المخرج الحقيقي للبشرية يتجلى في التوجه نحو المنقذ الإلهي الإمام المهدي مع ضرورة اقتران هذا الانتظار بالعمل الإصلاحي الجاد على ثلاثة مستويات: تبدأ بصلاح الفرد وورعه، ثم تثقيف المجتمع على قيم الكرامة والعدالة، وصولاً إلى تفعيل المنظومة الدولية عبر "الآيات الحيوية المنسية" في القرآن الكريم كالشورى والتعددية والحريات...

يرسم سماحة السيد مهدي الحسيني الشيرازي في خطبته بمناسبة عيد الفطر المبارك لعام 1447هـ (2026م) خارطة طريق فكرية وإصلاحية، حيث يشخص الواقع الدولي الراهن وما يعانيه من حروب مدمرة وظلم اجتماعي رغم ادعاءات الديمقراطية والتقدم التقني. وينطلق من الرؤية القرآنيّة ليؤكد أن المخرج الحقيقي للبشرية يتجلى في التوجه نحو المنقذ الإلهي الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، مع ضرورة اقتران هذا الانتظار بالعمل الإصلاحي الجاد على ثلاثة مستويات: تبدأ بصلاح الفرد وورعه، ثم تثقيف المجتمع على قيم الكرامة والعدالة، وصولاً إلى تفعيل المنظومة الدولية عبر "الآيات الحيوية المنسية" في القرآن الكريم كالشورى والتعددية والحريات، وهو ما يمهد لصياغة جديدة لعالم يسوده الإيمان والرفاه والسلام...

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. آمين يا رب العالمين.

 قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم:

 (اسْتَعِينُوا بِاللَّـهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(1).

 نشاهد اليوم –وبكل أسف– ما يجري في البلاد الإسلامية، بل في كل العالم، من الحروب المدمرة التي تسفك دماء الأبرياء، وتهلك الحرث والنسل، وتنتهك الحرمات، وتعقب دماراً شاملاً للعوائل والأسر، وكذلك للزراعات والصناعات والثروات والموارد الطبيعية وغيرها. كما نشاهد –من جهة أخرى– القوانين الوضعية الكابتة المليئة بالظلم والعدوان والفساد، والتي لا تراعي كرامة الإنسان، وتنتهك أبسط حقوقه في العيش الآمن والمستقر والكفاف البسيط.

 هذا ما كنا نقرأه في التاريخ، حيث سطرت صفحاته أمثال هذه المظالم المؤلمة المنتشرة في مختلف نقاط العالم منذ الزمن السحيق. كل ذلك يجري في عالمنا اليوم، حتى في البلاد التي تسمى بالحرية، وتدعي الديمقراطية. فهل هناك مخلص من هذه الأزمات والكوارث؟ وهل هناك بصيص من الأمل ليسود الأمن والأمان في العالم؟ وما هو الطريق إلى تحقيق ذلك؟

 لقد جرّب العالم تجارب كثيرة للوصول إلى العدالة الإنسانية ونشر الأمن والأمان، فشاهدنا مشاريع عديدة كانت تهدف إلى إحقاق العدالة، فبدأت بمحاربة الظلم والفساد، وقامت بتضحيات لأجل التغيير، لكنها وقعت في ارتكاب نفس المظالم والفساد المالي والإداري وسائر أنواع الجرائم بشكل أو بآخر.

 ربما نجحت تلك المشاريع والقائمون عليها في محاربة الظلم والفساد بصورة جزئية ووقتية، لكنها خلقت مظالم جديدة أو استبدلت جوراً بجور آخر. كما رأينا أفراداً ومنظمات وضعوا قوانين لحقوق الإنسان لتضمن الحرية والكرامة الإنسانية، وربما حققت قدراً من العدالة الظاهرية، لكنها لم تستطع القضاء على الفساد الداخلي كالنفاق والرشوة والظلم ومختلف أنواع التحايل على القانون بطرق ذكية وخفية. بل لم تستطع تعميم تلك القوانين وتطبيقها إلا بصورة ازدواجية وحسب الانتماءات والمحسوبيات.

 كما نشاهد اليوم علماً وتقدماً وتقنية حديثة في مختلف نواحي الحياة، وثورة صناعية، وذكاءاً اصطناعياً، وإبداعات واختراعات هائلة أدت إلى تحسين حياة الإنسان ورفاهه بشكل كبير، لكنها زادت من الأمراض النفسية والجسدية، وخلقت جواً من القلق والفراغ والانحراف الخلقي والخواء الروحي، مما أدى إلى تفكك العوائل والأسر، فأسقطت الإنسانية في مستنقع مادي بحت. فإنها وإن أعطت الإنسان قوة وتقدماً، لكنها خلت من البوصلة الأخلاقية والترشيد الإنساني، وهو ما يشكّل خطراً كبيراً.

