إسلاميات - الإمام الشيرازي

المسلمون وسبل استثمار النهضة الحسينية

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(يجب علينا أن نتمسك بأهداف الإمام الحسين (عليه السلام) وتعاليمه)

الإمام الشيرازي

من النتائج الواضحة للمهتمين والباحثين، أن المسلمين لم يستثمروا النهضة الحسينية لصالحهم حتى هذه اللحظة، ولو أنهم فعلوا ذلك، ووضعوا الخطط والأعمال الجادة التي تسعى للاستفادة من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، لكان وضع المسلمين اليوم غير ما هو عليه من تردٍّ ونكوص وتراجع، وهذا واقع لا يستطيع أن ينفيه أحد.

لقد عاصر الإمام الحسين عليه السلام أخطر الأحداث التي مرَّ بها الإسلام والمسلمون، وقد انحرف الأمويون بمسيرة الإسلام بوجود الإمام الحسين (عليه السلام) في ذلك العصر، والإمام هو الامتداد الأصيل للرسالة النبوية التي أرسى أركانها جده الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وكان لزاما على السبط أن يواصل مسيرة جدّه (ص).

فلا يمكن أن يرضى الإمام الحسين (عليه السلام)، بالانعطاف الخطير للإسلام نحو الفسق والفجور والظلم والبشاعة بأقسى صورها، على يد يزيد المارق الفاسق المعبّأ بالفجور، وهكذا بدأت النهضة الحسينية العظيمة في الوقوف ضد هذا الانحراف الخطير، وهكذا سيكون الثمن لإعادة الإسلام إلى هويته المحمدية الأصيلة هو دم الحسين (عليه السلام)، فقدّم نفسه قربانا للدين، حماية له وللمسلمين من انحراف يزيد وطيشه ونزواته الشريرة.

لقد جاء في مقدمة كتاب (موجز عن النهضة الحسينية) للإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله):

(إن الإمام الحسين (عليه السلام) أصبح فداء للعقيدة الإسلامية، وإن الإسلام قد استقام بقيام الإمام الحسين (عليه السلام) وشهادته، وكان سبباً لوصوله إلينا اليوم بهذه العظمة والقدرة وبعد مضي أكثر من ألف وأربعمائة سنة على البعثة النبوية الشريفة، فلولاه لما كان هذا).

وهكذا بدأت ملحمة الطف الخالدة، بالتوازي مع النهضة الحسينية، بمبادئها الكبيرة، وبإنسانيتها، وبمناداتها لرفض الطغيان، والوقوف صفا واحدا بوجه الاستبداد والفسق، وإنقاذ الإسلام من حالة الانحدار التي فرضها يزيد على الدين وعلى المسلمين، وحين وصلت هذه المخاطر إلى حرف الإسلام عن مساره، خرج الإمام الحسين (عليه السلام)، لا أشرا ولا بطرا بل (خرجتُ للإصلاح في أمة جدي)، وهذا ما حدث كما تُظهر لنا سجلات التاريخ.

المدرسة الحسينية حافلة بالفكر المضيء

وظلّت مآثر الإمام الحسين تتواتر وتسمو لترسم للجميع معالم النهضة الحسينية وتعاليمها ومبادئها التي وضعها الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه، وكان دمه الشاهد الأول على أهمية المضيّ بهذه النهضة الإسلامية الحسينية إلى أمام، عبر إقامة المجالس التي تقدم للناس ثقافة عاشوراء النابعة من المدرسة الحسينية والحافلة بالفكر الحسيني المضيء.

الإمام الشيرازي يقول:

(إن مجالس الإمام الحسين (عليه السلام) في شهر محرم وصفر وشهر رمضان وغيرها من أيام السنة هي من أفضل الطرق للدعوة إلى تشكيل البرامج الدينية والحركات الفكرية والهيئات التنظيمية والدعوة للاكتفاء الذاتي وما أشبه).

في كل أمة نماذج تاريخية خالدة، تتمثل بشخصيات عدّلت مسار الأمة، وأنقذتها من طريق الانحدار، والإمام الحسين (عليه السلام) هو نموذج المسلمين في مقارعة الطغيان، ورفض الظلم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصيانة حقوق الناس من التجاوز والضياع، وكل الذين اطلعوا على السيرة العظيمة للإمام الحسين (عليه السلام)، عرفوا القيمة الحقيقية الكبرى لهذه المسيرة، وتوهجت في نفوسهم مبادئه، وازدادت مكانته اعتزازا واحتراما.

وهذا ما جعل أبناء الأمم والديانات الأخرى، يحسدون المسلمين على انتمائهم إلى شخصية عظمى مثل شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)، نظر لما قدمه في سوح التضحية والإيثار للبشرية كلها، فثورة الحسين (عليه السلام) لا تنحصر بدين معين، ولا بمجموعة معينة من البشر، إنها ثورة ذات طابع كلي إنساني يشمل البشرية كلها.

