة زاعقة هجومية، إذ يظن أنه بهذه الوسائل الفارغة، يمكنه أن يهيمن فكريا على الآخرين.

أما الحقيقة فهي تكمن تماما في بديهية أن الفكر ليس أحاديا، بل منفتحا على الجميع، مختلفا معهم أو متوافقا معهم، لا ضير في ذلك، لذلك قيل إذا تعددت الأفكار أو الآراء صحّت، وإن اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، وهذا يصبّ في مصلحة التعددية في الاختلاف الفكري، وليس في أحادية المثقف.

هل يمكن التخلّص من هذه الحالة الثقافية الشاذة؟، نعم بالطبع هناك فرص كثيرة يمكن أن تضع نفسها أمام المثقف الأوحد، يمكن هذا حين يختلي المثقف مع نفسه، ويراجع مواقفه الفكرية، يمكنه ذلك حين يهدّئ من مواقفه الفكرية الحادة أو المتطرفة، ويمكنه أن يتعامل مع الأفكار المختلفة بهدوء ورويّة.

وحين يؤمن هذا النوع من المثقفين الأحاديين، بأنهم قادرون على استيعاب الأفكار التي تشكل نديّة لأفكارهم، حين ذاك يكون المثقف الأوحد قادرا على استعادة صفة الاعتدال والتوازن، ومن ثم الانفتاح على الآخر حتى في حالة الاختلاف معه، حينذاك يمكن أن يكون المثقف قويا بأفكاره ومتميزا فيها، ليس فقط باختلافها، وإنما في قدرتها على عدم التعالي الفكري والثقافي على الآخرين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1