بقلم: أحمد نظيف

هل يعبر الصوت الذي يضعه المواطن في صندوق الإقتراع – إذ فرضنا جدلاً أنه يقوم بذلك بشكل حر وفردي من دون مؤثرات خارجية – عن أمانيه ومطالبه من الذين سيمثلونه في أعلى سلم السلطة، سواء كانت تنفيذية أم تشريعية؟

لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال سهلةً، ولكنها لن تكون قطعاً منسوجة من "لغة الخشب" التي تضفي على هذا الفعل هالةً من السحر، وتربط كل المنظومة الديموقراطية بالانتخابات والتمثيل. في الوقت نفسه لا يمكن الذهاب بعيداً في نقد هذا التمثيل على الطريقة "الجماهيرية القذافية" التي تراه مجرد "تدجيل" وتحايل على إرادة الشعب.

لكن البادي من خلال التجربة التاريخية والواقع أن نظام الديموقراطية التمثيلية يعيش أزمةً حتى في منابته الأصلية، حيث أصبحت قطاعات واسعة من المجتمعات ترى فيه مجرد مصعد اجتماعي لقلة من النخب الأوليغارشية التي تريد باسم تمثيل الشعب اختطاف إرادته وتحقيق مكاسب لتعزيز هيمنتها على المجال العام، سياسياً وفكرياً واقتصادياً.

وقد بدا هذا التوجه النقدي للتمثيل الديموقراطي واضحاً من خلال نسب الامتناع عن التصويت في الديموقراطيات التمثيلية الأوروبية العريقة، وآخرها فرنسا التي سجلت خلال السباق الانتخابي الأخير أعلى نسبة امتناع عن التصويت في تاريخ الجمهورية الخامسة. وكذلك تجلى في توجه قطاع آخر من المواطنين نحو التصويت للقوى المعادية لـ"النظام" أو التي تبشر بضرورة تغيير نموذج التمثيل، وهي قوى في أغلبها يمينية التوجه وشعبوية البرنامج والأفكار.

خلال أكثر من سبعة عقود من ربيع الديموقراطية التمثيلية –التي ازدهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية– سعت القوى الغربية، أوروبا والولايات المتحدة، للتبشير بهذا النموذج للحكم باعتباره أرقى نماذج الحكم التي وصلت اليها البشرية وكانت مدفوعة بتحقيق ثلاثة أهداف مركزية، وهي أولاً الحاجة إلى تقسيم العمل في اقتصاد السوق من خلال تفويض إدارة الشؤون إلى ممثلين يتم اختيارهم من بين المواطنين، وبذلك يمكن للأفراد ممارسة مهامهم الخاصة بحرية. لذلك كان التمثيل شرطاً ضرورياً لمبدأ تقسيم العمل أحد محركات الرأسمالية، وهو مبدأ يشكل، في نظر السردية الليبرالية، عاملاً أساسياً للتقدم الاجتماعي.

وثانياً تحقيق الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي، ذلك أن التمثيل يجعل من الممكن التغلب على الانقسام بالدفاع عن تنوع المصالح، ويمنع جماعات المصالح والأغلبيات من تهديد حقوق الأقليات.

والسبب الثالث هو تشكيل السلطة المركزية من خلال مساهمة التمثيل في تكوين الإرادة العامة. فكما أن الحقيقة ليست مطلقة ولا بدائية، فإن إرادة الشعب ليست واحدة وغير قابلة للتجزئة، وليست موجودة مسبقاً فلا يمكن أن تتكون هذه الإرادة إلا نسبياً من خلال تمثيل عموم الشعب.

هذا التصور البسيط للتمثيل وفوائده الاجتماعية والسياسية كان مفيداً وناجعاً في لحظة ولادة الديموقراطيات الغربية منذ تأسيس الجمهوريات الفرنسية والأميركية في القرن الثامن عشر وحتى وقت قريب، لكن مع الزمن وما أصبحت عليه المجتمعات الحديثة من تطور وتعقيد، والتي غالباً ما تكون منقسمة، فإن التوتر يتزايد اليوم بين تنظيم السلطة (بالتمثيل أو التفويض) وتطلعات عموم المحكومين. وبالتالي أصبحت فكرة تراجع شرعية التمثيل تأخذ حيزاً أكبر داخل النقاش العام، مع أنها كانت موجودة بخجل منذ بداية القرن العشرين، لاسيما في فرنسا حيث تحولت الديموقراطية التمثيلية في معاقلها التاريخية إلى تداول على الحكم بين مجموعات سياسية مغلقة في نوع من تأبيد الخيار بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة والمحافظين والعمال في بريطانيا والاشتراكيين والديغوليين في فرنسا وغيرها من ثنائيات السياسة المؤبدة منذ عقود.

