تنيخ رحالها منهكة من التعب، فبعد ان عكرت الاحمال صفو وجهها، احتل المراوغون كتفيها، ليحدودب عمودها الفقري، وتتكسر اضلاعها، تلك هي ارصفة الشوارع في كربلاء، التي اصبحت مرتعا لمخالفة القانون، ومنظرا لا يسر الناظرين.

واجهات مدن مشوهة

كربلاء محط قلوب الوافدين من ملايين الزائرين، هناك عند مداخلها حيثما يشير اتجاه السهم من هنا الى كربلاء.. يصيب ذلك السهم الافئدة حين ترى تلك الواجهة شوهت جانبيها صناديق الخضار والاطارات المستعملة ومخلفات محال تغيير زيوت السيارات.

ظاهرة قد تكون هجينة على المدن انتجت على جانبي الطريق اكواما من الاسماك تلفظ انفاسها الاخيرة على حافة الطريق، وكلما تقترب اكثر من المدينة تشتد حدة المنافسة على موقع تجاري على ارصفة شوارعها، يتزاحمون في ما بينهم على امتار قليلة كي يضعوا بضاعتهم عليها، وبدلا من ان تكون سمة التحضر هي من يجمع اولادها، تعذر على المعنيين ان يجدوا عنوانا يطلق عليه مجمع تجاري ويوصف بالمنظم يحافظ على جمالية ونظافة المدينة ويديم ارزاق المواطنين.

جمال المدينة ميوكل خبز

فتقاطعات المدينة وعلى ارصفة شوارعها العامة باعة السمك لايفصل بينهم سوى متر او مترين متخذين من الرصيف منبراً لينادوا على المارة وترغيبهم لشراء السمك، ومخلفات الاسماك ورائحتها الكريهة تملأ المكان.

اركان(20عاما)، هو احد هؤلاء الباعة وهو يقول انه تخرج من اعدادية الصناعة قسم كهرباء، انتهى به المطاف بائع سمك على حافة الطريق، يقول اركان: "هذا العمل مكسب حلال من اجل ان اعيش منه، واتمنى ان يكون لدينا سوق نظامي بدلا من الجلوس على حافات الشوارع"، فيما يتحدث ابو سرمد(51عاما) بعدم الاكتراث: "يابه جمال المدينة ميوكل خبز، عوائل عدنا وتريد تاكل والدولة متدري بحال الفقير والبلدية جاي تحاربنا على الرصيف".

احمد (37 عاما) شاب اخر مهجر من الموصل، يقول ان الحرب اخذت اثنين من اخوته ولم يبقَ له سوى اخ واحد يبلغ من العمر (15)عاماً، ويضيف احمد: " انا معيل لثلاث عوائل، ولقد كسرت ساقي في اعمال البناء، وانا مضطر لان ابيع على الرصيف الخضار، لاوفر لقمة عيش للاطفال، نحن لسنا مرتاحين لوقوفنا هنا ولكن لا بديل لنا عنها".

حلول اولها الغرامة وتاليها الاخلاء

تزدحم الاصوات على تلك الارصفة بين باحث عن لقمة عيش وبين متذمر من وجودهم على تلك الارصفة، وبين هذا وذاك يشرع المسؤولون لايجاد حل، ليستقر ذاك الحل عند بلدية كربلاء.

مدير بلدية كربلاء المهندس انمار الرفيعي يقول:" نظمنا حملات مع شرطة التجاوزات للحد من هذه الظاهرة لرفع المخالفات عن الارصفة، وازالت ملاكاتنا الورش الفنية ومتروكات ومخلفات الاسواق ومواد اصحاب المحال ممن استخدموا الرصيف لتوسعة محالهم".

ويتابع الرفيعي: " نحن نبدأ بتغريم المخالف، والغرامة احيانا تصل الى (500) الف دينار عراقي، تعود لصالح المديرية وتضاعف بعدم التسديد وفق القوانين والتعليمات".

اعطاء شرعية للمتجاوزين

اكشاك انتشرت على الارصفة عند مداخل المدينة اخذت مساحات اكبر من المقرر لها باربعة اضعاف وركنت الى جانبها شاحنات تحمل بضاعة تابعة لها، وعند سؤالنا احد اصحاب الاكشاك وكيف انه لا يخاف العقوبة او المساءلة اخبرنا انه مؤجر من البلدية.

