إنه آية من آيات الفكر الإسلامي، وإشراقة من إشراقات التاريخ العربي التي لا تفتأ تنشر نورها على الأجيال، وإن الواقف على ذلك الكنز الثمين بمحتواه العلمي والفكري والأدبي ليعلم على أي منبعٍ ثر يستقي من منابع اللغة العربية، وأي سفر يستطلع من أسفاره الخالدة، فهذا الكتاب قد حمل اسمه بحق (غرر الفوائد ودرر القلائد) وهو من إملاء السيد الشريف المرتضى علم الهدى على تلاميذه، وهو مرجع ومصدر مهم لا يستغني عنه الأديب والعالم والشاعر والمؤرخ والمثقف، وقد تضمن على كل ما يحتاجه هؤلاء في مسيرتهم الابداعية.

أما مؤلفه فهو الأديب العالم ذو المجدين علم الهدى أبو القاسم علي بن الطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليه السلام) أمير المؤمنين وسيد البلغاء والمتكلمين، ونجد أنه من الضروري ذكر نسبه كاملاً، فلا غرو على من ينتسب إلى مؤسس العربية الأول والقائل (وإنا لأمراء الكلام وفينا تنشّبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه) أن يعتلي صهوة المجد، ويصبح إمام العلم والفقه، ومؤسس أصوله، وأستاذ الكلام، ونابغة الشعر، وراوية الحديث، وبطل المناظرة، والقدوة في اللغة، والاسوة في علوم العربية كلها، والمرجع في تفسير القرآن الكريم كما وصف بذلك.

والحديث عن السيد الأجل الشريف المرتضى حديث شيّق يحمل أبعاداً علمية وفكرية وأدبية، فهذا الرجل الفذ كان نادرة قلّما يجود بها الزمن وإشراقة أنارت تاريخ العلم والأدب، ولعل أدل قول ينطبق عليه هو قول ابن بسّام في كتابه (الذخيرة) حينما قال: (كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، إليه فزع علماؤها، ومنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، وكان ممن سارت أخباره، وعرفت به أشعاره، وتصانيفه في احكام المسلمين ممن يشهد أنه فرع تلك الاصول ومن ذلك البيت الجليل).

وفي الحقيقة إن سفر هذا العلم الفذ بحر زاخر يموج بشتى المعارف والعلوم، وهذه الحقيقة حينما يعيها الدارس عنه ليشعر أن مهمته عظيمة على الذهن، جليلة على الفكر، كبيرة على القلم، ولكنها في نفس الوقت رحلة ممتعة شيقة ساحرة تأخذ بروح القارئ الى آفاق علمية وأدبية رحبة.

لقد تبوّأ هذا العالم الجليل من المكانة السامية والمنزلة العلمية ما قلّ ان يتبوّأها أحد وقد شاركه أخوه الشريف الرضي في هذه المكانة حتى قيل : (لولا الرضي لكان المرتضى أشعر الناس ولولا المرتضى لكان الرضي أعلم الناس)، فكانا قمرين أضاءا فضاء العلم وبحرين يهبان النماء.

ولسنا هنا بصدد الحديث عن سيرته المليئة بالعطاء فهي أجل من أن تحصر في هذه السطور، وإنما الحديث عن بعض آثاره الخالدة التي ندر أن يأتي الزمان بمثلها وهو كتابه هذا الذي لا نقول أنه أفضل ما جادت به يداه ، فله من مثله ما لا حصر له فمن أشهر تآليفه: (أماليه) و (دليل الموحدين) و(الحدود والحقائق) و(تنزيه الانبياء) و(جواب الملحدة في قدم العالم من اقوال المنجمين) و(الذخيرة في الكلام وفي أصول الدين)، و (الملخص في اصول الدين) و(الوعيد) وغيرها.

ومن كتبه الفقهية التي كانت ولا زالت تعد مرجعاً مهماً للشيعة في عصره وبعده (الانتصار فيما انفردت به الامامية) و(المرموق في أوصاف البروق) و (فنون القرآن) و (الذريعة في أصول الفقه) و(شرح الخطبة الشقشقية)... وغيرها، ومازالت كتبه ومؤلفاته حتى اليوم تعد مصدراً مهماً لأصول الشيعة، كما تعد آراؤه معبراً عنهم في آرائهم حول تنزيه الانبياء والأئمة وعصمتهم، كما يتضح ذلك من كتابيه (تنزيه الانبياء) و(الشافي) في الإمامة.

