حسن فحص

الكثير من المؤشرات والاشارات الايجابية صدرت في الايام الاخيرة، ان كان عن اجتماعات فيينا والمفاوضات حول إعادة إحياء الاتفاق النووي بين امريكا وايران، او تلك المتعلقة بعدد من المسارات المتوترة إقليميا، والتي تشكل مساحة تداخل ايراني عربي امريكي، من اليمن مرورا بالعراق وصولا الى سوريا.

وقبل الحديث عما يمكن ان تنتهي اليه مفاوضات فيينا من نتائج وكيفية إعادة إحياء الاتفاق وما قد يتضمنه التفاهم الجديد من بنود معلنة وغير معلنة، فان الاشارات الدولية والاقليمية تبدو اكثر وضوحا بالاتجاه الذي تسير نحوه، والانفراجات السياسية والاقتصادية وعودة الحرارة الى العلاقات الدبلوماسية التي تشكل نتائج موازية لنتائج فيينا المنتظرة.

زيارة مساعد وزير الخارجية الكوري الجنوبي الى فيينا والاجتماعات المكوكية التي عقدها مع كبير المفاوضين الايرانيين وكذلك مع مندوبي السداسية الدولية، خاصة مسؤول الملف الايراني في الادارة الامريكية روبرت مالي، انتهت الى اعطاء الضوء الاخضر لسيؤول لتحريك الاموال الايرانية المجمدة منذ عام 2018 في البنوك الكورية وتسليمها لطهران. وهي خطوة تصب في اطار ملاقاة الشرط الايراني الابرز بإعادة فتح الاسواق العالمية امام النفط الايراني والحصول على عائدات بيعه ونقلها الى ايران بالعملة الصعبة.

هذه النوافذ التي بدأت تفتح على طهران بموافقة ورضا امريكي، تتزامن مع حراك دبلوماسي واقتصادي على مستوى استراتيجي بدأته طهران باتجاه دول المحيط الخليجي، وايضا في نقل التفاهم الاقتصادي الاستراتيجي الموقع بينها وبين الصين الى المرحلة العملية، بانتظار استكماله مع موسكو بالزيارة التي من المفترض ان يقوم بها الرئيس ابراهيم رئيسي الى العاصمة الروسية والاتفاقيات التي سيوقعها مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن. وهي خطوات تسعى طهران لتوظيفها لتحفيز الدول الغربية للتخلي عن سياسات العرقلة ودفعها لتسريع خطواتها للانفتاح على ايران والحصول على حصتها من كعكة الاستثمارات المنتظرة ما بعد الاتفاق ورفع العقوبات.

اما على المستوى الاقليمي، فعلى الرغم من الغموض الذي يلف الموقف الايراني على الساحة العراقية نتيجة التطورات التي ترافقت مع انعقاد الجلسة الاولى للبرلمان الجديد والتجديد لمحمد الحلبوسي رئيسا لدورة جديدة، الا ان الموقف الايراني يبدو حتى الان متمسكا بالحياد واعتبار الصراع على الرئاسات الثلاث شأنا عراقيا داخليا، من دون التخلي عن دعوة جميع الاطراف والمكونات لعدم الذهاب الى الخيار الامني الذي يشكل تهديدا مباشرا لمصالح طهران. توافق لا تقف فيه إيران كثيرا امام امكانية ان يكون على حساب القوى والاحزاب والفصائل المحسوبة او المقربة منها، من دون التخلي ضمنا عن رغبتها بحصول تفاهم واتفاق على صورة المرحلة المقبلة داخل قوى المكون الشيعي وتحديدا بين جماعة الاطار التنسيقي الذي يضمن نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي وعمار الحكيم وحيدر العبادي، والتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر.

وقد يكون من غير الصعب ربط هذا الموقف الايراني من التطورات العراقية عما اشيع عن وجود تفاهم غير معلن مع الادارة الامريكية منذ وصول الرئيس جو بايدن الى البيت الابيض على تحييد الساحة العراقية عن الصراع بين الطرفين بما يسهل العملية السياسية في هذا البلد، ويسهل لكل طرف تحقيق او الالتزام بالوعود المعلنة سواء تطبيق الاتفاقية الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد وانسحاب القوات القتالية الامريكية، او المطلب الايراني بخروج هذه القوات من العراق ولاحقا من كل منطقة غرب اسيا.