الامر الذي لم ينفه مدير اعلام بلدية كربلاء ماجد ناجي الذي يقول: "هذا الامر قانوني وهو لتعظيم مداخل الدولة، ولدينا امر بتأجير هذه الاكشاك بالمزاد العلني، وتم ايجارها منذ مدة قريبة"، غير انه اوضح ان هذا لا يعني ان يتجاوز المؤجر على الرصيف بصورة عشوائية.

اصحاب المحال التي تقع خلف هذه الاكشاك شكوا من هذه الخطوة وعدوها تشريعا وتصريحا يبيح للمتجاوزين ان يزاولوا اعمالهم على الارصفة، احمد (43عاما) صاحب محل للماكولات الشعبية يقول :" سرحت نصف عمالي بسبب ايجار البلدية لهذه الاكشاك لان محلي لم يعد يرى من قبل المارة لان الشاحنات التي تركن الى جانب هذه الاكشاك لا تتحرك وهي ثابتة وتابعة لصاحب الكشك".

ويتابع احمد :" البلدية لا تحاسب اصحاب الاكشاك هؤلاء على تجاوزهم بل ولن تستطيع محاسبة باقي المتجاوزين بسبب انها اجرت لهؤلاء، وصاحب هذه الاكشاك يقول انه مؤجر بـ(30) مليون دينار بالسنة ومن حقه ان يفعل ما يشاء، وعلى الرغم من ان الوقوف ممنوع على جانب الطريق وعلى الرغم من ان التجاوز ممنوع على الرصيف الا ان ل هذه التجاوزات تحدث امام انظار الجميع من المسؤولين دون حساب يذكر".

اختناق الشوارع بالمارة

ولا نقصد بسبب اعداد الزائرين الى المدينة او اعداد نسمتها المرتفعة، وانما المارة في كربلاء لا تسير على الارصفة، سعد (60 عاما) احد الزائرين وهو من محافظة البصرة التقيناه في شارع ميثم التمار في كربلاء وسألناه لماذا يسير هو وعائلته في وسط الشارع وليس على الرصيف، فاجاب :" ان الارصفة قاطبة مشغولة ببضائع اصحاب المحال، وكذلك الشرطة نفسها تشغل حيزا كبيرا منها".

عبد الله (27 عاما) مواطن من كربلاء انتقد حالة اخرى للتجاوز على الارصفة، يقول عبد الله :" الشرطة تركن عجلاتها على الارصفة، ومعظم مقرات الاحزاب والدوائر الامنية تقوم بوضع الجدران الكونكريتية مستغلة كامل الرصيف ما يضطر المواطن النزول الى الشارع والسري على جانبه ما يعرقل حركة السير ويثير الازدحامات".

لماذا تصمت الحكومة؟

مراقبون حللوا صمت الحكومة المحلية في كربلاء على هذه التجاوزات بانها لا تريد ان تحتك بالمواطن لانها مقبلة على انتخابات، يقول الناشط المدني علي جواد :" الحكومة المحلية لا تريد ان تحاسب المواطن لانها لا تريده ان يتحدث عن سلبياتها، لان المواطن اذا حاسبته الحكومة سيعلم انها على حق بمحاسبته لانه متجاوز، ولكنه سيبحث عن سلبيات الحكومة لذلك الحكومة تترك المتجاوزين دون حساب".

وتبقى هذه المشاهد قائمة لتولد مشكلة تبحث عن حل دائمي، يراه الاداري محمد جلعوط يكمن في اخذ تعهدات على اصحاب المحال بعدم التجاوز على الرصيف اولا ومن ثم يصار الى تغريم المخالف ومن ثم الى مصادرة البضائع التي تعرض على الارصفة".

الاهتمام بالتخطيط العمراني للمدن وبواجهاتها وخاصة السياحية منها لهو احد عناصر الجذب للسياح، وهذه حقيقة مسلم بها، وعلى المواطن والحكومة مجتمعين ان يسعون الى وضع حل لمثل هذه المظاهر السلبية التي باتت تضر بالصالح العام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1