صحوت من النوم ذات مساء كئيب، وما اصحاني هو صوت اشعارات الهاتف النقال الذي استقبل ما يقرب من المئة إشعار، ظننت قبل ان افتح الهاتف ان حدثا عالميا حصل وأنا غارق في النوم، فقد يكون حصل انحراف في مجرى الكواكب السيارة، او حدوث ظاهرة كونية لم يسبق وان حصلت من قبل، وأشغلت العالم وجعلت من نفسها موضوع اهتمامه الوحيد.

فتحت الهاتف وقد اجتاحني شعور الخوف والترقب لما حل بالكرة الأرضية، فوجدت ان الإشعارات تتعلق بردود الأصدقاء حول موضوع طرح للنقاش على موقع الفيس بوك يتعلق بالأحداث الجارية.

قرأت اغلب التعليقات وتمعنت النظر بها كثيرا فوجدت بعضها خال من لياقة الحوار الناجح، بينما لاحظت كثيرا منها تحمل رؤية وفكرة تعبر عن مدى ثقافة من ادلى بها، متناولة موضوع النقاش من جميع جوانبه، ولم تخرج عن الإطار العام للفكرة الرئيسة.

عند التصفح في مواقع التواصل الاجتماعي يعترضك الكثير من الأفكار، وتطلع على العديد من الحوارات والمناقشات في شتى الموضوعات، لكن هذه الحوارات ومع سخونة موضوعاتها تنتهي الى اللاشيء، ولأسباب كثيرة، فقد يحصل بين المتحاورين سجالات طويلة عريضة، وتبرز الى السطح رغبة إثبات الوجود، فالكل هنا يدعي الثقافة، وهو فقط من لديه الألمام بالموضوع ولا يحق لاحد ان يعطي رأيه.

بينما من الممكن ان تتحول هذه النقاشات الى جلسات مثمرة ينبثق عنها الأفكار الجميلة التي تخدم المجتمع، وتعطي رؤى حول قضايا تتسم بالحساسية والشائكة، بعيدا عن استخدام أساليب العنف، واللجوء الى الحوار الهادئ الذي يتبع ادبيات النقاش النافع.

قد يطرح بعض القراء بعض التساؤلات، مثلا لماذا يذهب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الى الجدل العقيم؟، وفي ذات الوقت يبتعدون كثيرا عن الموضوعات المفيدة للبشرية بصورة عامة، أسئلة بحاجة الى اجابات مقنعة، لكن هذا لا يمنعنا من إيضاح ما يدور بمخيلتنا ازاء ذلك، فمن الممكن ان يكون نوع الحوار بهذه الصورة نتيجة لتدني ثقافة الكثير من الاشخاص المستخدمين، وبالتالي يصبح الحوار يفتقد للفائدة، ويصبح المعنى متكرر ولكن بجمل مختلفة عما تم ذكرها في محافل او مناسبات اخرى.

ليس فقط الواقع الافتراضي من يعاني من هذه المشكلة، فهي بالأساس كانت متواجدة وبقوة في الواقع الحقيقي، وانتقلت بعد ذلك الى الواقع الجديد نتيجة لتحول النقاشات للمواقع التي فرضت نمط حياتي جديد على الأفراد، اذ حتمت عليهم عقد الاجتماعات او إقامة النشاطات عبر الشبكات الاجتماعية.

فمن المفترض ان لا تصيبنا الدهشة عندما نلاحظ نهاية مطاف الحوارات المكثفة، فهي وليدة الواقع المشوش وغير المنتظم، بل من الممكن ان يتخلى الفرد عن بعض أخلاقياته خلال التحاور على مواقع التواصل الاجتماعي، فهو يشعر انه يتمتع بحرية اكبر من الواقع الحقيقي، ويعمد الى إعطاء رأيه بصورة مغايرة او بصراحة غير معهودة.

وهذه الفسحة التي وفرتها مواقع التواصل الاجتماعي، وسمت اغلب النقاشات الدائرة على المنصات الاجتماعية بانها غير مجدية ولا يمكن وضعها الى جانب النشاطات التي تتميز بمخرجات واضحة المعالم يمكن الرجوع اليها فيما بعد للاستفادة منها وقد تكون المادة الخام للكثير من التقارير او المواد الاعلامية الأخرى.

اذا لماذا سمح المستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي وتحديدا المشاركون في الحوارات المتنوعة، ان تلصق بهم هذه النظرة السلبية؟، أليس من الأجدر ان تكون النظرة مختلفة تماما، لاسيما وأنهم يستخدمون وسيلة حضارية، بمعنى انهم يحملون قدرا معينا من الثقافة، يختلفون عن العامة الذين يعتبرون الطفرة التكنولوجية ومن ثم ولادة مواقع التواصل الاجتماعي، عوامل أساسية لهدم المنظومة المجتمعية القائمة، وعلى وجه الخصوص في المجتمعات المحافظة.

الكلام الذي ترافقه العصبية والتوتر يترك بالنفس بعض الآثار النفسية السلبية في اغلب الأحيان، في المقابل فان الكلام الممزوج بالمودة والمحبة يزرع بالنفس بذرة الراحة والشعور بالطمأنينة، فضلا عن كونه يكون سببا رئيسا لديمومة الحوارات والنقاشات الجادة والمفيدة.

ومن آثار الحوارات غير المعمقة والتي لا تخلص الى نهايات واضحة المعالم هو التأثير على بعض الأفراد الذين يتخذون من اي فكرة او كلام منمق على مواقع التواصل الاجتماعي، على انه اشبه بالحديث المقدس الذي لا يمكن التشكيك فيه او الرد عليه، ويتولد ذلك لديهم نتيجة انخفاض منسوب الثقافة الفردية، وعدم الاهتمام بالثقافة العامة التي تصبح كالدرع الحصين الذي يقي الفرد من سهام الأفكار المضللة.

لا يخلو المجتمع من شريحة واسعة من المثقفين القادرين على التأثير بالرأي العام، فلابد من الولوج الى العالم الافتراضي، وتقديم برامج وافكار معينة تعمل بدورها على تنمية الثقافة الفردية، وتطرد الأفكار والثقافات المنحرفة التي تسعى وبأي شكل من الأشكال الى تضليل بعض الأفراد وجعلهم جمهور غير مميز بين الجيد من الرديء.

ليس على الفرد التزام قانوني او اخلاقي للانضمام الى فريق محدد من طرفي الحوار وإعطاء رأيه في الموضوع المطروح للنقاش، لكن عليه ان يكون محايدا فكريا، ولا يذهب في أطروحته الى حيث لا يرغب بالرأي، الحديث المكتوب كما المُقال أمانة لا يمكن التفريط بها لأي سبب كان.

انقر لاضافة تعليق
مسلم عباس
العراق
مقال رائع كما عهدناكم شبكة النبأ المعلوماتية

شكرا للكاتب المميز مصطفى ملا هذال2020-04-26

مواضيع ذات صلة

3