عاملة التنظيف هي الوحيدة التي وصلت قبلي الى المدرسة، فهيأتْ غرفتي لبداية دوام جديد، جلستُ على الكرسي الدوار خلف منضدة الخشب الصاج وأخذتُ أدور بجسدي وبصري دورات كاملة متتالية، خلف ظهري نافذة الغرفة الواسعة التي تطلُّ على الحديقة الخلفية للمدرسة، وبين الزهور والحشيش وشجيرات الآس رأيتُ الطفل ذاتهِ جالساً في ارض الحديقة مثبّتاً بصره على النافذة كأنه ينتظر إطلالتي عليه، جاءتني العاملة وفي يدها طردٌ بريديّ صغير تسلَّمته منها وأنا أتطلّع الى وجهها الجميل الذي يوحي بحيوية امرأة ظلمتْها الدنيا بعملٍ لا يناسبها، ثم خرجتْ وأغلقت الباب خلفها.

ألقيتُ الطرد على الزجاجة النظيفة التي تغطي ظهر المنضدة ثم نسيتهُ وأنا أنظرُ إلى أرضية الغرفة وجدرانها واستنشقُ رائحة عيدان البخور الهندي التي احتلتْ زوايا الغرفة، بدت لي غرفتي مثل عروس تستعدّ لليلة زفافها، جسد نظيف متألق، وهكذا بدأتُ استعيد توازني وبدأ تعب الليل يتسرب من مسامات جسدي، فقد أمضيتُ الليل أفكرُ بالطفل الذي تربطني به علاقة شعورية مبهمة لا أفقهُ معناها إو أسبابها، طيلة ساعات الليل وهو يحتل أفكاري وذاكرتي حتى انه أرجعني أعواماً إلى الوراء حين غادرتُ الوطن في رحلةٍ استمرت سنة كاملة أمضيتُها في بلدان عديدة وعدت منها بتجارب لا تنسى، لكنْ حتى هذه اللحظة لا اعرف كيف فقدتُ ابني، سألتُ عنه الناس عند عودتي لكنْ لا أحد دلّني عليه، لا أحد أخبرني بسببٍ مقنعٍ لغيابه، بعضهم قال لي قتلهُ مرضٌ خبيث وآخرون قالوا بسبب القصف الأميركي، وأناس أكدوا إنه مات في حادثِ دهسٍ مروّع، ومنهم من قال إنه اختفى من البيت فجأة ولم نرَه بعد ذلك، وحينها ذابت متعة السفر وتبخّرت تجاربه وبدأتْ رحلةُ البحث المهلك عنهُ من غير جدوى وأخيراً وجدتُ أنّ الحلَّ يكمن في المقبرة، نعم المقبرة، وهكذا ذهبت إليها وطيلةُ عشرة أيامٍ وأنا أدورُ بين القبورِ استطلعُ شواهدها وأتهجّاها كلمةً تلو أخرى، وكنتُ أركزُ على شواهد الأطفال واقرأ أسماءهم وتواريخ وفياتهم، وحتى لا أتوهُ بين آلاف القبور الدراسة وضعتُ مخططاً أشبهُ بالخرائط السياحية، وكم كنتُ أخلط بين رحلتي ذات العام الكامل وبين رحلتي هذه التي أنهيتُ فيها قراءة شواهد جميع القبور ولم أعثرْ على ابني.

