السيد الشيرازي كان مشروع نهضة أمة، وإخراجها من الجهل والمرض والفقر والاستبداد والعنف. ونفض ركام التخلف والجمود، وتحقيق الأمة الواحدة والثقافة النهضوية الشاملة، وكان يرى ان البداية عبر بناء شخصية الفرد المتوازنة، فالإنسان هو محور الامة تقدما او تخلفا، لذلك ركز على عناصر المشروع التربوي الأساسية وهي العقائد والأخلاق...

تمر علينا الذكرى السنوية لرحيل المرجع الديني الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي والأمة تواجه تحديات هائلة، ومنها تحدٍ تربوي عاصف حيث الإنسان في عالم اليوم في حالة من اجتثاث لجذور انسانيته، تتسبب باغتراب الهوية، وعدم وجود انتماء بسبب هذه الفوضى التكنولوجية التي تمر على أبنائنا.

حيث تكنولوجيات شبكات التواصل الاجتماعي والتلفزيون والانترنت، أدت إلى تفكيك كل القيم الوثيقة التي كانت تعيشها الأمة، قيم الصدق والصلاح والاستقامة، فاليوم الإنسان أصبح بلا قيم في عالم التكنولوجيا، وهذا يعني أن التربية خرجت من إطارها الصحيح والسليم.

فاليوم بمجرد أن يفتح الطفل عينيه تتغلغل فيه هذه التكنولوجيات من خلال الهاتف الذكي وألعاب الفيديو والشبكات الاجتماعية، حيث هذه التطبيقات أصبحت تغذي فكر الطفل منذ صغره بالمعلومات.

انسياق الطفل في ذلك الأثير أدى إلى تبعثر شخصية الإنسان وتشظيها وانهيارها وانعدام وجود أخلاق إنسانية وروح معنوية تساعد هذا الإنسان على أن يعيش حياة سليمة وصحية.

السيد الشيرازي كان مشروع أمة كبير جدا، وكان نهضة أمة، وإخراج هذه الأمة من الجهل والمرض والفقر والاستبداد والعنف. كان هدفه نهضة الأمة من خلال نفض ركام التخلف والجمود، وتحقيق الأمة الواحدة والثقافة النهضوية الشاملة، وكان يرى ان البداية عبر بناء شخصية الفرد المتوازنة، فالإنسان هو محور الامة تقدما او تخلفا، لذلك ركز على عناصر المشروع التربوي الأساسية وهي العقائد والأخلاق والاعتدال والتفكير والعلم والثقافة والعمل والعطاء والمؤسسات ومختلف العناصر التي تشكل شخصية الانسان وتحقق انتمائه وتبرز هويته وحضوره الايجابي في الحياة.

فالتربية العنصر الاساسي في عملية بناء الشخصية ونهضة الأمة واستقرار المجتمع واستدامة التقدم، وكل مجتمع نراه فيه التخلف هو نتيجة لسوء مناهج التربية وسوء المدخلات التربوية والتعليمية. فالنهضة تبدأ بتربية الفرد وبناء الشخصية المتوازنة المعتدلة، فالإنسان هو المحور في تقدم الأمة، لذلك ركّز الامام الشيرازي على بناء المشروع التربوي منذ البدء، ومثال على ذلك مدارس حفّاظ وحافظات القرآن الكريم، التي كانت البذرة الأولى لبناء مشروع الإنسان ومشروع الأمة. حيث يتعلم الإنسان العقائد والأخلاق والاعتدال والتفكير السليم، والعلم والثقافة، والعطاء في داخل إطار مؤسساتي، هذه القنوات المؤسساتية تجمع الأفراد وتربيهم تربية صالحة سليمة.

أزمة التربية في مجتمعاتنا

الإنسان تتحقق هويته ويشعر بالانتماء للأمة من خلال التربية العقائدية والأخلاقية المستمرة، وما نلاحظه اليوم هو فقدان المدخلات التربوية والتعليمية الصالحة، حيث أدى ذلك الى ظهور أجيال وهي تفتقد لروح المسؤولية والاحترام والنظام.