لهذا لابد من توظيف المسلمين لهذه النهضة العظيمة لصالحهم، لاسيما أن النموذج التاريخي العظيم متوافر لهم، وما عليهم سوى الإبحار في مضامين نهضته وثورته الكبيرة، بإنجازها ومبادئها وأفكارها وقيمها، لكي ينهضوا كأمة كانت في المقدمة، ويمكنها أن تبقى كذلك فيما لو عرفت القيمة والمكانة الحقيقية لشخصية الإمام الحسين النموذجية.

نقرأ في هذا المقطع من كتاب سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (ينقل أحد كبار علماء الإسلام إنه التقى بأحد القساوسة المسيحيين، فأخبره ذلك القسيس وقال له: لو كنا نملك الإمام الحسين (عليه السلام) الذي عندكم لجعلنا الدنيا كلها تؤمن بالمسيح (عليه السلام)، وذلك عن طريق نصب الأعلام السوداء في كل مكان ونشر مظلوميته، وجمع الناس حول هذا العلم وهدايتهم إلى الدين المسيحي).

المكانة العالمية للمآثر الحسينية

هكذا يفكر الرجل المسيحي بطريقة إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، ويأخذ على المسلمين تقصيرهم في إحقاق حق هذه الشخصية العظيمة بمواقفها، وبنهضتها، وبالمبادئ العظيمة التي انتصرت لكرامة الإنسان ووجوده، وحماية حقوقه من الهدر والتجاوز والانتهاك، وهي ثورة وإن كانت بقيادة شخصية إسلامية، إلا أن القس المسيحي وجد فيها ثورة للبشرية وتأثر بمبادئها وأُعجِب بمبادئها ونهضتها.

أما المسلمون فلابد من القول أنهم حتى هذه اللحظة لم يستفيدوا من النهضة الحسينية، ولم يوظفوا الفكر الحسيني لصالحهم، بل هناك من لم يطلع حتى اللحظة على هذه السيرة المفعمة بالإصلاح والمليئة بالدروس المحفزة للإنسان كي يثور على واقعه، ويتخلص من خنوعه وتردده، وينهض بواقعه، حتى يقطف ثمار هذا الكفاح عبر الوصول إلى حياة لائقة تنصف الإنسان ووجوده وكينونته وإنسانيته التي أهدرها الطغاة الظالمون.

ثم قال القس المسيحي لذلك العالم المسلم: (إنكم لا تدركون قدر الإمام الحسين (عليه السلام) وعظمته، ولا تعرفون مدى أهمية هذه القوة المعنوية التي بأيديكم أيها المسلمون. نعم إن ذلك المسيحي قد قال الحقيقة، فنحن المسلمين لحد الآن لم ندرك القوة المعنوية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ولم نستفد من ذلك، فإن أحد الألقاب التي تطلق على الإمام الحسين (عليه السلام) هي (يا رحمة الله الواسعة، ويا باب نجاة الأمة) فإذا كنا من أتباع الإمام الحسين (عليه السلام) وهو باب نجاة الأمة الواسعة).

فإذا كان القس المسيحي ينظر إلى النهضة الحسينية بهذا المنظار، فما الذي يتوجّب على المسلم فعله؟، أليس من الواجب على المسلمين أينما كانوا، أن يستفيدوا من هذه النهضة العميقة بأفكارها ومبادئها، ثم أليس من الواجب الديني والإنساني والأخلاقي أن يتمسك المسلمون بالإمام الحسين (عليه السلام) كنموذج ثوري وقف بوجه الظلم والفسق والجور والطغيان، حتى لا يسمحوا للطغاة أن يعبثوا بحياتهم مرة أخرى؟

إن قدرة المسلمين واستعادتها كما كانت مرهونة بالمكانة التي يستحقها الإمام الحسين (عليه السلام) والإيفاء لمن ضحى بنفسه ودمه وذويه وصحبه لكي ينقذ الأمة والإسلام من الانحراف، فأعاد للدين مكانته، وهزم الظلم والجور، وظلت ثورته ومبادئه ترعب الطغاة على مرّ العصر، وتخلخل عروشهم مهما بلغت قوّتها، وهذا يتطلب منا التمسك بالنهضة الحسينية ومبادئها وأفكارها لكي ننقذ أنفسنا من الانحدار والتخلف.

يقول الإمام الشيرازي:

(إذن يلزم علينا أن نتمسك بأهداف الإمام الحسين (عليه السلام) وتعاليمه، بحيث يظهر في أعمالنا أننا قد اعتمدنا على رحمة الله الواسعة وباب نجاة الأمة، كما علينا أن نعمل بالقرآن الكريم والقوانين الإسلامية التي ضحى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته المباركة، عندئذ يمكن استعادة قدرة الإسلام وقوة المسلمين وما ذلك على الله بعزيز.

النهضة الحسينية تتيح لما اليوم ومستقبلا، فرصا كبيرة لكي ننهض بواقعنا، ولكي تستعيد أمة الإسلام موقعها الريادي المتقدم للبشرية، من حيث الفكر القويم، والقيم الحميدة، ونشر السلام، وإنقاذ البشرية كلها من أكداس الظلام التي تحيق بها، فما علينا سوى التمسك بهذه الشخصية النموذجية الخالدة، وبنهضتها، وبفكرها الذي سيبقى مضيئا مشعّا ما بقي الدهر وما بقيت الحياة.

اضف تعليق