وقد أدى هذا الميل الأوليغارشي في الحياة السياسية إلى بروز جماعات مصالح وتكتلات اقتصادية أوليغارشية ترتبط مصالحها بهذه المجموعات السياسية وتؤثر في خياراتها وسياساتها عندما تكون في السلطة، وبالتالي لم يعد النائب أو الرئيس المفوض من قاعدته الانتخابية وفياً لتطلعات هذه القاعدة وطموحاتها بالدرجة الأولى وإنما وفياً في المقام الأول لبرنامج الأوليغارشية الاقتصادية الداعمة والممولة ومشاريعها، ذلك أن تشكيل المجموعات النخبوية السياسية المغلقة والمسيطرة يتطلب تحالف مصالح مع مجموعات اقتصادية مغلقة ومسيطرة ليشكلا معا الأوليغارشية الحاكمة.

هذه الأوليغارشية المنتخبة ديموقراطياً من خلال نظام التمثيل لا تسعى إلى خدمة قاعدتها الاجتماعية والناخبة بقدر ما تسعى الى السيطرة على جهاز الدولة لتأبيد سيطرتها، وقد بدا ذلك واضحاً من سراب البرامج الانتخابية والوعود التي تتبخر فجأةً بعد كل سباق انتخابي. في المقابل يعيش نظام التمثيل أزمة أخرى بعيداً عن غضب المحكومين، وهي تعارض مصالح من يفوضهم الشعب مع الطبقة البيروقراطية التي تدير جهاز الدولة.

فالدولة تلك القوة الخاصة التي تقف فوق المجتمع وتتحرك بعيداً عنه، رغم أن التحليل اليساري الكلاسيكي يفترض أن كل دولة تعكس مصالح طبقة حاكمة معينة. لكن هذه الملاحظة لا تستنفد بأي حال من الأحوال مسألة الدور الخاص للدولة في المجتمع. في الواقع، لبيروقراطية الدولة مصالحها الخاصة، والتي لا تتوافق بالضرورة وفي كل الأوقات مع مصالح الطبقة الحاكمة، وقد تصطدم بشكل صريح مع الأخيرة. حيث يمكن أن يصل هذا التصادم إلى نزوع البيروقراطية إلى حسم "نظام التمثيل الديموقراطي" نحو دعم تشكيل أنماط أخرى من إدارة العلاقة بين السلطة والمحكومين.

يبرز هذا المثال بوضوح في تونس اليوم. فبعدما سيطر الرئيس قيس سعيد على كل السلطات في تموز (يوليو) الماضي في أعقاب "انقلاب دستوري" من خلال استعادة سلطة الدولة في مواجهة الفوضى البرلمانية التي رفضتها الأغلبية المطلقة للشعب ودعمته في ذلك البيروقراطية الأمنية والعسكرية والإدارية، يريد الرئيس سعيد أن يكون، كشخصية قيادية، أقرب إلى ديغول منه إلى نابليون الثالث. ليس من قبيل المصادفة أنه تولى أخيراً كلمة مشهورة من ديغول: "لن أبدأ مسيرتي كديكتاتور في هذا العمر".

فهو في الوقت نفسه يسيطر على كل السلطات ويدير الدولة بالمراسيم، ولا يريد أن يصبح ديكتاتورياً، من خلال ترك مجال شبه حر للمعارضة بالتظاهر وحرية التعبير، رغم بعض المآخذ. ويسعى إلى قلب نظام التمثيل الديموقراطي نحو "ديموقراطية مباشرة" أو ما يسميه بالنظام القاعدي، ضمن نظام شبه تنافسي، وهو من الأنظمة التي يشار إليها عادة باسم "ديكتاتوريات الشعب" أو "الديموقراطيات الاستبدادية" والتي تختلف في طبيعتها عن الأنظمة التمثيلية التعددية بقدر ما تختلف عن الأنظمة الاستبدادية التقليدية، ويتميز بثلاثة عناصر تشكل نموذجه شبه التنافسي: استقلال جهاز الدولة، وفشل الطبقات الحاكمة، والتجريف غير المؤلم للطبقات التابعة.

* المصدر: صحيفة النهار العربي

اضف تعليق