فالتربية أصبحت تربية عشوائية، أو اللاتربية، حيث لا يوجد لدينا مشروع تربوي، أو الاهمال، حيث أصبحت مسؤولية العائلة أو مسؤولية الأب هو تلبية الحاجات المادية للإنسان، فلا يوجد هناك تغذية فاعلة للحاجات المعنوية أو الثقافية أو الدينية أو العقائدية.

التربية العشوائية لا تنظر للإنسان كشخصية له حاجات نفسية وفكرية وثقافية وعاطفية تحتاج إلى تغذية سليمة ومنهجية وايجابية. ولذلك كثير من الأحيان إن لم نقل مطلقا ينشأ هذا الشخص العشوائي الناتج من التربية العشوائية شخصاً مشوهاً نفسياً يملأه فراغ روحي وعاطفي وثقافي، بالتالي يكون شخصاً مهزوزاً، فالأمة المشوهة هي نتاج الفرد المشوه، والعكس كذلك.

فالإنسان بطبيعته يتكون من أبعاد متعددة، النفسي والروحي والفكري والثقافي، وليس البعد المادي فحسب، فالإنسان عندما يتغذى من بعد واحد فإنه سوف يختلّ، وتصبح شخصيته ضعيفة. فالفرد الذي لا يتغذى تغذية تربوية صحيحة يصبح سببا في تشوه وتخلف هذه الأمة.

الإمام الشيرازي يرى أن: (الاجتماع يربي الأفراد تربية عامة، حسب اتجاه الاجتماع، محارباً أو مسالماً عالماً أو عاطلاً، كريماً أو بخيلاً، جباناً أو شجاعاً).

فالمنهج التربوي أو اللاتربوي يخلق قيم الإنسان وثباته في داخل المجتمع، وصفات الإنسان هذه تبيّن هيكل الأمة، أو هيكل المجتمع، ويضيف ان: (التربية لها أثر فعال في تلوين المجتمع، بأحد الألوان النفسية أو الاجتماعية)، مثلاً نرى أن هناك مجتمع يكثُر فيه النفاق أو الكذب، هذا اللون سببه التربية التي يتلقاها الأفراد في المجتمع، والتي تكون قائمة على الخوف، على العنف، على كل شيء يربك الشخصية فتنشأ مهزوزة.

ويشير الى ان بعض الأمم يُربون الفرد على التعقل والتأني وبعضهم يربون على الإقدام والاندفاع، والبعض يربي على العاطفة وعلى التنشئة العاطفية فقط دون وجود تربية فكرية وعقلانية وأخلاقية، وبعض المجتمعات فقط تُربي على التغذية المادية دون وجود أي تغذية روحية أو عاطفية أو فكرية وثقافية.

دون وجود تربية تحقق التوازن بين العقلانية والعاطفية الحماسية، حيث التوازن يؤدي الى بناء شخصية سليمة معتدلة، هذا التوازن يصبح مفقودا عندما لا توجد تربية روحية أخلاقية أو عاطفية أو فكرية أو ثقافية، خصوصا في مجتمع معولم تتمحض فيه المادية، ويتغذى على نمط الاستهلاك المفرط، وهيمنة الأسلوب المادي في الحياة، فشبكات التواصل الاجتماعي تركز على تربية الإنسان على (الستايل) المادي، دون وجود أي محتوى داخلي فيصبح الإنسان مجرد شكل لا غير. وفي الغرب ظهرت تسمية خاصة لهذا الإنسان وهو (الزومبي)، وهو يعني مجرد إنسان آلي مادي بشكل خارجي مفرغ من الداخل مسيّر دون وعي وانتباه.

التربية بين الفلاح والاخفاق

لماذا تفشل التربية ولماذا لا تنجح مع كل التقدم العلمي الذي أحرزته البشرية، والجواب على هذا التساؤل يكمن في أن الثقافة المعاصرة تؤكد على النجاحات التكتيكية السريعة دون وجود استدامة حقيقية في استقامة هذه النجاحات. حيث أصبحت النجاحات اليوم مقطعية، وانتهازية، حيث يلهث الإنسان نحو تحقيق النجاح السريع دون أن ينظر إلى العواقب، بينما الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة تؤكد على النتائج والعواقب.

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) المؤمنون1/5. (فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) القصص67.

