ثقافة وإعلام - أدب

النافذة

-1-

يرتدي ملابس القتال، يتزيّن بحزام العتاد، يضع البندقية على كتفه، يفوح منه عطر التراب المفدّى، تراب وطني، ملاذي وملاذ أطفالي، يطلب مني بكلمات كأنها وصيّة المخلصين المتأهبين للرحيل:

- لا تنسي ذكرياتنا الجميلة، احرسي الأطفال بعيونك.

أنظر إليه والدمعة تترقرق في عينيّ، يسيل خيط من الدمع على خدّي، يمسحهُ هو بأناملهِ الحنونة ويقول:

- كما وعدتكِ في المرة السابقة حين ذهبتُ للقتال، سأعود هذه المرة أيضا، فلا تجزعي، بكاؤك يؤذيني.

أكابد نفسي كي أبدو مرحة مستقرة، أتبسّم أمام عينيه، لكن لساني يتحجّر في فمي، وتخونني الكلمات، في قلبي هدير موّار، يمزق روحي وجسدي، حلم خبيث يدهمني، لا أستطيع البوح به، صوت وصداه سيبقى يتردد في رأسي إلى الأبد، يقول الصوت:

- زوجكِ لن يعود لك هذه المرة!..

قفزت من نومي، زوجي يغفو إلى جانبي بوجهه الوديع، أنفاسه كما عهدتها تنشر الأمان في روحي وقلبي وتجعل البيت جنّة من أمان وسلام، لكنني لم أستطع النوم بعد هذا الحلم، في الصباح تفاجأ باستيقاظي، واحمرار عينيّ، ورأى غمامة حزن تكسو ملامحي، لم يقل شيئا في البداية، لكنه حين أكمل ارتداء ملابس الرحيل، وتمنطّق بالرصاص، همس في أذني:

- سأبقى معكِ إلى الأبد يا .......

-2-

دائما يحصلُ هذا في ليالٍ مشحونة بالشوق، يقفُ الرجل نفسه مرةً أخرى فوق رصيف الشارع، تحت النافذة، ويحتوي بعينيه وجه المرأة التي أُغرِم بها وسعى كي تكون زوجة له، كان وجهها يطلُّ عليه بشكل جانبيّ من خلل الزجاج النظيف، كأنها تنظر إلى شيء ما في جدار غرفتها، طالت وقفتهُ في هذه الليلة، كم تمنّى لو أنها تستديرُ إليه بكامل وجهها الدائريّ المضيء، وحينما أدارتْ وجهها فعلا، بدا لهُ ذلك الوجه البلّوري متوهجاً، وتوقع أنّها ستراه، فهو لا يريد شيئا سوى أن يرى وجهها ويشعرُ أنها لا تزال تتلهّف لرؤيته، إنه سيكتفي بذلك، وسوف تنطفئ نيران الشوق بمجرد أن تتنبّه لوقفته مقابل النافذة، لكنها كانت ساهية ساهمة، تطلقُ بصرها نحو آماد بعيدة، كأنها لم ترَهُ واقفا متلهِّفاً لها بأشواق العمر كلّه.

-3-

ارتقيتُ سلّم البيت درجةً.. درجةً.. إلى الطابق العلوي من البيت، كان جسدي منهكا مكبّلا بالحزن وألم الفقدان، دخلتُ غرفتي وجلست على مقعد من الخشب المغلّف بالإسفنج وقماش وردي من القطيفة، كان المقعدُ محاذياً للشبّاك المطلّ على الشارع الرئيس للحي، هذا هو مكاني الثابت والمحبَّب إلى قلبي، وكان طفلي يلعبُ مع جدّتهِ ويلاطفها بصوته الرقيق الذي يتواصل إليّ بين حين وآخر، تطلّعتُ إلى أثاث غرفتي، فرأيتها تلمع كما لو أنها أُدخلت توّاً لهذه الغرفة، حتى أنني تخيّلتْ بأن هذه الليلة هي ليلة زفافي، استنشقتُ عطرَ الياسمين الذي انتشر في أرجاء الغرفة، ثم أدرتُ رأسي نحو السرير الذي يحتلّ مساحة كبيرة من غرفتي المرتّبة بشكل غاية في الجمال، كان غطاء السرير يلمعُ أيضا، أبيض ناعم الملمس باردا، أما الوسائد المطرّزة بأزهار ملوّنة بالبنفسج، فهي الأخرى بدت عذراء كأنها مهيّأة خصيصا لهذه الليلة، إنها ليلة زفافي على حبيب العمر، ورحتُ أستحضرُ أحداث تلك الليلة التي لا تُنسى، توهّجت الغرفة في قلب ذاكرتي، رأيتُ أشياء زوجي، صورهُ، بدلة عرسهِ البيضاء، قميصهُ الأزرق، مفكرة خواطره عن الحب، قنينة عطره المفضّل، هذا العطر الذي كان لا يفارقه لحظة، فما أن يعود من جبهات الإباء ويقبّل أطفاله ويقبّلني على رأسي وجبيني بحنان، حتى يدخل الحمام من فوره، يصطحب قنينة العطر معه، يخرج كأنه باقة ورد تفوح بالبهاء، كان يقول عن هذه اللحظات بأنها تبقى معي، أحملها في ذاكرتي لتمتص لحظات التعب والخوف والقلق والتوتر في جبهات القتال.