 واليوم، في القرن الواحد والعشرين، قرن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة، نشاهد العالم يرزح تحت نير الظلم والطغيان، بحكام مستبدين مستعمرين محتلين، وأنظمة قمعية استبدادية، وإن كانوا يتقنعون بقناع الديمقراطية والحرية والعدالة.

 وبعد هذه القرون الطويلة من التجارب، ألم يأن للبشرية أن تعي أنه لا مخلص ولا منجى من كل هذه المظالم إلا بالتوجه الحقيقي نحو المنجّي الواقعي الذي أعده الله تبارك وتعالى لإنقاذ البشرية، وهو الإمام المنتظر المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً.(2) (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ)(3)

 فلابد من التوجه والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل لتعجيل فرجه الشريف، فإنه (ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ)(4). وقال عليه السلام: وأكثرو الدعاء بتعجيل الفرج؛ فإن ذلك فرجكم.(5)

 اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة. 

الخطبة الثانية

 بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ)(6)

ذكرنا في الخطبة الأولى أن الإصلاح الحقيقي العالمي إنما يكون بيد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). لكن متى سيظهر الإمام؟

(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً۝٦ وَ نَراهُ قَرِيباً۝٧)(7) 

الجواب: عندما يأذن الله تبارك وتعالى لذلك، وربما من المقومات المهمة للتمهيد لظهوره الشريف هو أن نعدّ أنفسنا لذلك، وإعداد النفس إنما يكون بمجموعة من الأمور:

 أولاً: على الصعيد الفردي، بالإيمان والورع والصلاح، وذلك بالالتزام بالواجبات وترك المحرمات، وحسن الأخلاق وتربية الأسرة عليها.

 ثانياً: على الصعيد الاجتماعي، بتثقيف المجتمع على قيم الكرامة والحرية والعدالة والإنصاف والإحسان التي جعلها الله تبارك وتعالى للإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ)(8). وكذلك ترسيخ أسس احترام البشر وحفظ حقوق الإنسان، والتعاون على البر والتقوى، وغيرها من القيم والمفاهيم الدينية الكفيلة بسعادة الدنيا والآخرة.

 ثالثاً: على الصعيد الدولي، فاللازم السعي الحثيث لنشر العدالة والسلم والسلام ثقافةً وعملاً، وعدم استخدام العنف، وتعميم الحريات الإسلامية التي تضمن للشعوب الرفاهة والراحة، والخروج من أسر القوانين الكابتة والقيود والسلاسل التي تعيق تقدم الأمة ونهوضها. 

كما أن من الضروري الرجوع إلى القرآن الكريم والأحاديث الشريفة للنبي وعترته الطاهرين، وخاصة الآيات المنسية، كالشورى، قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ)(9)، والتعددية، قال سبحانه: (وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ)(10)، والحريات: (يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(11)، والإخوة الإيمانية: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(12)، والأمة الواحدة: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(13)، والعدل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بالعدل والإحسان) ، والتعاون، كما قال تعالى: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى‏)(14). 

وقد سمّى السيد الوالد (رحمة الله عليه) هذه الآيات بالآيات الحيوية المنسية في القرآن الكريم، اقتباساً من قوله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ)(15). وقد فصّل الكلام فيها في موسوعة الفقه في مختلف أجزائها، كالفقه السلم والسلام، والفقه الحقوق، وممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين، والصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، وغيرها من الكتب.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم.(16)

وأخيرا: خير الكلام كلام الله (عز وجل): 

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّٰهِ وَالْفَتْحُ ۝١ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّٰهِ أَفْوَاجًا ۝٢ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ۝٣).(17)

 اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، وهب لنا رأفته ورحمته ودعاءه وخيره، وعجّل اللهم فرجه، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

* هذا النص هو خطبة القاها سماحة السيد مهدي الحسيني الشيرازي في عيد الفطر المبارك، 1447هـ 2026م

............................................

[1] - سورة الأعراف ١٢٨

[2] - إكمال الدين ج۱ ص۲٥۹ الباب ۲٤ ح۲.

[3] - سورة الأعراف ١٢٨

[4] - سورة الفرقان ٧٧

[5] - كمال الدين ج۲ ص٤۸٥ ب٤٥ ح٤.

[6] - سورة الرعد ١١

[7] - سورة المعارج ٦-٧

[8] - سورة الإسراء ٧٠

[9] - سورة الشورى ٣٨

[10] سورة المطففين ٢٦

[11] - سورة الأعراف ١٥٧

[12] - سورة الحجرات ١٠

[13] - سورة الأنبياء ٩٢

[14] - سورة المائدة ٢

[15] - سورة الأنفال ٢٤

[16] - نهج البلاغة، الرسائل: رقم٤۷ ومن وصية لـه(عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم (لعنه الله).

[17] - سورة النصر

اضف تعليق