أما أماليه الذي نحن الآن بصدد الحديث عنه فهو مصداق قول المتنبي (وخير جليس في الزمان كتاب)، وقد استخدم فيه المؤلف طريقة فريدة في الجمع بين العلم والأدب ضمّنها في مجالس أملى فيها مسائل متفرقة في تأويل بعض الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وأحاديث أهل البيت (ع)، وأحاديث الأدب، وغريب الشعر وجيده في أغراض شتى، ومسائل أخرى متعددة مما اختاره (رحمه الله) ، فتراه يبدأ بإحدى هذه الآيات فيصوّر لك معناها في عبارة واضحة جلية، أو يوقفك على عقدة فيها تستحق السؤال والنظر، ثم يمضي بك بعد ذلك في رحلة فكرية شائقة في كل خطوة من خطواتها، متاعاً لنفسك وروحك وغذاءً لعقلك وقلبك، فلا تنتهي رحلة منها إلّا وقد تزوّدت زاداً قيماً صافياً متنوعاً وتطمع بالمزيد.

وهذه الرحلات الممتعة التي سماها السيد المرتضى (مجالس) لأنه أملاها على تلاميذه في بعض مجالسه تصل عدتها الى ثمانين مجلساً وتقع في أربعة أجزاء تعرف باسم (امالي المرتضى)، وقد عرض السيد الشريف المرتضى في (أماليه) مسائل مهمة في تفسير القرآن وتأويله وشرح الحديث النبوي الشريف وإيضاح غريب الشعر واستجلاء غموضه، فيبدأ (بتشريح) المسألة وإثارة كوامن الغموض فيها، ثم يجيب عليها جواباً كافياً شافياً يدعمه ببياناته الأدبية واستشهاداته اللغوية وادلته التاريخية، فاستطاع ان يمنح تلاميذه في مجلس واحد قسطاً من دراسة القرآن الكريم، وقسطاً من التاريخ الأدبي لطائفة من الشعراء والأدباء وشيئاً عن تاريخ الملوك والخلفاء. وسنستعرض انموذجاً واحداً لكل باب من أبواب مجالسه لكي يتضح للقارئ ما احتوى هذا الكتاب من نفائس العلم وجواهر الادب.. ففي مسائله عن تفسير القرآن وتأويله قوله: (إنْ سَأَلَ سَائِلٌ): ما وجه التكرار في سورة (الكافرون)، وما الذي حسّن إعادة النفي لكونه عابداً ما يعبدون وكونهم عابدين ما يعبد وذكر ذلك مرة واحدة يغني؟ وما وجه التكرار في سورة الرحمن تعالى: "فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"..

هذا هو السؤال الذي طرحه السيد على المجلس فأثار به معنى يراود النفوس ويداخلها وكثيراً ما يسأل عنه السائلون لا تردداً في بلاغة القرآن وسمو بيانه ولكن تطلعاً الى درك أسراره وتذوّق معانيه، ولم يزل ذلك لوناً في الوان التطبيق البلاغي والادبي تمرن به الملكات وتشحذ العقول وتطمئن القلوب.

ثم يبدأ السيد باستعراض آراء المفسرين في معنى ذلك فيلخص ما ذكره ابن قتيبة في معنى التكرار وهو ان القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما كان نزوله شيئاً بعد شيء فكأن المشركين أتوا النبي (ص) فقالوا: استلم بعض أصنامنا حتى نؤمن بك ونصدق بنبوتك فأمره الله تعالى بأن يقول لهم (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) ثم غيروا مدة من الزمان وجاؤوه فقالوا: أعبد بعض آلهتنا واستلم بعض أصنامنا لنفعل مثل ذلك بآلهتك فأمره الله تعالى ان يقول لهم (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) .

ولكن السيد المرتضى له رأي آخر فهو لا يقبل بهذا الجواب ولا يرتضي بهذا التوجيه فيرده ويبطله وإنه لمحق فما كان الكتاب الكريم ليخضع لمثل هذا التمزيق الذي يريد أن يمزقه به هؤلاء وأمثالهم وما كان هذا وجهاً يرتضيه الذوق الأدبي والبلاغي في أسمى كتاب جاء مطابقاً للبيان الشريف والادب الرفيع لذلك ردّه الشريف المرتضى ليعطي جواباً شافياً فيذكر أوجهاً ثلاثة كل واحد منها أوضح مما ذكره ابن قتيبة، ولا نطيل بذكر الأوجه الثلاثة وإنما نكتفي بذكر أولها فحسب وهو ما حكى من قوله: (إنما حسن التكرار لان تحت كل لفظة معنىً ليس هو تحت الأخرى وتلخيص الكلام: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) الساعة وفي هذه الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد في هذه الحال أيضاً، وقال من بعد: ولا أنا عابد ما عبدتم في المستقبل ولا أنتم عابدون ما أعبد فيما تستقبلون)، فاختلفت المعاني وحسن التكرار في اختلافها.

ثم يمضي المؤلف في تعداد الأوجه الأخرى حتى إذا انتهى منها وتحدث عن التكرار فيها يتحدث عن التكرار في سورة الرحمن يبين أنه : (إنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المتعددة فكلما ذكر نعمة أنعم بها قرر عليها ووبخ على التكذيب بها كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خوّلتك الأموال ؟ ألم أحسن إليك بأن خلّصتك من المكاره ؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت كذا وكذا ؟ فيحسن منه التكرار لاختلاف ما يقرره به ، وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم)، ثم يستعرض الشريف المرتضى طائفة من أشعار العرب على نمط التكرير في الشطر الأول حيث يكون صدر البيت في كل القصيدة متشابهاً فيستدل بقصيدة المهلهل بن ربيعة في رثاء أخيه كليب حيث يكون صدر كل بيت من القصيدة : (على أن ليس عدلاً من كليب) ولكن العجز يختلف من بيت إلى آخر كما جاء فيها :

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا خَافَ المُغَارُ مِنَ الْمُغِيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا طُرِدَ اليَتِيمُ عَنِ الْجَزُورِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إذا ما ضيمَ جارُ المستجيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إذا ضاقتْ رحيباتُ الصدورِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا خَافَ المَخُوفُ مِنَ الثُّغُورِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذا طَالَتْ مُقَاسَاة ُ الأُمُورِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ الزَّمْهَرِيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا وَثَبَ المُثَارُ عَلَى المُثِيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا عَجَزَ الغَنِيُّ عَنِ الْفَقِيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عَدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ *** إِذَا هَتَفَ المُثَوبُ بِالْعَشِيرِ

واستدل كذلك بقصيدة ليلى الاخيلية في رثاء أخيها توبة بن الحمير ، وقصيدة الحارث بن عباد التي مطلعها (قربا مربط النعامة مني) فيكرر هذا القول في كل القصيدة وكذلك قصيدة لامرأة من الانصار في رثاء زوجها ، ثم يقول السيد (وهذا المعنى اكثر من ان نحصيه) وقد دل ذكره لهذه الطائفة الكثيرة من الأشعار على تضلعه بالشعر العربي القديم وباعه الطويل في نفائس الأدب ، وهكذا كما في توضيحه لمعنى التكرار في هاتين السورتين الكريمتين يجيب السيد المرتضى في كل ما اشكل فهمه على تلاميذه في مسائل القرآن الكريم.

أما الحديث النبوي فقد استعرض كثيراً من أحاديث النبي (ص) وشرح معناها وأوضح مبتغاها، من هذه الأحاديث الشريفة قوله (ص): (من تعلّم القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم) وعلّق السيد على هذا الحديث بقوله: (الأجذم وان كان مقطوع اليد فان هذا المعنى لا يليق بهذا الموضوع لأن العقوبات من الله تعالى لا تكون إلّا وفقاً للذنوب وبحسبها واليد لا مدخل لها في نسيان القرآن الكريم، فكيف يعاقب فيها ؟

ثم استشهد ببعض الآيات القرآنية التي تجري فيها العقوبة وفق الذنب كالربا والسرقة ثم يذكر آراء ابن قتيبة وابن عبيد اللذين حاما حول المعنى فينقض آراءهما ، ثم يبيّن الوجه الحقيقي لهذا الحديث الشريف بقوله: (إنما أراد (ص) بقوله يحشر أجذم المبالغة في وصفه بالنقصان عن الكمال وفقد ما كان عليه بالقرآن من الزينة والجمال والتشبيه له بالأجذم من حسن التشبيه وعجيبه لأن اليد من الأعضاء الشريفة التي لا يتم كثير من التصرف إلّا بها فمن فقدها يفقد ما كان عليه من الكمال وتفوته المنافع والمرافق التي كان يجعلها ذريعة إلى تناولها وهذه حال ناسي القرآن ومضيّعه بعد حفظه لأنه يفقد ما كان لابساً من الجمال ومستحقاً له من الثواب) .

ثم يسوق جملة من الأدلة الشعرية والنثرية على ذلك دلت على باعه الطويل في علم الكلام واللغة، وعلى هذه الملكة القوية والبصيرة النافذة والعلم الغزير بكتاب الله وحديث رسوله (ص) وأحاديث الأئمة (ع) ومعرفته بعقائد الإيمان ومعارف المتقدمين والمتأخرين ممن خاضوا في علم الكلام وجادلوا فيه.