فالانسان لايستطيع ان يحصد نجاحاته ان لم يعتمد على ما تحققه اعماله من نتائج بعيدة المدى، فعن الإمام علي (عليه السلام): (من تأدب بآداب الله عز وجل أداه إلى الفلاح الدائم).

فالتربية الصالحة هي المستدامة التي تنظر فلاح الفرد في المستقبل وليس الى النجاحات الحاضرة، فماهي عناصر فلاح التربية وأسباب اخفاقاتها؟

اولا- الوعي بالتربية

من أهم عناصر التربية الناجحة أو التي فيها فلاح، أو التربية المستدامة هو الوعي بمفهوم التربية، أي ان يكون هناك منهج في التربية، حيث تدرك الأمة والمجتمع والآباء والأمهات ضرورة وجود مخطّط سليم صحيح للتربية من البدء الى المنتهى.

وهذا الوعي بالمخطط عبر عنه الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن بقوله: (وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ)، بادرتك يعني وضعت خطة لبناء الفرد (قبل أن يقسو قلبك) قبل أن تؤثر المغذيات الخارجية في تشكيل شخصيتك مثل الأصدقاء أو المدرسة وشبكات التواصل الاجتماعي في الوقت الحاضر. وأن يضع الأب والأم خطة لتربية الأبناء فإن ذلك يعني تحصين قلبه بالصالحات والأفكار الجيدة، ومصدا امام الأفكار السامة.

نحن نتوقع من أبنائنا دائما السرعة في الاستجابة لأوامرنا، بعضهم يفعل ذلك بالضرب لكن الضرب ليس تأديبا وتربية، وإنما التربية هي عملية بطيئة تعتمد على تغذية سليمة مستمرة مليئة بالأخلاقيات الصالحة والأفكار الجيدة والاسوة الحسنة وليس بالضرب والتعنيف.

حيث يرى الامام الشيرازي: (فإن ظهور الشخصية ـ حسب التأديب ـ وإن كان بطيئاً، إلاّ أنه نواة لابد وأن يظهر ثمرها ولو بعد حين، ولا فرق في ذلك بين تأديب الإنسان نفسه، أو أولاده، أو أقرباءه، أو من يتمكن عليه من أفراد مجتمعه). وينقل هذه الرواية عن الامام علي (عليه السلام): "أيها الناس تولوا من أنفسكم تأديبها، وأعدلوا بها عن ضراوة عادتها".

وهذا بحث أخلاقي يؤكد بأن النفس هي غرائزية وهي جامحة دائما، لذلك على الإنسان أن يطوعها ويروضها من خلال التأديب السليم. 

ويرى الامام الشيرازي ان هناك أمران مهمان في التربية:

(الأول: جعل (الأطفال) صالحين، ليتمكن من الكفاح في حياة كثيرة الالتواءات والانعطافات فمن لا يعرف سبل مثل هذه الحياة سيسقط عاجلا أو آجلا).

 فمن مسؤولية الابوين أن ينشأ هذا الطفل قوي الشخصية في مقابل الضغوط والتحديات لا يهرب في أول تحدي واول ضغوط يواجهها، ونلاحظ اليوم أن كثير من الشباب الذين يواجهون التحديات والانعطافات في حياتهم يهربون من هذه التحديات أو يسقطون اختبار هذه التحديات. 

ان الابتلاءات والامتحانات هي لصقل الانسان وبناء شخصيته، فالذي لا يواجه التحديات ولا يواجه الضغوط، هذا الانسان لا يستطيع أن يصقل شخصيته وتكون شخصيته غير منكشفة وغير ممتحنة بعملية الضغوط التي تواجهه في حياته. 

فعلى الأب أن يهيئ ابنه حتى يكون قوي الشخصية، ولا يكون ضعيفا أو مهزوزا، ويكون معرضا للسقوط بسرعة، فالأطفال الذي ينجحون في الامتحانات لابد أنهم كان لديهم استعداد تربوي من قبل الأسرة في تأدية حاجات هذا الطفل، ومعنى ذلك كانت هناك خطة ووعي بالتربية، ومن ذلك الوعي بالفرق بين التربية والتعليم.

التربية هي الأساس أما التعليم فهو مكمّل للتربية، لذلك مهمة الأب أن يجعل الابن صالحا، وهذا هو المقصود من الوعي بالتربية.

