«وكُنْ حبّي تحت المطر»؛ بهذا الشطر الأخير من قصيدة «أغنية خطّ العاصفة» للشاعر الأميركي، روبرت فروست، أعلن إيلون ماسك استحواذَه على «تويتر» عبر المنصّة نفسها. لكن، وبمعزل عن كل هذه الرومانسية، حصلت عملية الاستحواذ في وقتٍ بالغ الأهمية، دفع مرشد الحزب الديموقراطي، الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، إلى أن يخرج معبّراً عن «خوفه» من منصّات التواصل الاجتماعي، وداعياً إلى ضبطها قبل ساعات من الإعلان الرسمي. ويدور السؤال، راهناً، حول السبب الذي جعل ماسك، التوّاق إلى «حرية التعبير»، مستميتاً لشراء «تويتر».

هي، إذن، أوقات عصيبة للحزب الديموقراطي ومريديه. فبعض هؤلاء أوقف حسابه على المنصة مباشرة (من أمثال شون كينغ الذي اعتبر شراء ماسك لـ»تويتر» ليس إلّا تجسيداً لنفوذ الرجل الأبيض)، وبدأ آخرون حملة تحريض ضدّ المالك الجديد، بالدعوة إلى سنّ قوانين تقيّد نفوذ أصحاب المليارات. حتى موقع «TheVerge» المختصّ في المحتوى التكنولوجي، نشر تقريراً بعنوان «كيف تلغي حسابك على تويتر». لكن على المقلب الآخر، يبدو مناصرو الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في حالة «يوفوريا». فالمنصة التي أدمنها «قائدهم» ذات يوم، والتي كانت وسيلته الإعلامية شبه الوحيدة في مواجهة الـ»فايك نيوز»، عادت - برأيهم - إلى حضن «ماغا» (أو لِنُعِد لأميركا عظمتها، كما يقول شعار ترامب)، على أمل أن يوافق الشاري على فكّ أسر زعيمهم المحجوب من «تويتر».

كيف تم الاستحواذ

في وقت سابق من الشهر الجاري، اشترى إيلون ماسك حصةّ بنسبة 9% من «تويتر». ثم عرض شراء الشركة بأكملها، واصفاً نفسه بأنه «داعم لحرية التعبير المطلقة»، ومعبّراً عن رغبته في إصلاح ما اعتبره رقابة مفرطة على المحتوى من جانب الموقع. وتوازياً، بدأ مالك «تسلا» و»سبايس إكس» في نشر تغريدات تثير الجدل، مِن مِثل قوله إنه يفكّر في جعل مقرّ الشركة الرئيس في سان فرنسيسكو، ملجأً للمشرّدين، لأن أحداً من الموظفين لا يأتي إلى مكان العمل أصلاً. وفيما أعلن مجلس إدارة الشركة، بدايةً، أنه يدرس عرضه، إلّا أنه قوبل بالرفض، في ما أُطلق عليه خطّة «الحبّة السامة» (Poison Pill) التي صعّبت على الملياردير الجنوب أفريقي الحصول على حصة تخوّله السيطرة على «تويتر». لكن ماسك أعلن، الأسبوع الماضي، أنه جمع تمويلاً بقيمة 46.5 مليار دولار لإجراء عملية الشراء عبر قروض مصرفية. إعلانٌ كبّل أيدي مجلس الإدارة، وأجبره على الذهاب إلى طاولة المفاوضات، التي نتجت منها الموافقة، أوّل من أمس، على عملية البيع، لتصبح «تويتر» شركة خاصة مملوكة من ماسك منفرداً، وبسعر 54.20 دولاراً للسهم الواحد، وبكلفة إجمالية قُدِّرت بـ44 مليار دولار. وتالياً، خرجت «تويتر» من سوق البورصة. وقال ماسك، في بيان نشرته «تويتر»، إن «حرية التعبير هي حجر الأساس لديموقراطية فاعلة، وتويتر هو الساحة الرقمية العامة حيث تناقش موضوعات حيوية بالنسبة إلى مستقبل الإنسانية». وأضاف: «أريد أيضاً أن أجعل تويتر أفضل من أيّ وقت مضى من خلال تعزيزه بميزات جديدة، وجعل الخوارزميات مفتوحة المصدر لزيادة الثقة، والقضاء على روبوتات النشر المبرمجة (بوتس) وتوثيق حسابات جميع البشر».

تسلسل الأحداث أعلاه هو ما حدث رسمياً. لكن من يتابع ماسك على «تويتر»، إلى جانب 83 مليون شخص آخر، لا يمكن أن يتناسى حادثة يُقال إنها كانت السبب الرئيس الذي دفعه إلى شراء المنصّة. قامت منصة «تويتر»، الشهر الماضي، بإيقاف حساب «ذا بابيلون بي» (The Babylon Bee)، وهو موقع إخباري مسيحي محافظ ساخر ينشر مقالات ساخرة حول مواضيع تشمل الدين والسياسة والأحداث الجارية والشخصيات العامة. عمليّاً، هو نسخة مسيحية إنجيلية محافظة من الموقع الإخباري الساخر الشهير «ذي أونيون» (The Onion). أما السبب، فمقال ساخر نشره الموقع، يتناول «مزحة» اختيار مساعدة وزير الصحة الأميركية، راشيل ليفين، وهي امرأة متحوّلة جنسياً، على الموقع بأنها «رَجُل العام». إيقاف هذا الحساب من قبل إدارة «تويتر» السابقة، أغضب إيلون ماسك الذي يُعدّ من أشدّ متابعي هذا الموقع، كما أن المنصة أوقفت حسابات لأقطاب جمهورية «ترامبية»، مثل الإعلاميان على قناة «فوكس» تاكر كارلسون، ومارك لِفين، وذلك بسبب إعادة تغريد المقال المذكور. من هنا، بدأ ماسك التخطيط لعملية الاستحواذ على «تويتر»، المنصّة التي عبّر عن حبه لها في تغريدة، قبل خمس سنوات.

