ماذا يخفي لنا المستقبل؟ لا أحد يعلم فهو رهين بعوامل عدة، اقتصادية اجتماعية سياسية يبقى المستقبل رهين دروس الماضي ونوايا الأيام المقبلة التي تكتنزها الصدور وتخطها الأيادي يقال إننا نحن من نصنع المستقبل، والدليل أننا الانتقال من العصر الحجري لزمن الهاتف الذكي وندخل عصر الذكاء الاصطناعي بفضل الثورات الصناعية، تلعب الذاكرة دوراً هاماً في بناء المستقبل، وتقدم الدروس على طبق متوازن كلما احتجنا لتغذية عقولنا بالأخطاء السابقة كيلا تتكرر، تمنح المؤشرات اللازمة لما يمكن أن يتحقق في المستقبل القريب أو البعيد وما لا يمكن أن يتحقق وتمنح فرصة لإعادة ترتيب الأوراق ولتصحيح المسارات، بما أننا لم نخترع بعد آلة للزمن ترجعنا للماضي لنتمكن من محو غلطاتنا بالكامل.

المرحلة الأولى الممتدة من 1960 إلى 2010، ارتكزت على برمجة يدوية بسيطة ومعادلات أو لوغاريتمات أولية، والمرحلة الثانية بدأت سنة 2012، وتجسدت في ظهور وتطور Deep Learning. ، في المرحلة الثالثة ستظهر ابتداءً من سنة 2030، وسيكون خلالها الذكاء الاصطناعي سياقياً قادراً على فهم الظروف والتأقلم معها، ستصبح لديه ذاكرة، اما المرحلة الرابعة والأخيرة ستبدأ انطلاقاً من سنة 2050، وسيكون خلالها الذكاء الاصطناعي قد طور ضميراً اصطناعياً وسيصبح قادراً على الإحساس بنفسه واستشعار كل ما حوله، الأمر الذي سيطرح إشكالية الأمن بالنسبة للإنسان.

علينا أن نكون واعين بأن إشكاليات الغد مختلفة عن إشكاليات اليوم، وبأن تظافر الجهود يجب أن يأخذ منحاً إيجابياً لأن الحضارة الجديدة ستكون قائمة على الذكاء الاصطناعي شئنا ذلك أم أبينا وبالأخير فإن التخطيط لكل هذه المتغيرات يبدأ من الآن إن نحن أردنا بناء مستقبل أفضل، ولكيلا ينقلب السحر على الساحر.

من الإدراك إلى تهديد البشر

قام "جون مكارثي" (John McCarthy) ( سبتمبر 1927 - 23 أكتوبر 2011)، الملقب بأبي الذكاء الاصطناعي، بصك هذا المصطلح في عام 1956 ووفقًا له، فإن "الذكاء الاصطناعي" هو "علم هندسة إنشاء آلات ذكية، وبصورة خاصة برامج الكمبيوتر"، فهو علم إنشاء أجهزة وبرامج كمبيوتر قادرة على التفكير بنفس الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري، تتعلم مثلما نتعلم، وتقرر كما نقرر، وتتصرف كما نتصرف.

وبهذا المعنى، فإن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الكمبيوتر، فهي محاولة لتقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذ قراراتهم، وتتم من خلال دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم، ووضعهم في مواقف معينة، ومراقبة رد فعلهم ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع هذه المواقف، ومن ثم محاولة محاكاة طريقة التفكير البشرية عبر أنظمة كمبيوتر، تنتهي بإنشاء آلة بقدرات عقلية بشرية قادرة على الفهم والتمييز والتصرف واتخاذ القرارات.

مخاوف من أن يصير البشر أكثر غباءً!

تُبَشِّر القفزات التي يشهدها العالم في مجال الذكاء الاصطناعي بواقع مستقبلي أكثر تطوراً على كثير من الأصعدة والمستويات، لكن البعض بدأ يتساءل مؤخرا: هل باعتمادنا المتزايد يوماً بعد الآخر على تقنيات الذكاء الاصطناعي قد نصير أكثر غباءً ؟

وفي مؤتمر دولي اقيم عن الذكاء الاصطناعي، وتطرق الحاضرون ضمن فعالياته لهذا السؤال، وحاولوا استكشاف التأثيرات التي قد يحظي بها الذكاء الاصطناعي على أدمغتنا، وربما جاءت النتائج النهائية لبعض الباحثين مثيرة للذعر، فنوه الحضور لآخر كتب البروفيسور ستيفن هوكينغ والذي أكد فيه أن تطوير ذكاء اصطناعي حقيقي قد يكون الإنجاز الأكبر للبشرية وقد يكون آخرها، لكنه أبدا تخوفه من أن يطور العلماء يوماً ما ذكاءً اصطناعياً يدمر البشرية من فرط مستوى ذكائه، وأكد من جانبه الطبيب البريطاني المعروف، د.مايكل موسلي، أنه ورغم اتفاقه مع مخاوف هوكينغ، لكنه يرى أن التهديد الأكثر إلحاحاً يأتي من الاعتماد على الآلات، بدلاً من أنفسنا، فيما يتعلق بالتفكير لنا فيما يتعلق بأمورنا وشؤونا الحياتية البسيطة.