ثانيا- التربية بالوعي

بمعنى أن الإنسان عندما يربي عليه أن يربيهم على الوعي والعلم والمعرفة بحيث يكونون جاهزين للمستقبل، وهو الامر الثاني الذي يذكره الإمام الشيرازي بقوله: (ان مسؤولية الوالدين تأهيل الابناء للحياة المستقبلية. فهل كل شخص عندما يربي أولاده، يربيهم على أن يكونوا جاهزين للمستقبل، بحيث يكونوا مستقلين في حياتهم، قادرين على العمل، على العطاء، على مواجهة الحياة المعاصرة. لا يكفي للأب أن يعطي لأولاده الطعام والملبس، بل لا بد أن يعمل على تربيته بكل العناصر اللازمة للمستقبل بحيث يكون جاهزا للمستقبل من حيث تربيته وتعليمه).

فلا يمكن للأب أن يحصر مسؤوليته تجاه أبنائه بالأكل والملبس، بل لابد أن يعطيهم الخبرة والتجربة ليكون قادرا على فهم الحياة، فإذا نجح هذا الابن فإن نجاحه تحقّق بسبب أبيه الذي بادره بالأدب والتعليم، وإذا فشل الابن فقد يكون السبب هو الأب الذي لم يعمل كثيرا على إنجاح حياة ابنه، بحيث يكون جاهزا للمستقبل.

وعن ذلك يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في رسالة الحقوق:

(وَأَمّا حَقّ الصّغِيرِ فَرَحْمَتُهُ وَتَثْقِيفُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ وَالسّتْرُ عَلَيْهِ وَالرّفْقُ بِهِ وَالْمَعُونَةُ لَهُ وَالسّتْرُ عَلَى جَرَائِرِ حَدَاثَتِهِ فَإِنّهُ سَبَبٌ لِلتّوْبَةِ وَالْمُدَارَاةُ لَهُ وَتَرْكُ مُمَاحَكَتِهِ فَإِنّ ذَلِكَ أَدْنَى لِرُشْدِهِ). وهذا منهج كامل في عملية رشد الفرد بالتربية والتنمية.

التربية على التفكير الإسلامي

وعن معنى التربية بالوعي يرى الإمام الشيرازي في كتابه (من أجل نهضة ثقافية إسلامية):

(للإسلام لون خاص من التفكير بالنسبة إلى الحياة والكون، والمبدأ والمعاد، والعائلة والاسرة، والقيم والمقاييس، والسلوك والأخلاق وغيرها، فاللازم إعادة هذا اللون من التفكير إلى الحياة. فمثلاً (العفو) و(احترام الإنسان) و(صلة الرحم) و(رحم الكبير على الصغير) و(توقير الصغير للكبير) و(حرية الإنسان في كل شؤونه) و(جزاء الإنسان بما عمل) هي من الأوليات الإسلامية، فاللازم تأطير التفكير بهذه الأطر الاسلامية، فإنه على أساس هذه الأطر الفكرية تتوقف كيفية العقيدة والسلوك والمعاملة).

ولكن التربية العشوائية بالمغذيات السيئة تعتمد اليوم على الاستيراد الثقافي المطلق حيث كل شيء لدينا مستورد، من المناهج التعليمية الى الملابس والطعام والإعلام والثقافة واللغة..

فيجب ان لا نتصور بأن الشيء الذي نلبسه اليوم من ماركات شهيرة وعلامات معينة لا يعبر عن قيمة ثقافية، بل هو نوع من الغزو الثقافي، حيث كل الأشياء تحمل في بواطنها دلائل ثقافية تتركز في لاوعي الإنسان وفي دواخله، فتصبح تدريجيا ثقافة وسلوكا دائما.

لذلك نلاحظ أن المجتمع اليوم اصبح متغرّبا، حيث يعيش التغرّب بمظهر إسلامي ولكن في باطنه بل وحتى في مظهره يعيش حالة من التغرب، بسبب المناهج والثقافات المهيمنة.

ولذلك يركز السيد الشيرازي الراحل على أهمية تغذية التفكير الإسلامي في مناهج التربية منذ الصغر، وأن تكون أفكارنا إسلامية، بالأهداف والقيم والسلوك والتعليم، حتى تصبح حياتنا حياة إسلامية حقيقية، وليست مستورَدة.