هل سيعود ترامب؟

هناك نواحٍ عدّة للإجابة على هذا السؤال. ففي 21 نيسان الجاري، ومدفوعاً بـ«خوفه» على الديموقراطية، ظهر الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، في جامعة «ستانفورد»، مخاطباً الناس، ومتحسّراً على واقع أن قبضة حزبه على منصّات التواصل الاجتماعي قد تمّ تحدّيها أخيراً. وأكمل محاضرته حول مخاطر «المعلومات المضلّلة» على المنصات، داعياً إلى فرض «المزيد من الرقابة» على حرية التعبير في تلك المنصات من أجل عدم «تقويض» العمل الديموقراطي. اللافت هنا، أن أوباما بات يطالب بتحديث المادة 230 من قانون الاتصالات التي احتمت بموجبها منصات التواصل، وهي المادة ذاتها التي كرّر ترامب مطالبته بتحديثها كلما سنحت له الفرصة. لكن المفارقة اليوم، أن أوباما بات يطالب بها أيضاً في ظلّ ضعف سطوة حزبه على العالم الرقمي. من جهته، قال ترامب إنه لن يعود إلى منصة التواصل الاجتماعي، «تويتر»، حتى إذا عاد حسابه إليها. وأضاف لقناة «فوكس» أنه سيُفعّل حساباً رسميّاً له على منصة «تروث سوشال» الناشئة، والتي يمتلكها، خلال الأيام المقبلة. تصريح ترامب هذا منطقي ظاهرياً، إذ لمَ قد يودّ العودة إلى «تويتر»، وهو يملك منصّة تواصل اجتماعي خاصّة به؟ الفعل الأجدى، هنا، هو أن يعزّز منصّته ويجعلها في موقع متقدِّم عن المنصات الأخرى. لكن هناك مشكلة، فمنصة «تروث سوشال» شبه ميتة، وعدد المنتسبين إليها لم يزد كما كان متصوّراً، أضف إلى ذلك تأخُّر المبرمجين في تطوير نسخة تعمل على أجهزة «أندرويد»، بالتوازي مع الهجمات السيبرانية المتكررة (DDos Attack) على الموقع. لذا، قد تشهد الأيام والأسابيع المقبلة تحوّلاً في قرار ترامب، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني، حين سيكون بحاجة إلى رافعة إعلامية.

خطط ماسك لـ«تويتر»

بعد تسلّمه مفاتيح الشركة، أصبح لدى إيلون ماسك القدرة على إعادة تشكيل الخطاب على شبكة اجتماعية يستخدمها أكثر من 200 مليون شخص كل يوم. ومن بين تلك الخطط التي عبّر عنها صراحة:

- إزالة «قواعد المجتمع الخاصة بالمحتوى» باسم حرية التعبير.

- إنشاء زرّ تعديل حتى يتمكّن المستخدمون من التعديل في تغريداتهم (لفترة زمنية محدّدة).

- جعل خوارزمية «تويتر» مفتوحة المصدر، بحيث يصبح في إمكان الجميع الاطّلاع على سطور البرمجة التي تعمل عبرها المنصة، الأمر الذي يدفع نحو المزيد من الشفافية والثقة من قِبَل المستخدمين.

- سيشنّ حرباً على «جيوش الروبوت» Bots، والتي تسمّى أحياناً بالذباب الإلكتروني، وبخاصة تلك التي تروّج للعملات المشفرة الاحتيالية.

- سيحاول تقليل اعتماد المنصة على الإعلانات من أجل المال، وسيحاول ربطها بعملة «دوج كوين» المشفرة والتي قال إنها وسيلة دفع ممتازة.

إيلون ماسك رجل أعمال ازدهرت أعماله لكونه رائداً في مجال التكنولوجيا. وهذا أمر صحيح؛ لكن وجوده في هذه المرتبة اليوم ما كان ليتمّ لولا العقود الحكومية التي حصل عليها في أشدّ اللحظات الحرجة في مسيرته (ناسا على سبيل المثال). كما أن الرجل له جيش من المغرّدين على «تويتر»، يدافعون عنه حتى الرمق الأخير. أما وقد بات يمتلك إحدى أكثر منصات التواصل شعبية بعد «تيك توك» و«فايسبوك»، أصبحت لديه وسيلة إعلامية رقمية ستتيح له توسيع رقعة نفوذ شركاته من «سبايس إكس» إلى «تسلا» و«بورينغ» وغيرها.

اضف تعليق