وأضاف دكتور موسلي أن ظهور الآلات وتطورها بدأ يزداد يوماً بعد الآخر، ما أدى لتقليل الجهد البدني الذي نبذله، فعلى سبيل المثال تنقلنا السيارات والمصاعد من مكان لآخر من دون أن نضطر مطلقاً لاستخدام أقدامنا وننجز العمل جالسين على مكاتب، وهو ما يساهم بالتبعية في زيادة معدلات السمنة، السكري وأمراض أخرى مزمنة، وعبَّر موسلي كذلك عن تخوفه من أن يؤدي انتشار آلات التفكير المتطورة خلال القرن الحالي إلى توقفنا عن استخدام قدراتنا الذهنية بنفس الطريقة التي نستخدمها اليوم، وهو ما قد يساعد على تسريع ظهور بعض أمراض الدماغ مثل العته والخرف، وختم موسلي بقوله إن الذكاء الاصطناعي سوف يحظى بتأثير استثنائي خلال السنوات المقبلة على حياة البشر، بدءً من السيارات ذاتية القيادة وانتهاءً بالجراحين الآليين، لكننا سنصير أغبياء إذا سمحنا لأنفسنا بالإفراط في الاعتماد عليه.

مجتمع عديم الفائدة

نظراً لأن الذكاء الاصطناعي سوف يزود الآلات والجمادات بالقدرة على إنجاز أعمال معينة اعتاد الإنسان على القيام بها بنفسه، يرى الكاتب "يوفال هراري" أن شريحة كاملة في المجتمع ستصبح عديمة الفائدة، وستفقد وظائفها ومهامها، ومن ثم سيكون ذلك محفزاً للإصابة بأمراض نفسية مختلفة، وفي كتابه المنشور تحت عنوان: "الموجز لتاريخ الغد" الذي يحاول فيه يوفال إلقاء الضوء على الطبقة المجتمعية "عديمة الفائدة" التي بدأ يخلقها التطور التكنولوجي المتسارع، والتي ستأخذ حيزاً أكبر في المجتمع كلّما ازدادت التكنولوجيا تطوراً وازداد اعتماد الإنسان عليها.

ويرى يوفال أن فكرة سيطرة الآلة على حياة الإنسان وتفوق التكنولوجيا عليه هي فكرة موجودة منذ عقود طويلة، إلا أنها لم تتحقق حتى اليوم بالمقابل يرى أن تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي هي التي ستحدث فارقاً نوعياً وتجعل التكنولوجيا تتفوق على الإنسان وتسيطر على تفاصيل حياته الاجتماعية وفي هذا السياق يتوقع الكاتب أن يفقد كثير من البشر وظائفهم، إلى جانب توجه الناس عامة لفقدان الهدف والرؤيا.

ويروّج الكاتب من خلال طرحه لفكرة خلق القوة التكنولوجية، إلى أن الإنسان قادر على صناعة تكنولوجيا تفوقه قوة وتفقده السيطرة عليها بعد حين من الزمن، وهو من مؤيدي القول أن للتكنولوجيا قوة "مدمرة" ستضر بحياة البشر وبالكرة الأرضية، كما يرى أن هذه القوة المدمرة قد بدأت تنشط بالمجتمع، وفي مقابلة له مع صحيفة "الغارديان" البريطانية، يقول يوفال إن الجيل الصاعد هو الذي سيواجه عواقب ما يطوره الإنسان اليوم من الذكاء الاصطناعي، وأن لا ضمانات على قدرة الإنسان على السيطرة على التكنولوجيا.

ويضيف في هذا السياق أن ما يدرسه الطلاب في المدارس اليوم لن يكون له فائدة عندما يبلغون من العمر 40 أو 50 عاماً وهنا أكد أن الإنسان المعني بأن يكون له فائدة عندما يكبر عليه أن يفكر باستمرار بمواكبة التطور السريع، فالوظائف ستختفي بشكل أسرع وتظهر الحاجة إلى خبراء في مجالات جديدة، وعليه من يريد أن يحافظ على فهمه للعالم يجب أن يجدد نفسه باستمرار وبسرعة.

........................................................................................................................
المصادر
- عربي بوست.
- هسبريس
- الخليج أون لاين
- ايلاف

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

15