ولتأكيد ذلك يذكر الإمام الشيرازي هذه الآية القرآنية: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) البقرة138.

الصبغة هو اللون الذي يكتسبه الشيء ويصطبغ به، والفرق بين اللون والصبغة، ان اللون أساسي ثابت نراه في الطبيعة، أما اللون المكتسب فهو الذي نحصل عليه من تلوين الملابس والجدران والسيارات، كذلك الاكتساب التربوي والثقافي والاخلاقي هو تلوين مكتسب يسمى صبغة وهذا الاكتساب يشكل سلوكيات وشخصية الإنسان. فكل حياتنا وسلوكياتنا تتوقف على أفكارنا الموجودة في ذهننا، هل هي نابعة من اصالة ديننا ام هي مستوردة!

ثالثا- التربية بالحرية

يرى الامام الشيرازي: لو نظم المجتمع تنظيماً صحيحاً، بحيث يكون العلم والمال والحكم في متناول الجميع بما يستحقون، نمت الشخصية الاجتماعية نمواً صحيحاً، بالعكس من المجتمع المبني على الفوضى، حيث كل أحد يحاول أن يحفظ نفسه بالقدر المستطاع فلا مجال له للنمو، ومن المجتمع المبني على الديكتاتورية، حيث إن البناء الديكتاتوري يمنع عن النمو. 

فالدكتاتورية تقمع تحقق التربية الصالحة القائمة على بناء الإرادة الحرة واختبار الفضائل حيث تزرع الدكتاتورية آفات النفاق، كذلك تقمع الدكتاتورية قوة الشخصية عند الإنسان عندما تزرع الخوف فيه، لذلك نلاحظ أن الشخصية المنافقة المتلونة هي نتيجة للجو الدكتاتوري، سواء كان الجو الدكتاتوري داخل المجتمع أو داخل الأسرة، أو في أي مكان آخر، فالإنسان يحتاج إلى أن يكون حرَّا في التعبير عن نفسه وعن شخصيته حتى ينمو نموّا صحيحا.

ولذلك يرى الامام الشيرازي: (أن البذور مختلفة، فإذا وجدت المناخ المناسب نمت كل بذرة بما فطر لها، من الأشكال والألوان والطعوم وغير ذلك، كذلك أفراد الاجتماع بصفاتهم المختلفة).

ويرى كذلك أن: (استجابة الناس، أطفالاً أو كباراً، للألوان التي يراد إضفاؤها على النفس والسلوك، مما بالآخرة تعطي (الشخصية) مختلفة، وذلك لأن الأنفس فطرت متفاوتة، كما أن الشخصيات تتفاوت في قدر تقبل اللون الجديد، والمدة التي يحتاج إليها الشخص حتى يتهيأ للتقبل).

رابعا- التربية بالاعتدال والحزم لا بالعنف

معظم المشكلات ان لم يكن كلها تنشأ في الانسان بسبب الإفراط أو التفريط أو التشدد والإهمال، البعض يربي ابنه على التشدد والضغط عليه بقوة سواء كان تشددا دينيا أو علميا أو أخلاقيا.

 ومعنى التشدد هو ممارسة الضغط بقوة بدون أن يكون هناك عملية سلسة في قبول واقتناع الانسان بالأفكار والسلوكيات المفروضة من قبل الأبوين. دون محاولة تربيته بالحوار والاقناع وبيان فوائد العمل والنتائج الحاصلة حتى يحب أداء ذلك العمل من خلال اقتناعه. كأن يفرض عليه أنك لابد أن تحصل على المعدل العالي في الدراسة؛ لتدخل ذلك التخصص بالتحديد. وهذا النوع من التربية تؤدي إلى العيش بالقلق وعدم الاستقرار النفسي. وبعض الأحيان يتسبب التشدد بأن يعاني هذا الانسان من وسواس دائم في حياته، وهو مرض نفسي، يكون سببه أحياناً الضغط الشديد.

