بعد مرور عام على الهجوم الارهابي الذي تعرضت له الأسبوعية الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو وأودى بحياة 12 من هيئة التحرير، لاتزال هذه المجلة وكما يقول بعض المراقبين، تواصل نهجها الاستفزازي من خلال نشر الرسوم والمقالات المسيئة والمتعمدة، ضد بعض الديانات والشخصيات والرموز الدينية والانسانية ، التي تأتي بعنوان حرية التعبير. وهو ما اثار الكثير من ردود الافعال مختلفة، دفعت بعض المؤسسات والمنظمات العالمية الى مطالبة بضرورة اعتماد قوانين جديدة لتجريم مثل هكذا ممارسات استفزازية تدعوا الى التحريض على العنف والكراهية. خصوصا وان بعض جهات والمنظمات الرهابية المتشددة، قد سعت الى الاستفادة من هكذا امور لتوسيع اعمالها الانتقامية في العديد من الدول.

ويرى بعض الخبراء ان مجلة "شارلي إيبدو"، وبعد عام على الهجوم الذي استذكرته فرنسا وسط اجراءات امنية مشددة عادت من جديد وفي عددها الأخير إلى إثارة الجدل، عبر رسومات قيل إنها تُجسد الذات الإلهية وغيرها من الرسومات الاخرى، وهو ما اثار القلق خصوصا مع تفاقم واتساع الاعمال الرهابية في فرنسا.

وفي هذا الشأن ووسط إجراءات أمنية مشددة، أطلق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند فعاليات إحياء الذكرى الأولى للاعتداءات التي ارتكبها جهاديون في كانون الثاني/يناير 2015 في باريس، بإزاحة الستار عن ثلاث لوحات تخليدا لذكرى ضحايا صحيفة "شارلي ايبدو" الأسبوعية الساخرة وعناصر من الشرطة ويهود. وأزاح هولاند أولا الستار عن لوحة تخلد ذكرى الضحايا الـ12 من الأسبوعية الساخرة بمقرها السابق بالدائرة الـ11، والذين قتلوا جميعهم في السابع من كانون الثاني/يناير 2015.

ومن ثم أزاح هولاند برفقة رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو ورئيس الوزراء مانويل فالس، الستار عن لوحة أخرى في الشارع القريب حيث قتل الشرطي أحمد مرابط برصاص الشقيقين الجهاديين سعيد وشريف كواشي. وقام الرئيس الفرنسي بالخطوة نفسها بعد ذلك قرب متجر يهودي في شرق باريس، تعرض في التاسع من كانون الثاني/يناير لهجوم من الجهادي الآخر أحمدي كوليبالي الذي قتل ثلاثة من الزبائن وموظفا يهوديا.

وكتب على اللوحة "تخليدا لذكرى ضحايا الاعتداء المعادي للسامية في 9 كانون الثاني/يناير 2015". وقد تخلل إحياء تلك الذكرى الوقوف دقائق صمت وفي حضور عائلات الضحايا. وأسفرت اعتداءات كانون الثاني/يناير 2015 عن 17 قتيلا. فبالاضافة إلى قتلى مصحيفة "شارلي إيبدو" والمتجر اليهودي، قتلت أيضا شرطية برصاص كوليبالي في الثامن من كانون الثاني/يناير في مونروج، جنوب باريس. وسيزاح الستار عن لوحة لذكراها في ذلك المكان.

عدد خاص وجدل جديد

في السياق ذاته وبعد مرور عام على الاعتداء نشرت صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة في عدد خاص من مليون نسخة كاريكاتيرا يصور الذات الإلهية في هيئة عجوز ملتح مسلح برشاش "كلاشنيكوف" وثيابه ملطخة بالدماء. يتضمن هذا العدد الجديد مجموعة كاريكاتيرات للرسامين الذين قضوا في الهجوم، شارب وكابو وتينوس وولينسكي، وكذلك صورا للرسامين الحاليين العاملين في الصحيفة، فضلا عن رسائل دعم من توقيع شخصيات معروفة بينها الممثلتان الفرنسيتان إيزابيل أجاني وجولييت بينوش والمفكرة إليزابيت بادانتير، وهي زوجة وزير العدل السابق روبير بادانتير.

ويحمل العدد الخاص المزدوج -32 صفحة بدلا من 16- عنوان "بعد مرور عام، لا يزال المجرم طليقا"، ويظهر فيه العجوز يركض وعلى ظهره رشاش "كلاشنيكوف"، واعتبر كثيرون في فرنسا وخارجها هذا الغلاف مسيئا للديانات السماوية، لاسيما الإسلام. ونقلت صحيفة "لوباريزيان" عن رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أنور كبيبش قوله: "هذا الرسم يخالف قيم الديانات السماوية، لأن الله من صفاته الرحمة"، مضيفا: "هذا الرسم يبتعد عن روح التعايش والوئام الذي نحن بحاجة إليه في الوقت الراهن.. نعم، يجب أن نعترف للصحافيين بحرية التعبير ولكن يجب احترام حرية التعبير للمؤمن على حد سواء".