-4-

نهضتُ من مقعدي المحاذي للنافذة، جلستُ على حافة السرير، لم أعدْ أسمع أي صوت أو حركة، انفصلتُ عن عالم الليل، تعلقتْ عيناي بالبدلة البيضاء التي تشخص الآن أمامي على الجدار، كان زوجي قد تجمّلَ بها في ليلة الزفاف، فبدا لي كأنه ملاك هبط من السماء، في إجازاته الماضية، كان يشعر بالحزن حين يرى بذلته ملصقة على الجدار دون اهتمام، وكان يلحّ عليّ أن أحتفظ بها في الدولاب المخصص، لا أن أتركها على الحائط يكسوها الغبار، كان حديثه مشوبا بالألم لكنني كنت أضحك في سرّي، فيستغرب زوجي ويسألني بحزن:

- ألا تعني بذلتي هذه شيئا لك؟؟

أضحكُ حين أرى ملامح القهر في وجهه، وأقول له:

- كلما أرى بذلتك هذه، أشعر بوجودك معي، وأنني لست وحيدة، كأنك لست غائبا عني.

حينئذ يكتشف زوجي نبرة الصدق التي تتوهج في كلماتي، وإجازة بعد أخرى، لم يعد يحتجّ عليَّ، بل ترك لي بذلتهُ أملأ بها ليالي العذاب والوحدة، حين يغادرني إلى مواقع القتال في الجبهات البعيدة.

كنتُ في غيابه أتفرّسُ البدلة كأنها جسد ينبض بالحياة، وفي لحظات معينة، كانت تتوهج البدلة وتمتلئ فجأة بالجسد الطويل والقامة الفارعة، لدرجة أنني كنتُ أرى زوجي يقف قبالتي بتلك الابتسامة الدافئة التي كان يحتفظ بها حتى آخر لحظة من مغادرته إلى السواتر، كان صوت طفلي قد وصل إلى سمعي مجدّدا، فعادت البدلة إلى ما كانت عليه، ساكنة على الجدار بصمت.

نهضتُ ونظرتُ إلى الخارج من خلل زجاج النافذة، كان الليل قد هبط على البيوت فامتصّ حركة الشوارع، لم أرَ شيئا في الخارج، كل الموجودات تتلفّع بالغموض، لكنني كنت أسمع هدير محركات السيارات وهي تمرق بجانب بيتي، شعرتُ أنني لا أبصر شيئا في هذه اللحظات سوى أشياء زوجي وبذلته، أسدلتُ ستارة النافذة، وجلستُ على المقعد الإسفنج ونظرتُ إلى البدلة، ثم استعدتُ تلك الطرقات التي اعتدتُ عليها من زوجي، كان حين يصل من أرض الموت، يقف عند الباب متريّثا ثم ما يلبث أن يطرقه بطريقة مميزة، فكنتُ أهبُّ من مكاني حتى لو حدث ذلك في وقت متأخر من الليل، طرقةٌ.. طرقةٌ.. وبعد برهة.. طرقةٌ ثالثة... وها أنا الآن أنظر إلى بذلته البيضاء التي لم تعد تمتلئ مرة أخرى بالجسد المضيء، إنني أنتظر في هذه اللحظات طرقته المميزة.. إنني ما زالت أأمل أن أسمعها مرة أخرى.

-5-

رنّتْ نغمة (الموبايل) الخاص بالزوجة، تحدَّث أحدهم إليها، قال:

- أنا صديق زوجكِ، أعيش معه في ساتر واحد، إنه بخير ولا يشكو من شيء.. طلب أن أخبركم بأنه سيأتي إليكم في الأيام القليلة المقبلة.