ويرى الإمام الشيرازي: (إن عدم استقامة العائلة عبارة عن عدم سلامة وأمن البيت الذي يُربى فيه الاولاد، إما بالكبت أو بالتنازع أو بالمزيد من العطف والعاطفة الزائدة والمتطرفة فإن كل ذلك يوجب عدم استقامة النفس مما ينتهي أخيرًا إلى الانحرافات الروحية والعقائدية والنفسية).

أما الاعتدال فيؤدي إلى بناء الشخصية المعتدلة، وعكس ذلك سوف يساعد على عدم استقامة النفس مما ينتهي بها أخيرا إلى الانحرافات الروحية، والعقائدية، والنفسية.

إن أغلب الانحرافات تنشأ نتيجة للتشدد والتزمت في التربية، او في الطرف المقابل الاهمال في التربية، أو الدلال الزائد.

ويرى الإمام الشيرازي أن: (الطفل الذي لم يتوجه إليه توجهاً كافياً من ناحية الأبوين، يكون في مستقبل عمره سيئ العمل، ويفرط في الخشونة مع أولاده ومع غيرهم، كأنه يريد بذلك ملء فراغه النفسي، حيث يحس بعدم الأمن وبالخطر المطارد له، بينما إذا توجه الأبوان إليه برعاية زائدة عن الحد، يصبح الولد مهزوز الشخصية، ومتزلزل الإرادة ولا يتمكن من الاستقامة في مستقبل أمره، وغالباً ما يكون مثل هذا الشخص عاطلاً، ولا يتمكن من التقدم، أما الأبوان المعتدلان في التربية بلا مسامحة، ولا إفراط، بدون عصبية وليونة، فهما يهيئان المناخ الملائم لنمو الطفل نمواً صحيحاً خالياً عن التعقيد والانفلات).

وافضل منهج في التربية هو كلمة الإمام علي (عليه السلام): (وحزما في لين) ويعني بذلك الانضباط والالتزام في التربية ولكن من دون عنف أو قوة أو قسر أو ضغط.

فالحزم هو لين، فلا حزم بعنف. واللين يتحقق بالصبر والتحمل والحوار والاقناع والتثقيف وإعطاءه الرؤية بعواقب الأمور، فالصبر هو الإيقاع النفسي اللازم لكل انسان يضعه في نفسه حتى يستطيع أن يرى الامور بشكل جيد وأن يؤديها بشكل حسن. 

وصايا في المنهج التربوي الصالح

ومن خلال قرائتنا لأفكار الامام الشيرازي وما هو موجود في سيرته الذاتية، أسلوبه في التعامل مع الناس، تربيته للشباب، تربيته للأمة، والثقافة الموجودة في كتبه يمكن ان نستخلص مجموعة من التوصيات الهامة:

1- التربية على اللاعنف:

الطفل منذ الصِغَر لابد أن يتعلم على نبذ العنف، والكراهية، بل لابد أن نعلم الطفل على ممارسة التسامح، والحلم، وعدم الغضب، فالشخص الغاضب يكون محطَّم الشخصية، والغاضب والمغضوب عليه يكون منفعلا عنيفا، وغير قادر على اتخاذ القرار الصحيح في حياته.

2- التربية بالنموذج والأسوة الحسنة:

الأسوة الحسنة هي التي تجعل الإنسان ناجحا أو فاشلا، والفشل التربوي الموجود اليوم في كثير من المجتمعات هو نتيجة للنموذج السيّئ أو الرديء الموجود عند هذا الإنسان، ولكن إذا حصل على نموذج جيد سوف يكون ناجحا، أما إذا كان النموذج فاشلا سواء كان الأب أو المعلم، أو المجتمع، أو الأصدقاء، فيؤدي إلى فشله، الإنسان يتعلم من الأسواء ومن النموذج.

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب 21.

فالذي يرجو المستقبل ويرجو الآخرة ويرجو الحياة المديدة الناجحة، لابد أن يكون له أسوة حسنة.

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...) البقرة 143.

3- التربية بالعواقب:

وهي تعني أن نعلّم أبناءنا ونربيهم على النظر إلى العواقب، يحاسبون أنفسهم ويستغفرون الله، كما يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ...)التحريم6.

وعن الامام جعفر الصادق (عليه السلام): لما نزلت: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) قال الناس: كيف نقي أنفسنا وأهلنا؟ قال: اعملوا الخير وذكّروا به أهليكم وأدبوهم على طاعة الله). وهذا يعني عليكم التفكير بالعواقب وتنبيه اولادكم على ذلك.

وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الممتحنة6، يدل على أن الانحراف هو بسبب الابتعاد عن الاسوة الحسنة.

4- التربية على التواصل وعدم التقاطع:

هناك مشاكل كثيرة وكبيرة في المجتمعات وسيطرة الاختلافات والنزاعات وذلك بسبب التربية التي يتربى بها الإنسان على التقاطع والتنازع والتناقض والتنابذ والتحارب مع الآخرين، بينما الآيات القرآنية والروايات الشريفة تؤكد على صلة الأرحام والأفراد في المجتمع ونشر التراحم والتعاطف والتكافل ونبذ العنف والقسوة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، قل الحق ولو على نفسك).

فالهدف من التربية هو جعل الانسان قادرا على ممارسة أدوار إيجابية وفاعلة من خلال القدرة على التواصل مع الآخرين لبناء التفاهم ومن ثم التعاون لبناء مجتمع متماسك وصالح تقل فيه الانحرافات.

ومن ضمن بناء التواصل السليم هو: التربية الاستشارية، التربية على الحوار وحسن الاستماع للآخر، فالأب يعلّم ابنه على الحوار من خلال حسن الاستماع اليه وعدم تهميشه.

لا أحد اليوم يستمع للآخر، فقط يريد أن يتحدث، لأنه حين كان صغيرا لم يستمع له أبواه، فإذا تعلم حسن الاستماع من أبويه يكون كذلك مستمعا جيدا في المجتمع فيتواصل ولا يتنابذ.

فالتربية الاستشارية هي تربية على احترام أفكار الآخرين وتعلم نبذ التمسك والتعصب بالرأي ونبذ الاستبداد، وبالتالي وجود القدرة على التواصل السليم وفهم الحياة والتعامل الصحيح مع الآخرين.

5- التربية على الاكتفاء الذاتي:

 والتربية على الاكتفاء الذاتي، وأن يكون الإنسان من صغره منتجا وليس مستهلكا.، وأن يعيش حالة الاستقلال والاكتفاء الذاتي في حياته، ولا يعيش عالة على غيره، مُتكلا على حالة الاستهلاك المفرط، ولابد أن نتعلم ونربي أولادنا على الاستهلاك بقدر الحاجة، وليس بقدر الرغبة. فالانسان الذي يعيش وهمه الأول هو الرغبات يكون محطما لا يعيش في اطار حاجاته ويكون كسولا وتبعاً لغيره. ولذلك هناك أهمية كبيرة في التربية على حب الحركة والعمل وعدم الكسل ونبذ سلوكيات تضييع الوقت.

6- التربية على الاحترام والنظام:

النظام اساس في بناء الاستقرار الاجتماعي، والفوضى التي نعيشها اليوم في مجتمعاتنا هي نتيجة لفقدان التربية على المسؤولية وعدم وجود ثقافة احترام الآخرين، وعدم احترام النظام وعدم الايمان بثقافة النظام. 

فالفوضى التي نعيشها هي بسبب اختلال التربية على التنظيم والنظام، وقد كان الإمام الشيرازي يدعو كثيرا إلى التنظيم والنظام ويذكر باستمرار وصية الإمام علي عليه السلام: (أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي، ومن بلغه كتابي، بتقوى الله ونظم أمركم)، فالتنظيم يعد أساس التقدم.

وفي الختام الإمام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) كان عالما مربيا استطاع أن ينشئ أجيالا من الصالحين، والعلماء والعاملين، واليوم نحن نحتاج أن نستفيد من تجربته التربوية وثقافته، من أجل تنمية وتغذية المجتمع بالأفكار والقيم الصالحة، وبناء المؤسسات التي تستوعب أجيالنا حتى يتم تنميتها بطريقة صحيحة سليمة ليكونوا ناجحين صالحين في حياتهم، وعلى منهج أهل البيت (عليهم السلام)، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق في أن نعتبر من هذه السيرة العظيمة وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

* محاضرة ألقيت في ديوان كربلاء الثقافي بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل الامام السيد محمد الشيرازي

اضف تعليق