في نطاق التحولات الحضارية الكبرى التي تعيشها المجتمعات في الوقت الحاضر، يرتسم امامنا بجلاء مشهد تداعيات الثورة التقنية التي افرزها عصر مابعد الحداثة المتأخرة، وانعكست أثارها على شتى مناحي الحياة واصعدتها المتنوعة ومجالاتها المختلفة، فُخلقت عوالم افتراضية جديدة أمست لا تحدد سلوكيات وسمات العديد من الناس ممن انخرطوا في هذه العوالم فحسب، بل حتى كيفية وجودهم في هذا العصر.

ومع انغماس الانسان في هذا العالم الافتراضي، ارتدى اقنعة كثيرة تشكلت، على اثرها، ذات مغايرة او جديدة " رقمية " ترتبط بتقنيات المعلومات والحاسبة والاتصال على نحو متواصل لدرجة اضحت لحظات ابتعاد الانسان عن هذا العالم الافتراضي وخروجه من حدوده هي اللحظة الاستثنائية وليس العكس!.

وعلى مايبدو قد ظهرت، نتيجة هذه التحولات التي اجتاحت العصر، الكثير من الخصائص الجديدة وبرزت العديد من الظواهر الحديثة التي جاءت نتيجة صدام الجديد بالقديم او تفاعل الحالي مع الاسبق او تعارض الاثنين مع بعضهما البعض مما انتج، بسبب كل هذا، او من اجل هذا، ظواهر وحالات جديدة تستحق الدراسة والوقوف عندها.

ومن بين الظواهر الجديدة التي لاحظتها خلال متابعاتي لما يدور من جدل وحوارات ونقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة المتمثلة في الفيسبوك وتويتر والانستغرام وغيرها التي تشكل احدى اكبر تجليات العصر الرقمي لما بعد الحداثة المتأخرة، هي ما سميتها بظاهرة" الطائفية الرقمية".

الطائفية الرقمية هي نوع جديدة من الطائفية ظهرت مع ثورة العصر الرقمي الجديد وبالتوازي مع الاجواء المشحونة، سياسيا وطائفيا، في عالمنا العربي والاسلامي الغارق في ازمات ومشكلات وتخلف وجهل وضياع لا يتناسب مع الثروات الطبيعية والموارد البشرية التي تزخر بها دولهم.

هي ظاهرة او حالة يُظهر فيها الانسان نرجسيته ويُبرز نزعته العدوانية ومكبوتاته الداخلية ويستعمل تطرفه وتشدده ويتكأ على الجانب المظلم واللامعقول من شخصيته بالاضافة الى غيرها من الخصائص البدائية.

ومن المحزن القول ان الانسان يستخدم هذه السمات غير الاخلاقية في عالم متطور يعج باحدث تكنولوجيا العصر وارقى تطور علمي شهدها هذا الزمان متجسدا في شبكات التواصل الاجتماعي التي يغرق في عوالمها وفضاءاتها الانسان من خلال اجهزة الهاتف النقال او الاجهزة اللوحية او الحواسيب الشخصية.

وكما يبدو من التعريف، فالطائفية الرقمية مصطلح مخاتل روّاغ يجمع بين مفهومين متناقضين الى درجة كبيرة، فالطائفية ومعناها ودلالاتها تتناقض مع العالم الرقمي الحديث ومبادئه والجو السائد فيه.

يمارس هذا النوع من الطائفية نوعان من الناس:

اولا: نوع مكشوف يمارس طائفيته في الفضاء الافتراضي بشكل علني ومفضوح من غير ادنى خوف او تحفظ لأسباب عديدة لعل ابرزها هو عدم خوفه من تداعيات مايكتب او يقول في مواقع التواصل الاجتماعي.

ثانيا: نوع مُقنّع يمارس طائفيته الرقمية تحت ستار الاسماء المستعارة، فتراه يرتدي الاقنعة ويُخفي مكان سكنه ولايعلن اي تفاصيل تكشف عن هويته.

يتميز اصحاب الطائفية الرقمية، من النوع الثاني، وهم محور حديثي، بعدة خصائل فيما يلي ابرزها:

1- يعيشون في مناطق يخشون فيها من كشف ميولهم الطائفية، وربما تكون مختلطة بالطائفة الشيعية والسنية او يعمل في مكان يخشى فيه الاعلان عن هذه الميول.

2- بعضهم يمتلك شهادات جامعية، وبعضهم لازالوا طلاب جامعة.

3- يختبئون وراء اقنعة من خلال اخفاء اسمائهم الحقيقية والاعتماد على اسماء مستعارة.

4- يمارسون عنفا رمزيا واضحا من خلال تعليقاتهم وماينشروه.

5- يمتلكون وحدة ذهنية، بلغة جوستاف لوبون، تتحكم في سلوكياتهم وتوجههم نحو التمترس خلف ثوب الطائفة.

6- لايخضعون للمنطق والعقلانية في تصرفاتهم وسلوكياتهم ويتحركون بشكل لاواع.

وفي بحث ضخم قاد فريقه الدولي الباحث دارك كولغين من جامعة دبلن للبحث حول مايدور من افكار واراء في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة المتعلقة بالازمة السورية، درس هذا الفريق اكثر من مليون ونص تغريدة على تويتر، وراقبوا اكثر من 600 حساب على وسائل التواصل وفحصوا مضمون 14 الف قناة على يوتيوب كلها تتعلق بالصراع الدائر في سوريا.

توصلت الدراسة الى نتيجتين مهمتين:

الاولى: ان النزاع ليس بين طرفين فقط بل اكثر من ذلك، حيث تمتلئ هذه المواقع بالعديد من الافكار والاطروحات التي تعود لأحزاب وحركات سياسية معينة وكل منها لها اجندة معينة تحاول الدفاع عنها.

الثانية: ان الافكار المتطرفة ازدات تطرفا وتشددا بعد العديد من الاسابيع من قيام الازمة نفسها، حيث كانت المناقشات والصورة التي توضع والبوستات التي تنشر والتعليقات التي توضع بعد الاخبار عامل رئيسي فيما يبدو في زيادة التطرف واجهاض وقتل اي بوادر اراء تسامحية او معتدلة.

والامر لايختلف جوهريا عن الوضع في المنطقة العربية عموما، اذ تتنوع الطائفية الرقمية في مستوياتها ولاتتخذ شكلا واحد، فهذا لايقبل الاخر طائفيا...وغيره يشتمه ويلعنه...وثالث يتمنى موته ويشتفي به.... ورابع مستعد للقيام بنفسه بهذه المهمة الاجرامية، وهذا كله يجري بتأثير التحريض الاعلامي الذي تتبعه وسائل الاعلام والمواقع المتطرفة والارهابية الذي تجد لها مساحة سهلة للحركة ونشر افكارها وبثها على مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي في العراق وغيرها من البلدان.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0