ويمضي السيد في مسائله في إيضاح وبيان أسرار القرآن والحديث النبوي والكشف عن كنوزه ونفائسه ، كما تضمن الكتاب مجالس أدبية قيمة منها ما أورده الشريف من أخبار ذي الرمة الشاعر وذكر الغريب من أخباره وإيراده طائفة كبيرة من مستحسن شعره ومقارنته بطائفة من أشعار العرب، ثم يستطرد الشريف المرتضى في مجالسه ومسائله فينتقل إلى لون آخر فيستعرض أخبار الزنادقة من الشعراء والخلفاء فقال :

(وكما أنه في الجاهلية وقبل الإسلام وفي ابتدائه قوم يقولون بالدهر وينفون الصانع ، وآخرون مشركون يعبدون غير خالقهم ويستنزلون الرزق من غير رازقهم، أخبر الله عنهم في كتابه وضرب لهم الأمثال وكرر لهم البيّنات والاعلام ، فقد نشأ بعد هؤلاء جماعة ممن يتستر بالإسلام ، ويحقن بإظهار شعائره والدخول في جملة أهله دمه وماله ، زنادقة ملحدون وكفار مشركون فمنعهم عز الإسلام عن المظاهرة ، وألجأهم خوف القتل إلى المساترة ، وبلية هؤلاء على الإسلام وأهله أعظم وأغلظ ، لأنهم يدخلون في الدين ويموّهون على المستضعفين بجأش رابط ورأي جامع ، فعل من قد أمن الوحشة ووثق بالأنسة بما يظهره من لباس الدين الذي هو منه على الحقيقة عار وبأثوابه غير متوار) .

وهذه كانت الغاية من ذكرهم وذكر أخبارهم وهي تحذير المسلمين منهم ومن دسائسهم وأكاذيبهم ، ثم يضرب السيد المرتضى مثلاً عن واحد من هؤلاء بقوله (حكى أن عبد الكريم بن أبي العوجاء قال لما قبض عليه محمد بن سليمان وهو والي الكوفة من قبل المنصور وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة: لئن قتلتموني لقد وضعت في أحاديثهم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة) !!!

ثم يعدد الشريف المرتضى أسماء هؤلاء في مقدمتهم الحاكم الاموي الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي فتح القرآن يوما فطالعه قوله تعالى (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) فنشر القرآن ورماه بالسهام حتى مزقه وهو يقول :

تهددّني بجبارٍ عنيدِ *** فها أنا ذاك جبارٌ عنيدُ

إذا لاقيتَ ربكَ يومَ حشرٍ *** فقل يا رب مزّقني الوليدُ

ثم يقول السيد عنهم (وهم وإن كان عددهم كثيراً فقد أقلهم الله وأذلهم وأرذلهم بما شهدت به دلائله الواضحة وحججه اللائمة على عقولهم من الضعف وآرائهم من السخف) ويستمر الشريف المرتضى بذكر أخبار هذا الأموي الكافر الوليد بن يزيد والذي أنكر الحساب والمعاد بقوله :

يذكرني الحساب ولست أدري *** أحقاً ما يقول من الحسابِ؟

فقل لله يمنعني طعامي *** وقل لله يمنعني شرابي

فيرد عليه السيد المرتضى بنبذة مختصرة لكنها جليلة الفائدة في عقوبة هذا اللعين حيث يقول: (ويله على هذه الجرأة على الله ويلاً طويلاً وما أقدر الله أن يمنعه طعامه وشرابه وحياته وما أولاه اللعين بأليم العذاب وشديد العقاب لولا ما تتم به المحنة وينتظم به التكليف من تأخير المستحق من الثواب والعقاب وتبعيدهما من أحوال الطاعات والمعاصي)

وبعد ان يستعرض الشريف المرتضى اخبار كل واحد من هؤلاء اللعناء وذكر طائفة من أشعاره يبين الغاية من ذلك فيقول: (ونحن نذكر من أخبار كل واحد ممن ذكرناه وتهمته في دينه نبذة نومئ فيها إلى جملة كافية مسألة من نرى إجابته ونؤثر موافقته فتكفلناه له من أجله مع إنه غير خال من فائدة ينفع علمها ويتأدب بروايتها وحفظها).

لقد تمكن السيد الشريف من أن يحذر تلاميذه من هؤلاء ومن رواياتهم وأساليبهم ووسائلهم كما تمكن من أن يفتح عيون تلاميذه على ما كان يتصف به بعض أهل الرواية من انحلال أو تحلل في النواحي الشخصية والعلمية والدينية حتى يفتح أمامهم باب الحيطة والنقد.

ذلك هو الشريف المرتضى المتألق بأواصره النبوية ومآثره العلوية وأياديه الندية في تشييد مذهب أهل البيت (ع) ولعل أروع من وصفه هو أبو العلاء المعري حينما سئل عنه فقال:

يا سائلي عنه لما جئت أسأله *** ألا هو الرجل العاري من العارِ

لو جئته لرأيت الناس في رجل *** والدهر في ساعة والارض في دارِ

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0