دخلت العاملةُ مرة أخرى وفي يدها كوب من الشاي، كم هي وديعة هذه المرأة التي تتعامل معي كما لو أنني أمتُّ لها بصلةٍ حميمةٍ، ابنها أو أخوها او زوجها وكم اشعر بالسكينة وهي تطلُّ على روحي بوجهها الذي يفوحُ رأفة وحناناً، وضعتْ كوبَ الشاي على المنضدة مع ابتسامة خالدة، هكذا كنتُ اصف بسمتها ثم نبَّهتني على الطرد الصغير الذي نسيتهُ في زحمةِ تعب الليل والذكريات، كان الطردُ يستقرُّ فوق الزجاجة اللامعة لكنّي لا اشعر بحاجة إلى فتحة ومعرفة ما يحمله، لقد ولّى زمن المفاجآت، هكذا ينتابني هذا الشعور أحياناً، ومع ذلك فإنني مازلتُ أتواصل مع الحياة، فأنا رجلٌ قويّ الإرادة و روحي لا تخذلني قطّ، صحيح إنني فقدتُ أسرتي، زوجتي التي طلَّقتها ثم ماتت بمرض خبيث مفاجئ، وابني الذي أجهلُ موته من حياته، لكنَّ الصبرَ سمة من سماتي التي لن أتخلى عنها، سمعتُ صوتاً رقيقاً يتسرَّبُ إلى سمعي من النافذة، كنتُ أتلذَّذ بكوب الشاي حلو المذاق الذي جلبته لي عاملة التنظيف، رأيتُ الطفل مرة أخرى يجلسُ بمكانه على الحشيش، كانت الورود تستدير حوله وتتوزَّع بجمال أمامه وخلفه وعلى جانبيه، بدأ الطفل يتحدثُ إليَّ وأنا اسمعه، قال: (أستاذ.. صحيح إنك مديرُ المدرسة، وأحياناً تبدو قاسياً معنا، لكن أنا اشعر كأنّك أبي، أنا لست يتيماً.. نعم عندي أب حيّ لكنه كالميت.. أما أنت فإنّك أبي الحقيقي الذي يقف إلى جانبي)، كنتُ مصغياً لهذا الوجه الملائكي وصوته الساحر وكلماته التي تزرع في كياني روح الحياة، امتلأتُ زهواً وأنا اشعر بابني وقد عاد إليّ، نعم انه ابني، دقَّقتُ النظر في قسمات وجهه واستمعتُ بدقةٍ لنبرات صوته وعرفتُ بلا ريب إنه ابني، فقرَّرتُ أن اترك غرفتي ونجلس معاً، أنا وهو بين الزهور وقريباً من رائحة الآس المنعشة وإذ نهضتُ واقفاً دخلتْ عاملةُ التنظيف فقلتُ لها: انظري عبر النافذة هناك نحو الحديقة (انه ابني لقد عاد إليَّ أخيراً) لكن المرأة ظلَّتْ حائرةً وهي تصبُّ بصرها على الحديقة الخالية، حملتْ كوب الشاي وغادرت وقد ضجّ وجهُها بملامح متضاربة، ثم أطلقتُ بصري مرة أخرى عبر النافذة فرأيتُ جوقةً من الطلاب في المكان نفسه، ومن بينهم الطفل الذي حدَّثني قبل قليل، وإذ ناديتهم إليّ اقتربوا من النافذة وركّزتُ بصري على الطفل الذي بدا لي صامتاً بوجهٍ ينمُّ عن مشاعر تشعُّ بالألم البهيّ فعرفتهُ، وتذكرتُ فوراً اسمهُ وأوصافه، لكنّ الشيء الذي لا اعرفه هذا الرابط الخفيّ الذي يشدّني إليه، تباعد الطلاب عن النافذة عدوا في حين خطا هو بهدوء وظلّ يتلفّتُ نحوي بين خطوة وأخرى حتى غاب عني، تهالكتُ على الكرسي بعد فقدْتُ آخر أمل بالعثور على ابني، كانت نوبات السهو على غرابتها وقسوتها (إذ أنها تأخذني من عالم الواقع وتسبّبُ لي حرجاً كبيراً مع الآخرين) لكنّها في الوقت نفسه تمنحني العالم الأرحب الذي يضمّني إلى ابني فاشعر إنني انتمي للحياة فعلاً، سمعتُ دقات رقيقة على الباب ودخلتْ العاملة ومشاعر التعجب ما زالت تغطي ملامح وجهها، لم تكن تحمل شيئاً، وليس هنالك سبب واضح لدخولها لكنها كانت تريد أن تطمئنّ فحسب، ثم ذكرتني بالطرد وخرجتْ، قمتُ من الكرسي، جلْتُ في غرفتي وتركتُ عينيّ تحتوي أشياءها بعمق ولهفة، هذه هي الطريقة الوحيدة التي تعيد إلي توازني واستقراري، ثم لمحتُ الكرة الأرضية الصغيرة التي ترتكن إلى دولاب حديد في إحدى الزوايا، تقرّبتُ منها ورأيت البلدان التي سُحتُ فيها ثم رأيتُ البِحار والمحيطات التي تسوّر الأرض وتخيَّلتُ مليارات الكائنات التي تعيش فوقها، ومن بين هذه الكائنات هناك كائن واحد، كائن صغير هو طفلي يقبع في مكان ما منها، أين هو الآن؟.. ثم عدتُ إلى الكرسي ولمحتُ الطرد الصغير الذي فاجأني بومضاتٍ متتالية أشبه بالبرق الأمر الذي اجبرني على فتحهِ فلَمْ أجد فيه رسالة أو كلمات أو أي شيء آخر عدا صورة.. صورة واضحة لطفل له وجه ذو قسمات غائمة تكاد تكون مغيَّبة وسط غابة من الأحزان.. أحزانُ روح بهية طيبة مملوءة بالبراءة والنقاء، هذا الوجه أعرفهُ وهذه القامة البهيّة أتذكّرها.. إنّها صورة ابني ولكن من الذي أتى بها إلى المدرسة؟ نهضتُ وكدتُ اصرخ على العاملة مستفهماً منها، لكن الصورة برقت بشدة وأعمتْ بصري، فجلستُ على الكرسي أحدّق بالوجه الطفولي المفعم بالهدوء، أخذني الوجه إليه.. إلى عوالمه وتوحّدتُ مع القامة الفارعة، سنوات عمري كلها ذابت في هذا الوجه، وبدأت اسمع كركرات الطفل، نعم انه يضحك، أنا أراه بوضوح، أنا اسمع نبرة صوته، إنّها ضحكة ابني، سألته بهدوء من أنت ومن تكون؟ خرج الطفلُ من الصورة وشمخ بقامته وسط الغرفة واخذ يتكلم معي، يا الهي كم أنت كريم ورحيم، وأخيراً انهض من مكاني وأخطو إلى الولد وأضمّهُ إلى صدري وأكاد اسمع قلبه الصغير ينبض بهدوء، وحرارة جسمه بدأت تتسرب إلى قلبي، شددتُ جسمه بقوة على صدري، خفتُ أن يغيب ثانيةً، دقات رقيقة تتواصل من قلب الطفل، دقات رقيقة تتدفق إلى روحي، دقات رقيقة على خشب الباب تختلط بدقات القلب، الغرفة كلها تتحول إلى دقات متواصلة، انتبهُ إلى نفسي، أحس بأنني لا احتضن سوى حزمة هواء، أصحو، أتقدَّم إلى الباب.. افتحهُ.. قامة بهية مشعّة تقفُ أمامي.. قامة الطفل نفسه.. طفل الحديقة الخلفية.. يتقدّمُ إليَّ.. يفردُ ذراعيه.. افردُ ذراعيّ.. احتضنهُ بشدة.. استمعُ لدقات قلبه وعيني على الطرد البريدي الصغير.

انقر لاضافة تعليق
د ناهد نعيم
مصر
قصة معبرة عن واقع اليم
نشكر المبدع الكبيرعلي حسين عبيد على قصته الجميلة
ونشكر استاذنا الأديب الكبير جمال بركات على تعبيراته الرائعة2019-03-13
عديلة شاهين
مصر
يوجد أسلوب قريب من فهم القراء.. يستوعبونه بعيدا عن الغموض المصطنع، يول رسالة إنسانية عميقة، هذا النص من هذا النوع.. تحية عاطرة لكم2019-03-12
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
مع قسوة هذا الزمن تتداخل صور الحياة والموت فتشتت الذهن وتخيل العيون
والإنسان يجد نفسه وقد تخاطفته أفكار التشتت وأدخلته الى سراديبها كمجنون
الواقع أصبح مرا فإذا ماهربنا الى الخيال الذي كان جميلا في الماضي نجده يتهاوى بشكل مأفون
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-03-12

مواضيع ذات صلة

0