بقلم حسن فحص

ردة الفعل الايرانية، من مختلف الاطياف السياسية، على الصورة التي نشرها السفير البريطاني الجديد سايمون شركليف الى جانب زميله الجديد ايضا السفير الروسي لفان جاغاريان في طهران، كانت مفاجئة. اذ اعادت الى الذاكرة الايرانية مرحلة مفصلية لناحيتين.

اولا لانها أحيت فيهم الدور الروسي والبريطاني منذ مطلع القرن الماضي ما بعد الحرب العالمية الاولى، وصولا الى غزو ايران وتقاسمها بين الطرفين والسيطرة على مفاصلها السياسية والاقتصادية، حتى الشاه محمد رضا بهلوي 1941 حتى سنة 1946 وضع تحت الوصاية البريطانية، بعد ان قام التحالف البريطاني الروسي بعزل رضا شاه الاب وتعيين ابنه خلفا له بعد اتهامه بالوقوف وتأييد الزعيم الالماني ادولف هتلر متخليا عن مبدأ الحياد الذي التزمته الحكومة الايرانية آنذاك.

وثانيا ذاكرة القمة الثلاثية التي عقدها قادة دول المحور عام 1943 في مبنى السفارة السوفياتية وشارك فيها الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل الى جانب الزعيم السوفياتي جوزف ستالين. من دون ان يكون لحكومة الشاه محمد رضا اي اطلاع على زيارة القادة الثلاثة وعقدهم لهذه القمة على الاراضي الايرانية.

صورة السفيرين الروسي والبريطاني على درج السفارة الروسية في طهران وفي وضعية مشابهة لصورة القادة الثلاثة عام 1943، تاركين المقعد الوسطي خاليا بانتظار ان يجلس عليه سفير امريكي في المستقبل، هذه الصورة لم تكن الاولى من نوعها، فقد سبق لسفيري الدولتين السابقين ان اخذا صورة مشابهة عام 2017 من دون ان يرافق ذلك هذا الضجيج الحالي وحالة الاستنفار التي ظهرت لدى الكثيرين من المسؤولين الحاليين والسابقين او الذين على شرف الخروج من السلطة.

على الرغم من استدعاء الخارجية الايرانية لكلا السفيرين للاستفسار عن مغزى وهدف هذه الصورة السياسي في هذه اللحظة المفصلية التي تمر بها علاقات ايران مع المجتمع الدولي. الا ان السفيرين لم يقدما اعتذاراً رسميا عن هذه الصورة، واكتفيا بإبراز اسفهما عن سوء الفهم الذي تسببت به.

في المقابل، ومع ان الصورة قد التقطت على درج السفارة الروسية، مكان عقد قمة طهران الثلاثية التاريخية، الا ان الانتقاد والاتهام والهجوم تركز على السفير البريطاني، معتبرين ان هذا التصرف يحمل في باطنه "خبثاً" بريطانياً ومهمة واضحة تقوم على اعادة تنشيط سياسة "التفرقة" بين ايران وحلفائها وجيرانها، خصوصا وان السفير يأتي من خلفيات امنية وعمل في اجهزة المخابرات البريطانية، فضلا عن انه سبق ان خدم في بين عامي 2000 و2003 كسكرتير ثان في السفارة، فضلا عن توليه مناصب دبلوماسية في سفارات بلاده في كل من العراق وافغانستان واليمن، ويعرف الحساسيات الايرانية من المسائل التاريخية السلبية بالنسبة للمجتمع الايراني.

خصوصا الدور الذي لعبته بريطانيا في تركيب السلطات الايرانية والدعم الذي قدمته للنظام الملكي على حساب المطالب الشعبية، فضلا عن الخسارات الكبيرة التي لحقت بايران جراء معاركها مع روسيا القيصرية والاراضي الواسعة التي خسرتها في معاهدتي تركمنتشاي وكلستان، الامر الذي يستدعي اعلى مستويات الحذر من قبل الجانب الايراني ودول الجوار لمنع وصول السياسات البريطانية الى الهدف الذي تسعى له. والذي بدأ بالتبلور من جديد في موقف لندن من الاحداث التي تجري على الحدود الشرقية لايران والدعم الذي تقدمه لحركة طالبان وسيطرتها على افغانستان من جديد.