وفي الموضوع السوري، يبدو ان الطرف الايراني بات اقرب الى تنفيذ خطة اعادة انتشار وجود في هذا البلد، في اطار تفاهمات ثلاثية مع واشنطن من جهة، وموسكو من جهة اخرى. تقليص الوجود العسكري الذي بدأ منذ اشهر، لن يعني الغاء النفوذ والدور الايراني في هذا البلد، وهو ما يمكن ان يتم التعويض عنه باشراك طهران بآليات الحل السياسي ومن خلال فتح باب الاستثمارات الايرانية في عملية اعادة اعمار سوريا، والتي يبدو ان علائمها بدأ بالظهور مع زيارة وزير النقل وبناء المدن الايراني رستم قاسمي الى دمشق والاتفاقيات التي وقعها مع الحكومة السورية، خصوصا وان الوزير شغل سابقا رئاسة اللجنة الاقتصادية الايرانية لإعادة اعمار سوريا.

الحديث عن اتفاق سعودي ايراني على اعادة فتح السفارات في البلدين، وامكانية ان تسبق خطوة الجولة الخامسة من الحوار المباشر بينهما، فهي خطوة تأتي بعد النسمات الايجابية لأجواء فيينا، وفي المنتصف ما بين المطلب السعودي والرغبة الايرانية. اذ تريثت الرياض في الانتقال الى مرحلة تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع طهران قبل اتضاح اتجاهات المفاوضات النووية، حتى لا تكون خطوة مجانية، في حين رغبت طهران في حصولها سريعا لاستثمارها في تخفيف الضغوط عليها في فيينا في الملفات الاقليمية. فضلا عن ان تسارع الحراك باتجاه الازمة اليمنية واللقاء الذي جمع بين وزير خارجية ايران حسين امير عبداللهيان مع مسوؤل ملف التفاوض لدى الحوثيين في العاصمة العمانية مسقط، وما يرافقها من تطورات ميدانية ساهمت في تسهيل هذه الخطوة.

لا شك ان القلق الاسرائيلي من نتائج مفاوضات فيينا يفوق قلق اي من الاطراف الاخرى المعنية بهذه المفاوضات ونتائجها. خاصة في حال قبلت الاطراف الدولية على الاعتراف بإيران النووية من دون قنبلة، بغض النظر عن التفاهمات التي ستجري حول مخزون ايران من اليورانيوم المخصب بمستويات مختلفة ومصير واماكن تخزين اجهزة الطرد المتطورة من نوع IR62. لان نجاح هذه المفاوضات سيسحب من تل ابيب ورقة الضغط التي تمارسها لمنع التفاهم والاعتراف بنووية ايران على العكس مما اعلنته مؤخرا بإعادة احياء الاتفاق.

وقد يرتفع منسوب هذا القلق المفتوح على مختلف الاحتمالات، في حال تم تفعيل مسار التفاوض الايراني الامريكي المباشر، والذي بات اكثر ترجيحا واقرب الى الحقيقة بعد الموقف الاخير للمرشد الاعلى للنظام الذي اسقط الحاجز النفسي الذي كان يعيق الحوار والتفاوض المباشر بين البلدين، عندما اباح امكانية التفاوض مع "العدو" للدفاع عن المصالح. ما يعني ان المرحلة الثانية من الجولة الثامنة التي من المفترض ان تستأنف مطلع الاسبوع المقبل بعد عودة كبار المفاوضين الى فيينا، يتوقع لها ان تشهد خطوة دراماتيكية بلقاء بين الوفدين الايراني والامريكي، الذي سيضع المفاوضات على سكة الحل السريع، وبالتالي ترجمة الحوارات غير المباشرة الى خطوات عملية تفضي الى نتائج نهائية.

لعل ابرزها هو تخلي ايران عن اي انشطة تصب في اطار تصنيع قنبلة او رؤوس نووية، والاكتفاء بالوقوف عند عتبة امتلاك هذه القدرات، بحيث تريح واشنطن وتساعدها في تعزيز استقرار منطقة الشرق الاوسط وحل ازماته المتعددة وتمهد الطريق امام تخفيف انخراطها المباشر بهذه المنطقة والتفرغ لما تعتبره تحديات استراتيجية اكبر تهب رياحها من الصين والمحيط الروسي في اوروبا واسيا الوسطى.

https://www.almodon.com

اضف تعليق