ثم أغلقتْ جهازها، شعرتْ بفرحٍ آسر، لقد أسعفتها هذه المكالمة المفاجئة، وأنقذتها من وحدتها وذكرياتها، إنها كانت تتوقّع أن زوجها سيبعثُ لها برسالة طمأنة، لكن ما يثير الحيرة في نفسها، لماذا لم يتصل هو؟ وبقدر ما أفرحتها مكالمة صديقه، جعلتها تعيش قلقا من نوع آخر، وتكالبت الظنون على رأسها، فاتصلت برقم زوجها، لكنّ الردّ كان خارج الخدمة، أو مغلقا، تضاعفت حيرتها وتنمّرَ الخوف في أعماقها، في الصباح هرعتْ إلى الموبايل واتصلت به ثانيةً لكن لا جواب، في الظهيرة والعصر اتصلتْ أيضا ولا جواب، ثم هاتفتْ صديقه ولا جواب، حاولتْ أن تجد أعذارا تقمع خوفها وهواجسها، وفكّرتْ بأنه يريد أن يفاجئها بحضوره، ليزيد من شوقها إليه، شعرتْ بالراحة، تخيلتْ نفسها كحمامة بيضاء بانتظار الفرح، وراحتْ تحلّق في أجواء البيت، وضعتْ الزهريات هنا وهناك، زهرية على حافة النافذة كان يفضّلها على سواها، تعدّلُ من وضع هذه اللوحة أو تلك، تنثرُ عطر الياسمين فوق سريرها، تنظّف وتلمّعُ أثاث غرفتهما المشتركة، تغسلُ أشياءه، تنظف قنينة العطر بورق الزهر، تزيح الغبار من قماش بذلته فتبدو كأنها حلّة زاهية، إنها في هذا الوقت العصيب، تنتظر في لهف وشوق طرقتهُ المميزة على الباب، طرقة.. طرقة.. وبعد برهة.. طرقة ثالثة.

-6-

أعددتُ كلَّ شيء للقائه، ثم جلستُ على مقعد الخشب في محاذاة النافذة، ورحتُ أنظرُ عبر الزجاج إلى باب البيت المُضاء بمصباح أحمر شفاف، لعلهُ سيصل الآن، من يدري؟ أو ربما بعد ساعة وقد يأتي في الليلة القادمة، ثم شعرتُ أنني بحاجة إلى النوم، قبل ذلك استحضرتُ وجه زوجي وقامته المديدة، رأيتُ بذلتهُ وهي تمتلئ بجسده، في اللحظة نفسها سمعتُ صوت طفلي يضحك بكركرة جميلة مع جدته، تراجعتُ إلى الخلف، جلستُ إلى جانب النافذة بانتظار وصول الحبيب، هكذا أنا دائما أبقى بانتظاره، وفي كل ليلة، في مثل هذا الوقت، أرتقي السلّم إلى غرفتي، أدخلها، أتفحص أشياء الغرفة، ثم ألقي بجسدي الذي أنهكه طول الانتظار، على المقعد قرب النافذة، كان الشيء الوحيد الذي يتملّكني في هذه الغرفة، بذلته البيضاء، إنني الآن أوزّعُ نظراتي بين البدلة والنافذة، وحين أيأس من عودته، ألوذ في بذلته فأجد فيها خير ملاذ، وفي هذه اللحظات التي امتلأت فيها البدلة بالجسد الغائب، رأيتُ شبح رجل يقف على الرصيف قبالة النافذة، لم أتيقّن من أنه زوجي، ورغم أشواقي ولهفتي عليه، أسدلتُ الستارة فانطفأت النافذة، ونقلتُ بصري إلى البدلة، إلى الشيء الحقيقي الوحيد الذي يبثُّ الأمان في كياني، أحسستُ بحرارة تشتعل في رأسي، ورجفة شديدة تجتاح جسدي، تفرّستُ في البدلة البيضاء، امتلأتْ، فاضتْ بالجسد الأليف، تقدمّتُ صوبها، إنها لم تزل ممتلئة، فائضة، تقرّبتُ منها كثيرا، احتويتها بذراعيّ وألقيتُ برأسي في دفء الصدر الواسع، غبتُ عن كل شيء وأنا أستمع لطرقةٍ مميّزة.. طرقة.. طرقة وبعد برهة.. طرقة ثالثة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5