الهجوم على السفير البريطاني واتهامه بالنوايا الخبيثة التي تستهدف الاحاسيس الوطنية والقومية للشعب الايراني، قابله انتقاد قوى النظام والتيار المحافظ والمقربين من اجواء السلطة التنفيذية الجديدة "بأحرف من حرير" للسفير الروسي المستضيف والناشر لهذه الصورة والصورة السابقة عام 2017. ولومه على عدم مراعاة الموقف الايراني، خصوصا وان البلدين – ايران وروسيا- يعتبران حليفين وجارين تربطهما مصالح استراتيجية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية. وان اعادة التذكير بهذا الهدف التاريخي قد يخدم الجهود الغربية التي تسعى للتأثير على القرار الاستراتيجي الايراني بالتوجه شرقا وتعزيز وتعميق علاقاتها مع روسيا والصين على حساب علاقاتها مع الدول الغربية، خصوصا وان الحدث يترافق مع تغيير في السلطة التنفيذية برئاسة ابراهيم رئيسي الذي يمثل توجهات النظام الشرقية. فضلا عن ان الدول الغربية تنظر بقلق الى انتهاء المفاوضات لانتقال ايران من عضو مستمع في منظمة شنغهاي الى العضوية الكاملة،ولم يبق سوى الاعلان الرسمي عنها.

موقف القوى المحافظة والموالية للنظام ومحاولاتها البحث عن مسوغات للتصرف الروسي وحصر الاتهام بالجانب البريطاني، قابله موقف هجومي ومشكك بالأهداف الروسية من قبل القوى الاصلاحية او المتغربة حسب التوصيف المحافظ لها، سيما وان الجانب الروسي لا يتعامل بجدية مع الاثمان التي دفعتها ايران على مدى اربعة عقود من اجل ترميم الصورة الروسية لدى الفرد الايراني وذاكرته السلبية، فضلا عن الاثمان التي دفعتها من اجل التأكيد على المصالح والعلاقة الاستراتيجية بين البلدين، ما يعني ان مسؤولية السفير الروسي لا تقل في ابعادها السياسية عن مسؤولية نظيره البريطاني، في محاولة التذكير بان موسكو لا تجد حرجا في التخلي عن مصالحها مع ايران مقابل مصالحها الكبرى مع بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية.

التجارب الحديثة بين ايران وروسيا تعزز هذه المخاوف ان كان في المماطلة الروسية في بناء مفاعل بوشهر لانتاج الطاقة الكهرونووية، او في تزويد ايران بصواريخ اس 300، او في عدم تنفيذ التزاماتها بعقود بيع ايران لقاحات فيروس كورونا، فضلا عن الخيانات التي مارستها في الكثير من ازمات ايران مع المجتمع الدولي، ما يؤكد ان عليها اعادة النظر في مواقفها وجديتها في بناء صداقة مع ايران والشعب الايراني.

استعادة صورة من تاريخ يعتبره الايرانيون علامة سوداء في تاريخهم المعاصر، اثارت زوبعة من الشكوك حول نوايا حليف من المفترض به ان يكون استراتيجيا في اطار الرؤية التي تبناها النظام والحكومة الجديدة في التوجه شرقا. الا انها تحمل على الاعتقاد، بان سفيري البلدين يتوقعان حصول تطورات ايجابية على خط المفاوضات النووية وحل الخلاف القائم بين طهران وواشنطن حول آليات اعادة احياء الاتفاق النووي، وما يمكن ان يشمله من مسائل تتجاوز الموضوع النووي بالانتقال الى اعادة احياء العلاقات الثنائية بينهما، وهو ما تسعى واشنطن للحصول على ضمانات ايرانية بفتح هذا المسار مستقبلا.

وبالتالي فان الكرسي الفارغ في وسط الصورة بين السفيرين سيكون بانتظار زميلهما الثالث الامريكي ليأخذ مكانه، وهو امر قد لا يكون مستبعدا في المرحلة المقبلة، خصوصا وان الادارة الامريكية استطاعت في الاسابيع الاخيرة احداث تغيير في موقف اكثر الدول معارضة للاتفاق النووي وعودة ايران الى الحضن الدولي، والذي برز من خلال الموقف الذي اعلنه وزير الخارجية الاسرائيلي يائير لبيد من المغرب واعتبر فيه ان الاتفاق النووي مع ايران افضل ما يمكن التوصل اليه "ولا ارى بديلا افضل منه حاليا".

https://www.almodon.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق