شرائح السيليكون باتت في كلّ مكان تقريباً؛ في الهواتف الذكيّة وأجهزة الكمبيوتر المكتبية والمحمولة ومراكز البيانات والأجهزة المنزلية والأجهزة اللّوحية والأجهزة الذكية والسيارات (التقليدية والكهربائية) والأجهزة الطبية وأجهزة الصراف الآلي والمعدات الزراعية والمعدات الحربية. كل هذا بالإضافة إلى مليارات الأجهزة التي سيفرضها تطوير «الميتافيرس» وانتشار أجهزة إنترنت الأشياء كالفطر... هي صناعة بلغت قيمتها في السنة الماضية أكثر من نصف تريليون دولار، لكن مع تفشي جائحة كورونا بداية عام 2020، وعمليات الإغلاق التي شهدها العالم مضافاً إليها توقف سلاسل التوريد، انخفض إنتاج الشرائح الإلكترونية والطلب عليها.

ورغم عودة الإنتاج إلى ما كان عليه، إلّا أن الحاجة المتزايدة للعمل من المنزل حول العالم وما يتطلّبه ذلك من أجهزة إلكترونية، فضلاً عن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فاقمت الطلب على الشرائح الإلكترونية بما يتجاوز الأرقام المتوقّعة. من يومها دخل الكوكب في أكبر موجة نقص بالشرائح الإلكترونية، وتأثّرت بها أكثر من 169 صناعة حول العالم بحسب «غولدمان ساكس».

أرباب الصناعة

يحكم عالم صناعة التكنولوجيا، نبوءة قالها المهندس الأميركي غوردون مور عام 1965: عدد الترانزستورات (جهاز شبه موصل للكهرباء يُستخدم لتضخيم أو تبديل الإشارات الإلكترونية والطاقة الكهربائية) لكلّ رقاقة سيليكون سيتضاعف كل عام. أي أنّ قدرة الشريحة الإلكترونية لجهة السرعة والحوسبة ستتضاعف وحجمها سيصبح أصغر. لكن بعد 10 سنوات من توقّعه هذا، ومع تباطؤ التكنولوجيا في تحقيق هذا الهدف، مدّد «مور» الفترة الزمينة لتصبح 18 شهراً. ومذاك أصبحت النبوءة قانوناً التزمت به كافة شركات صناعة الرقائق الإلكترونية تقريباً. باتت تعرف بـ«قانون مور» (Moore's law).

صعوبات المنافسة

من الممكن للصين، نظرياً، أن ترتقي في صناعة أشباه الموصلات في قفزة تطوّرية تكنولوجية. لكن المشكلة تكمن أنّ منافسيها يعملون بالفعل على الوصول إلى إنتاج رقاقات بقياس 3 و2 نانومتر. أي حتى لو وصلت الصين إلى القدرة على صناعة شرائح بقياس 7 و5 نانومتر، ستكون الشركات المنافسة قد بدأت البحث في كيفية صناعة رقاقات بقياس 1 نانومتر أو أصغر. هذا يعني أنه، حتى لو استطاعت الصين أن تعتمد على نفسها في هذا المجال، فإن الفرق الزمني التطوّري لناحية الاكتشافات والخبرات، يصعب تخطّيه.

على مدى 3 عقود، احتلت شركة «إنتل» الأميركية لقب أكبر صانع للشرائح الإلكترونية. حتى قيل ذات يوم، إن «إنتل» هي من أدخلت كلمة سيليكون إلى عبارة «وادي السيليكون». لكن خلال السنوات القليلة الماضية، ارتقت شركتا «TSMC» التايوانية، و«سامسونغ» الكورية الجنوبية، بشكلٍ كبير. صحيح أن مركز الجاذبية في هذه الصناعة انزاح من الغرب إلى آسيا، لكن، بطبيعة الحال، بقي في حضن المعسكر الغربي. وتوزّعت الأدوار وسلسلة التوريد والإنتاج بين أوروبا وأميركا وكوريا الجنوبية وتايوان.

إنتاج الرقاقات الإلكترونية مهمّة قد تكون تعجيزية. وهي تتطلّب التوفيق بين آلاف الأمور التي يجب أن تكون مصنوعة بأفضل شكلٍ ممكن كي يخرج منتج يعمل بكفاءة. ولتوصيف الدقّة التي تحتاجها هذه الصناعة، يقول تقرير صادر عن البيت الأبيض: «إن سلسلة أشباه الموصلات (Semiconductors) تبدأ عبر استخدام مادة «بولي سيليكون» عالية النقاء غالباً ما يشار إليها بـ(أحدَ عشرَ تسعةً) (Eleven Nines) أي درجة النقاء يجب أن تكون 99.99999999999%، وهي تعادل وجود حبّة رمل واحدة داخل 16 حوض سباحة بحجم أولمبي. لهذا يتوجب على المصانع أن تكون أنظف من غرف العمليات الجراحية، ومن دون وجود غبار. ثم هناك المعادن النادرة والخبرات والمعرفة المراكمة عبر عقود وبرامج رسم خرائط الشرائح والمعدات التي تنتجها.

عملياً من الصعب على دولة واحدة أن تكون الأفضل في كل تلك المجالات. لذا نجد أن الشرائح الإلكترونية تتم هندستها في الولايات المتحدة الأميركية، وتنتج في تايوان أو كوريا الجنوبية عبر معادن تستخرج من أستراليا ومعدات تصنعها شركة «ASML» الهولندية.

وفقاً لنموذج العمل هذا، تنقسم هذه الصناعة إلى قسمين رئيسيّين: الشركات التي تخلق تصميم الشريحة وبرمجتها وتسمى تلك الشركات بـ«Fabless». وعلى المقلب الآخر الشركات التي تأخذ التصاميم وتنتجها داخل مصانعها.

وبحسب موقع «ستاتيستا» فإن ترتيب شركات الـ«Fabless» حسب المردود المالي لعام 2020 جاء على النحو الآتي:

- شركة «كوالكم» الأميركية في المرتبة الأولى، بمردود بلغ 19.4 مليار دولار.

- شركة «برودكوم» الأميركية في المرتبة الثانية بمردود بلغ 17.7 مليار دولار.

- شركة «انفيديا» الأميركية في المرتبة الثالثة بمردود بلغ 15.4 مليار دولار.

أما بالنسبة لشركات تصنيع الشرائح الإلكترونية، والتي تسمى «Foundries»، فقد أتى ترتيبها في الربع الثالث من عام 2021 حسب موقع «ستاتيستا» كالآتي:

- شركة «TSMC» التايوانية في المرتبة الأولى، وبلغت نسبة حصتها من مجمل سوق صناعة أشباه الموصلات عالمياً 53.1%.

- شركة «سامسونغ» الكورية الجنوبية في المرتبة الثانية، وبحصّة بلغت 17.1%.

- شركة «UMC» التايوانية في المرتبة الثالثة، وبحصّة بلغت 7.3%.

- شركة «SMIC» الصينية في المرتبة الرابعة، وبحصّة بلغت 5%.

عملياً، تسيطر آسيا على 82.5% من مجمل عمليات تصنيع الشرائح الإلكترونية العالمية.

احتكار التكنولوجيا

من خلال مبادرة صنع في الصين 2025 والمبادئ التوجيهية لتعزيز تطوير صناعة الدوائر الإلكترونية بشكل كامل على الأراضي الصينية (التصميم، الهندسة، المواد الأولية، الإنتاج، الفحص والتوضيب)، على مدى السنوات الست الماضية، عزّزت الصين جهودها لتسريع تطوير صناعة أشباه الموصلات المحلية، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وترسيخ مكانتها كشركة عالمية رائدة في مجال التكنولوجيا. لكنها صناعة تتطلب أن تكون الأفضل في مجالات عديدة. وهو أمر بالغ الصعوبة. تستطيع الصين أن تصنع أشباه موصلات بحجم 24 نانومتراً و14 نانومتراً. في هذا المجال هي لاعب رئيسي. لكن المشكلة تبدأ كلّما صغر حجم تلك الدوائر الكهربائية من قياس 10 نانومترات و7 و5 نانومترات. هنا، شروط اللعبة تتغير، والخبرات والمعدات اللازمة هي على مستوى آخر من الكفاءة. ففي مقال نشرته «فوربس»، تبيّن إن تايوان تصنع 92% من كل الشرائح الإلكترونية التي يبلغ حجمها 10 نانومترات وما دون! أي أنّه عندما تريد شركة هواتف ذكية أن تضع شرائح إلكترونية في هاتفها، ستذهب إلى «TSMC» التايوانية بدلاً من الصين. حتى الصين نفسها، استوردت شرائح إلكترونية في السنة الماضية بنحو 432 مليار دولار بحسب صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست».

553 مليار دولار

هو حجم مبيعات أشباه الموصلات في العالم عام 2021 ما يمثل نمواً بنسبة 25.6% عن إيرادات القطاع عام 2020، ورغم أن الآلهة ليست من تقوم بصنع رقائق السيليكون الدقيقة، بل البشر، ورغم أن تايوان راكمت خبرات بالغة الأهمية في هذا المجال على مرّ عقود من الزمن، إلا أنه هناك تأثير خفي يمنع الصين من التطوّر في هذا المجال: الولايات المتحدة الأميركية. الدخول إلى عالم صناعة أشباه الموصلات البالغة الصغر، يحتاج إلى جهاز فائق التطور اسمه (EUV lithography Machine).

وهناك شركة واحدة على هذا الكوكب تعلّم كيف تصنعه بشكل ينتج شرائح إلكترونية بالغة الدقة والتعقيد، وهي شركة «ASML» الهولندية. وعندما حاولت شركة «SMIC» الصينية التي تُعنى بإنتاج الرقاقات الإلكترونية، شراء جهاز «EUV Lithography Machine» من «ASML»، مُنعت الأخيرة من ذلك بموجب عقوبات أميركية. كما وضعت الولايات المتحدة «SMIC» على لائحة عقوبات، مانعة الشركات العالمية من شراء الشرائح التي تنتجها (قياس 14 نانومتراً وما فوق). وبحسب خبراء في هذا المجال، انتقل الطلب من «SMIC» إلى «TSMC» التايوانية. ويقال أن هذا هو السبب الحقيقي خلف النقص الهائل عالمياً في الشرائح الإلكترونية.

من هنا يصبح واضحاً لم قررت إدارة الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترامب، تشديد ضوابط تصدير أشباه الموصلات تجاه الكيانات الصينية. وكيف أن شركة «هواوي» التي أرعبت «سامسونغ» و«آبل» ذات يوم، تم إبعادها عن السّاحة. أولاً من ناحية تشويه صورة تكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات اللاسلكية «5G» الخاصة بها، ومنع الدول من الحصول عليها. وثانياً عبر منعها من استيراد الشرائح الإلكترونية الدقيقة وبالتالي المنافسة في عالم الهواتف الذكية.

عزّزت الصين جهودها لتسريع تطوير صناعة أشباه الموصلات المحلية، وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، التحريم لم يتوقّف عند ترامب، إذ عمدت الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس جو بايدن، وبعد التوصل إلى اتفاقية «أوكوس» (اتفاقية أمنية ثلاثية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة لتمكين أستراليا عسكرياً في مواجهة الصين)، تم عقد لقاء رباعي ضم الولايات المتحدة واليابان واستراليا والهند. وبحسب تقرير صادر عن صحيفة «فورين بوليسي» آخر العام الماضي، فإنه يُراد من القمّة، بالإضافة إلى التوصّل لحلول مثل ديبلوماسية اللّقاحات وسلاسل التوريد المرنة، التعاون في مجال التكنولوجيا، وهو أمر أصبح متشابكاً بشكل متزايد مع الجغرافيا السياسية. وتتراوح المجالات قيد المناقشة من «أشباه الموصلات» والاتصالات السلكية واللاسلكية إلى أمن الفضاء وإدارة التكنولوجيا.

مخرجات اللّقاء الرباعي بدأت بالفعل، إذ وافق مجلس الوزراء الهندي في مطلع السنة الجارية، على البرنامج الشامل لتطوير أشباه الموصلات المستدامة بكلفة تبلغ نحو 10 مليار دولار أميركي. ويُريد البرنامج خلق حقبة جديدة في عالم تصنيع الإلكترونيات من خلال توفير حزمة حوافز تنافسية عالميّة للشركات العاملة في مجال أشباه الموصلات من تصنيع وتصميم. وهذا سيمهّد الطريق للريادة التكنولوجية للهند في هذه المجالات ذات الأهمية الاستراتيجيّة والاعتماد الاقتصادي على الذات بحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية. عملياً، تريد الولايات المتحدة تعويض النقص الحاصل اليوم عبر تعزيز دور الهند في هذا المجال، والإمعان في حرمان الصين من دخول هذا العالم.

عين «إنتل» على أمجاد الماضي

رغم أن صناعة الشرائح الإلكترونية بات مقرّها في آسيا، وهو أمر لا يُثير امتعاض واشنطن طالما أن الصين خارج اللعبة، إلا أنه يبقى حلّاً آنياً لمشكلة تراجع حصّة الصّانع الأميركي من نسبة عمليات تصنيع رقاقات السيليكون، وهو أمر لا ترضى الولايات المتحدة له أن يستمر على هذا المنوال. وفي هذا السياق، أعربت «إنتل» عن نيّتها استثمار نحو 100 مليار دولار لبناء أكبر مجمّع لصنع الرقائق في العالم في ولاية أوهايو، انطلاقاً من النقص الحالي الحاصل في هذا القطاع والطلب الكبير عليه. وقال غيلسنغر إن استثماراً أولياً قيمته 20 مليار دولار، على موقع بمساحة 1000 دونم في نيو ألباني، سيولّد 3000 وظيفة. وقال لـ«رويترز» إن ذلك يمكن أن يرتفع إلى 100 مليار دولار من خلال ثمانية مصانع تصنيع إجمالاً وهو أكبر استثمار في تاريخ ولاية أوهايو. وقال إنه يطلق عليها اسم «قلب السيليكون»، ويمكن أن تصبح «أكبر موقع لتصنيع أشباه الموصلات على هذا الكوكب». في حين توقع استمرار نقص الرقائق حتى نهاية عام 2023. ومن المتوقّع أن يبدأ إنشاء أول مصنعَين في أواخر عام 2022 والإنتاج في عام 2025.

تُعد هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية الرئيس التنفيذي، بات غيلسنغر، لاستعادة هيمنة «إنتل» في صناعة الرقائق وتقليل اعتماد أميركا على مراكز التصنيع الآسيوية التي لها سيطرة قوية على السوق، علماً بأن إدارة جو بايدن، تبذل جهداً لإقناع الكونغرس بالموافقة على 52 مليار دولار في تمويل الدعم لهذا القطاع.

اضف تعليق