اما غلاف الصحيفة فهو بريشة ريس، رئيس التحرير الذي اصيب بجروح خطرة في الاعتداء، وقد ارفقه بافتتاحية نارية يدافع فيها عن العلمانية ويندد ب"المتعصبين" من المسلمين واتباع الديانات الاخرى الذين ارادوا للصحيفة الموت لانها "تجرأت على السخرية من الرموز الدينية". ولكن ريس يؤكد في افتتاحيته ان "قناعات الملحدين والعلمانيين يمكنها ان تحرك جبالا اكثر بكثير مما يفعل ايمان المؤمنين". ولهذا العدد، تلقت الاسبوعية الساخرة طلبيات كبيرة في دول مثل المانيا، حيث يرغب الموزعون في تلقي 50 الف نسخة.

وفي الوقت الحالي، تبيع الصحيفة نحو 100 الف نسخة في أكشاك بيع الصحف، بما في ذلك عشرة الاف خارج فرنسا، بالاضافة الى 183 الفا من لاشتراكات. وبعد اسبوع من الاعتداء الذي اودى ب12 شخصا، نشرت شارلي ايبدو "عددا للناجين،" مع رسم للنبي محمد بعنوان حول الغفران بيع منه 7,5 ملايين نسخة في فرنسا والعالم. وسرعان ما استانفت الصحيفة وتيرتها الاسبوعية وتراجعت مبيعاتها تدريجيا الى المستوى الطبيعي بعد ان كانت 750 الفا في حزيران/يونيو الى 300 الف في ايلول/سبتمبر. وحاليا، استقرت على قرابة 100 الف عدد، وفقا لمسؤولها المالي اريك بورتو. يذكر ان الاسبوعية الساخرة كانت تمر بازمة مالية حادة قبل الاعتداء عندما كانت مبيعاتها لا تتجاوز الثلاثين الفا.

الى جانب ذلك انتقدت صحيفة الفاتيكان الرسمية صحيفة شارلي إبدو لتصويرها الرب قاتلا يحمل كلاشنيكوف قائلة إن ذلك أمر "مؤسف" ينطوي على عدم احترام لكل الأديان. وكان الغلاف هو غلاف طبعة خاصة أصدرتها الصحيفة لإحياء ذكرى هجمات العام الماضي. واتهمت صحيفة الفاتيكان (لوسيرفاتوري رومانو) الصحيفة الفرنسية "بالتلاعب" بالعقائد.

وكتبت في تعليق مقتضب على الرسم "خلف لواء العلمانية العتيدة المضلل نسيت الصحيفة الأسبوعية الفرنسية مجددا ما يحث عليه زعماء كل الأديان منذ عصور- رفض العنف باسم الدين وأن استغلال الرب لتبرير الكراهية هو كفر حقيقي." وأضافت "ما فعلته شارلي إبدو يظهر التناقض المؤلم في عالم يزداد حساسية تجاه الصواب السياسي لدرجة السخف... لكنه لا يريد أن يعترف أو يحترم إيمان أصحاب العقائد بوجود الله بغض النظر عن دياناتهم." بحسب رويترز.

وفقدت شارلي إبدو التي تشتهر بأغلفتها الساخرة من الإسلام والديانات الأخرى وكذلك السياسيين الكثير أبرز أفراد طاقمها التحريري في. وبعد ذلك الهجوم تحدث البابا فرنسيس عن موقف الصحيفة المعادي للأديان. وقال خلال جولة في آسيا "يجب ألا تستفز الآخرين.. يجب ألا تهين عقيدة الآخرين ويجب ألا تسخر من الدين." وأصدر الفاتيكان بيانا في وقت لاحق قال فيه إن البابا لم يقصد من تعليقاته تبرير الهجمات. وجاء في افتتاحية نشرت قبل الطبعة الخاصة من صحيفة شارلي إبدو أن الصحيفة ستستمر رغما عن المتطرفين الذين يريدون تكميمها.

الطفل آيلان

على صعيد متصل أثار رسم كاريكاتير نشرته أسبوعية "شارلي إيبدو" الساخرة يصور الطفل السوري آيلان كردي الذي عثر على جثته على شاطئ تركي في 2015، وقد تحول إلى متحرش جنسي في ألمانيا، جدلا وتنديدا كبيرين على مواقع التواصل الاجتماعي. وأثارت صورة الطفل آيلان موجة من التعاطف حيال محنة اللاجئين الفارين من الحرب والفقر في الشرق الأوسط.

ويصور الكاريكاتير اثنين من الذكور يجريان خلف امرأة مذعورة ويقول التعليق على الصورة "ما هو مصير الشاب آيلان لو كان قد كبر؟ متحرش في ألمانيا." وتلقت السلطات الألمانية أكثر من 600 شكوى بعد اعتداءات جنسية على نساء في مدينة كولونيا ومدن المانية أخرى ليلة رأس السنة ألقي باللوم فيها على مهاجرين الأمر الذي فجر انتقادات لسياسات المستشارة أنجيلا ميركل بشأن اللاجئين. ودخل ما يربو على مليون مهاجر ألمانيا العام الماضي لتصبح الدولة الأوروبية التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين. بحسب رويترز.

ونشر الكاريكاتير بعد مرور أسبوع على ذكرى الهجمات على مقر الصحيفة الأسبوعية في باريس وحينها تبنى مستخدمو الإنترنت عبارة "أنا شارلي" لإبداء التعاطف مع الصحيفة. لكن هذه المرة قال كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي إن الكاريكاتير مسيء بينما قال آخرون إن "شارلي إيبدو" تواصل أسلوبها الاستفزازي المعتاد لإثارة النقاش حول المواقف الأوروبية من أزمة المهاجرين. وانتشرت صورة جثة الطفل آيلان وهو يرقد على وجهه على شاطئ تركي في مختلف أنحاء العالم وأثارت موجة من التعاطف حيال محنة اللاجئين الفارين من الحرب والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا.

من جانبها نشرت الملكة رانيا رسما من فكرتها على حسابيها الرسميين في تويتر وفيسبوك للرد على كاريكتور نشرته "شارلي ايبدو" الفرنسية تناول الطفل السوري اللاجئ ايلان الكردي. وعلقت الملكة رانيا على الرسم الذي نفذه الرسام الاردني اسامة حجاج باللغات العربية والانجليزية والفرنسية بقولها "كان من الممكن ان يصبح ايلان طبيبا أو معلما أو أبا حنونا".

تونس و الدانمارك

الى جانب ذلك شارك رسام الكاريكاتير التونسي "زاد" في العدد الخاص الذي أصدرته صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة في ذكرى مرور عام على الهجوم الدامي الذي استهدفها، برسم يعبر فيه عن خيبة أمله أمام التصعيد الإرهابي، لاسيما في فرنسا وتونس. وفي هذه الذكرى، رسم "زاد" في مدونته على الانترنت "نقاش تونس" كاريكاتيرا من عدة فصول يبدأ من اليوم الذي وقع فيه الاعتداء بشعار "أنا شارلي" وينتهي في 7 يناير/كانون الثاني 2016 بخيبة أمل "القلم" أمام استمرار العمل الإرهابي في فرنسا وتونس.

وقال الرسام التونسي، وهو ناشط سياسي معارض بدأ نضاله في 2007 إبان حكم زين العابدين بن علي، "إن الخطوط الحمراء [لاسيما المتعلقة بالدين] ستظل للأسف قائمة رغم ما سماه روح شارلي". واستشهد "زاد" بالمادة الأولى في الدستور التونسي التي تنص أن "الإسلام دين الدولة". لكن بالنسبة إلى "زاد"، والذي يعيش في باريس، فإن التشهير والعنصرية هما فقط أبرز خطين أحمرين يعترف بهما. وكتب في مدونته على الإنترنت "نقاش تونس" إن "الحكومة التونسية أقرب من الأخوين كواشي [منفذا الاعتداء ضد "شارلي إيبدو"] من شارلي".

من جهة اخرى قدم فيلمنغ روز، المسؤول عن الصفحات الثقافية لصحيفة "يولاندس بوستن" الدنماركية التي نشرت الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد، استقالته من الصحيفة. وبرر هذه الاستقالة بكونه يريد "تمضية المزيد من الوقت في الكتابة والمشاركة في النقاش العام". ويعيش فليمنغ روز (57 عاما) تحت حماية الشرطة في حين استهدف العديد من مشاريع الاعتداء هذه الصحيفة المحافظة التي أرادت في ذلك الوقت اختبار حدود حرية التعبير في الإسلام. بحسب فرانس برس.

وقال للصحيفة "أريد تمضية المزيد من الوقت في الكتابة والمشاركة في النقاش العام في الدنمارك وغيرها"، معتبرا أن "التنوع المتزايد في أوروبا يعرض حرية التعبير لمزيد من الضغوط". وأشاد رئيس التحرير يورن ميكلسن بالرسام روز، قائلا إن لدى الصحيفة "الكثير من الأسباب لتبدي امتنانها له". ويذكر أن هذه الرسومات أثارت بعد أشهر قليلة من نشرها احتجاجات عنيفة في العديد من الدول الإسلامية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2