عندما نعترف بأننا تعرضنا لخسائر في الثقافية، هذا يعنني أن نمتلك جرأة، ولنا قدرة على وضع اصبعنا فوق الجرح، ولسنا من أصحاب المكابرة الفارغة، لأننا نعي ذاتنا جيدا، ونؤشر خساراتنا بدقة ووضوح، ويكفينا أننا نسعى الى تعويض هذه الخسائر التي حدثت في عامنا الماضي، ولدينا تصميم على معالجتها في عامنا الجديد 2015، أما إذا أغلقنا الاذهان والعيون، وأطلقنا اللسان مدحا بأنفسنا وانجازاتنا في الثقافة، فهو أمر ينم عن تغافل لا يقود الى تطور البلد في أي حال.

لذلك نحن اكتشفنا خسائرنا الثقافية بأنفسنا، ونحاول أن نضع لها علاجا مناسبا، فمن خسائرنا في هذا المجال، أننا اعتمدنا القشور الثقافية ولم نستبطن الأعماق الخفية، ومن اكثر اخطائنا الثقافية وضوحا أننا لم نستهدف البنية المجتمعية أفقيا، فكانت خسارتنا في الثقافة مزدوجة، فنحن أهملنا الطبقة الشعبية، وأسهمنا في حرمانها من الثقافة والوعي، وهذا خلل واضح في تحسين البنية الثقافية الأفقية للمجتمع، ولم نكتفِ بهذا الإهمال (مقصودا كان او خلاف ذلك)، فذهبنا الى خطأ جوهري آخر يتعلق بالبنية الثقافية عموديا، إذ أننا لم نستهدف الأعماق، ولم نبنِ ثقافة عميقة، بل كانت القشور تستدرجنا إليها، نظرا لإغراءاتها الآنية، أما الاعماق فهي لا تنطوي على مثل هذه المنفعة العاجلة، وهكذا ذهب المثقفون الى ما هو اسرع منفعة لهم، وتركوا مقابل ذلك المنفعة بعيدة المدى، تماما مثلما يفعل السياسيون العراقيون الآن، عندما يلهثون وراء المكاسب المادية العاجلة، ويهملون البناء السياسي الاستراتيجي للدولة، فيخسرون في ذلك فرصة تاريخية لبناء الدولة العراقية (العميقة)، ونعني بذلك القوية الديمقراطية المستقرة المتقدمة، القائمة على حكم المؤسسات القوية المستقلة.

ما فقدته ثقافتنا يشبه ما فقدته الدولة العراقية في البناء السياسي، لذلك بالغت ثقافتنا، وأعني المؤسسات الثقافية الأهلية، والحكومية، بإقامة المهرجانات والندوات التي تتعلق بكماليات الادب، ونسيَت دورها المهم في الوصول الى الناس من ذوي المستويات المتدنية في الثقافة والوعي، وقد يقول قائل أن هذه المهمة الثقافية لا تعود للأدب او المنظمات الادبية والثقافية، وهو تهرّب غير مقبول، إذا عرفنا أن قراءة الأدب والقضايا الثقافية عموما، يجعل الانسان ملتحما بالعالم كله، من خلال إطلاعه على الثقافات الأخرى، وسوف تتعمق إنسانيته الى أبعد الحدود، وسوف يكون من خلال الثقافة والأدب، إنسانا فاعلا، في مجتمع فاعل مثقف، وسوف يقود ذلك، الى بناء دولة متقدمة، من خلال كفاءات وقدرات ومواهب صقلها وقوّمها الأدب والثقافة معا، هذه الخسارة التي تعرضت لها ثقافة العراقيين في العام 2014، يمكن أن يتم تعويضها، بل يجب استردادها في العام القادم 2015، من خلال وضع الخطط والسبل الكفيلة بذلك، إذ لابد أن يتصدى لهذه المهمة خبراء الثقافة والفكر.

من خسائرنا الثقافية أيضا، انتعاش المطلبية الفردية، وانخفاض سقف الهدفية لدى المثقفين والأدباء، وحصر هذه المطالب بالفائدة الفردية او الفئوية الضيقة، ونسيان الطبقات الأوسع من المجتمع، فعندما يتصدى المثقفون لهدف ما، ويضغطون على القادة السياسيين، أو عندما تتحقق فرصة لقاء المثقفين بأحد القادة، فإن الشعب ومطالبه الثقافية لا تجد لها حضورا لدى المثقفين، بسبب انشغالهم بالفائدة الذاتية وتدني سقف الأهداف، هنا لابد أن تكون الخسارة كبيرة، ليس للثقافة والمثقفين فقط، وإنما ستطال الجميع، كما ثبت ذلك في عامنا الذي مضى قبل أيام!.

المثقف بوصفه عقلية بعيدة المدى، هو المسؤول عن إرشاد القائد السياسي، وتنبيهه على حاجات الشعب الثقافية وسواها، لذلك لا يصح التركيز على المطالب الفردية، أو بقاء سقف المطالبات متدنيا عاجلا ومحصورا بين مكاسب مادية سريعة، واذا ما أصرّ المثقفون والقائمون على الفعل الثقافي على هذا النهج، فإن الامر لا يعدو أن يصبح نوعا من الفساد، الذي يتهدد بنى الدولة والمجتمع في المجالات كافة، ولعل الفساد الثقافي يعد من اخطر انواع الفساد، وأكثرها تدميرا للمجتمع، كما نلاحظ ذلك في قول الروائي سعد سعيد: إن الفساد الثقافي هو أسوأ من الفساد الإداري والمالي، لأنه ينهي أمل مجتمع بأكمله في الرقي.

ومن خسائرنا أيضا، ضعف المبدئية في العمل الثقافي، فبدلا من ان تكون المؤسسة الثقافية نموذجا يحتذى به من لدن المؤسسات الزميلة لها، وبدلا من ان يكون المثقف مثالا للمواطن الأقل مستوى في الثقافة، نلاحظ وجود العكس، وهو امر يمكن تلمّسه من خلال الوقائع، هناك بعض المؤسسات المحسوبة على الثقافة أساءت للعراقيين، من خلال انتهازيتها ولهاثها وراء المادة أولا، ينطبق هذا على بعض المحسوبين على الثقافة والمثقفين، فبعض هؤلاء يقدم نفسه على كل شيء، ويضع فائدته أولا من دون تردد، وهذا يعد من الخسائر التي تسبب بها المثقفون والثقافة للمجتمع.

من هنا لابد أن يكون عام 2015، عاماً للتصحيح، وتعويض الخسائر الثقافية التي تعرض لها العراقيون، عسى أن يشكل ذلك دافعا للساسة وغيرهم، كي يتم النهوض بالبلاد الى مراتب أعلى تتسق مع مواردها المادية والبشرية، فتعويض خسائر العراقيين ثقافيا في عام 2015 سوف يشكل دعما كبيرا للجهود السياسية التي يتم بذلها لتصحيح المسار العراقي على وجه العموم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0