إسلاميات - الإمام الشيرازي

الفقر والرفاه وأثرهما في الاصلاح الاجتماعي

قراءة في فكر المجدد الامام السيد محمد الشيرازي

ان مقولة “لو كان الفقر رجلا لقتلته" للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هي مقولة استراتيجية تأصيلية في بناء المجتمعات، وقد بنى عليها آل الشيرازي عموما، والمجدد الراحل السيد محمد الشيرازي قدس سره خصوصا افكارهم في بناء المجتمعات السليمة، حيث اعتبروا الفقر والرفاه سببين لابد من مراعاتهما وتحليل واستنباط درجاتهما في بناء او اصلاح المجتمع السليم، واكدوا على العمل على دفع المجتمع للثانية (الرفاه) لما فيه من خير للمجتمع، ووقايته من شرور الاولى (الفقر) ونيرانه.

يقول السيد محمد الشيرازي قدس سره الشريف في كتابه الاقتصاد "ان الفقر عدم وكل عدم سيئ، والغنى وجود وكل وجود حسن، والبناء الفلسفي يركز على قاعدة " العدم شر محض، والوجود خير محض " فقط هذين السطرين تأسيس لبناء استراتيجي اجتماعي منقطع النظير، لان الدراسات المعاصرة والتي اكدتها اليوم منظمة الامم المتحدة تركز على ارتباط الفقر بموجة الدمار المجتمعي الذي يجتاح العالم، وعندما نربط مقولة الامام علي بن أبي طالب عليه السلام بخصوص الفقر (لو كان الفقر رجلا لقتلته) وعدنا الى تحليل المجدد الشيرازي لمفردتي الفقر والغنى (الرفاه) لوجدنا ان هناك تناغما استراتيجيا منبثقا من تحليلات بايلوجية واقتصادية ومعرفية واجتماعية وسياسية:

المنطق البايولوجي للمفردتين: في المفردة الأولى (الفقر) مشكلة تجلب الموت والجوع والأمراض والآفات فهو سيئ بكل اشكال السوء حسب رأي السيد الشيرازي لأنه عدم، والعدم فناء الحاجات الطبيعية الاساسية التي تدعم وجود الانسان ككائن حي من كائنات الوجود على وجه الارض، والرفاه يؤسس وجود الانسان ويرفد بقائه؛ لان فيه حياة ورفاه وغنى للنفس عن الحاجات الاساسية لوجود الانسان وعندها يتوقف وباء الآفات البايولوجية والامراض الحيوية التي تصيب الانسان وتهاجم جهازه المعنوي (ضميره) في نهاية المطاف.

دائما ما تعد مسألة وجود الانسان طبيعيا وحربه مع مشاكل الحياة تأصيلا وتجذيرا لمجمل مشاكله في الحياة خصوصا الاقتصادية والمعرفية والاجتماعية والسياسية.

المنطق الاقتصادي: ربما يعتبر هذا المجال التحليلي لمفردتي الفقر والرفاه من اكثر المجالات اهمية في التحليل؛ لان المشكلة الاقتصادية الخاصة دائما ما تتسبب في احداث مشاكل اقتصادية عامة ربما تؤثر في بلد او مجتمع بأكمله، فالاقتصاد ركن جوهري من اركان الحياة الاسرية والحياة العامة، والفقر مدخل سيئ اذا ما غاصت في غياهبه الاسرة انتهى اثرها من الوجود الاجتماعي، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان الاسرة نواة المجتمع الاسلامي واقتران الفقر كمشكلة اجتماعية مع الاسرة وربط المفهومين معا بتحليل المجدد السيد الشيرازي بان الفقر يؤدي الى العدم مما يجعل وجود (الاسرة والمجتمع) مهددان، والعكس هو الصحيح فان الرفاه في فكر المجدد السيد الشيرازي يعيد اصلاح المجتمع وهيكلة وجوده في مقاومة المشاكل الاخرى التي يتعرض لها.

المنطق السياسي: يعتبر الفقر من اهم المشاكل التي تتسبب في الارباك السياسي لأي مجتمع بل تؤكد الدراسات التي تطرحها اليوم منظمة الام المتحدة ومنظمات الاغاثة العالمية ان هناك ترابطا بين حجم مشكلة الفقر وازدياد المشاكل السياسية في العالم، والرفاه يبني مجتمعا سليما مستقرا سياسيا ولنا في استعراض الشعوب والامم في العالم خصوصا تلك التي تمتعت برفاه وسلم وسلام سنجد الهزات السياسية قليلة وتكاد معدومة، بل انه تؤكد الدراسات على تأثير هاتين المفردتين على تشكل الوعي السياسي المجتمعي، فالفقر والرفاه مفردتان يتقاتلان فيما بينهما على الاصلاح السياسي، والسياسة بالأصل قاعدة مهمة من قواعد الاصلاح الاجتماعي بمعنى ان المجدد الشيرازي قدم معالجات بنيوية للمشاكل التي تعصف بالمجتمعات وتعرض وجودها للخطر.

ووفق التحليل الاجتماعي يمثل الفقر مشكلة اجتماعية مستعصية تمارس دورا لهدم البنية الاجتماعية وتهديم الاس التي يقوم عليها المجتمع ويؤسس لفوضى اجتماعية تخلق المزيد من المشاكل كارتفاع مستوى الجريمة في المنطقة التي تتعرض الى انهيار اقتصادي او يصيب مجتمعها الفقر، والعكس هو الصحيح تنخفض المشاكل الاجتماعية كلما عم الرفاه في المجتمع وتنخفض مستويات الجريمة والفساد.

تشكل هذه العوامل مجمل البيئة الفكرية التي تؤسس وتؤصل للبناء المعرفي بمعنى ادق كلما كان الفقر يأخذ مأخذه في التأثير على المجتمع كلما ظهرت مشاكل معرفية وهذه المشاكل المعرفية ستشكل وعيا تصوريا عن العوامل الاخرى المحيطة بالإنسان اذ في الوقت الذي يدخل الفقر او الرفاه على المعرفة ستظهر هناك تحولات سلبية ناتجة عن الاول (الفقر) وايجابية ناتجة عن الثاني (الرفاه)، وانطلاقا من هاتين المفردتين يتحدد صلاح المجتمع ومنظومته الحركية للإصلاح ونقصد بالمنظومة (العوامل المحيطة بالإنسان والمؤثرة في سلوكه تأثيرا مباشرا)، وسيتجه المجتمع ويتحرك وفق خط بياني يؤشر الفقر به الى التراجع في كل المستويات، ويؤشر فيه الرفاه الى التقدم والارتقاء في كل المستويات، ليصبح المفهومان نقيضان يماثلان صراع الخير والشر على النفس البشرية.

ومن هذا المنطق جاءت الرؤية الاستراتيجية للإمام علي بن ابي طالب عليه السلام في حربه ضد الشر، تلك الحرب الفكرية والمعرفية والميدانية ضد الفقر الذي يتمنى الامام ان يواجهه وجها لوجه بهيئة رجل في اشارة منه على ان للفقر انواع عديدة ليس فقط الفقر المادي، انما كل شيء يقود الى أمر سيئ وهذا ما اكده المجدد الشيرازي في مقولته ان الفقر الامر السيئ الذي يقود الى العدم ليدخل ضمن هذا التأصيل حتى الفقر المعرفي والجهل والرأي الفكري غير النافع ضمن بوتقة الفقر، وكذلك الامر بالنسبة لمفردة الرفاه التي بها نجاة البشرية من مهالك الزمان وسيئاته لأنه يقود الى الوجود والوجود صناعة واقع جديد واصلاح امر ما اصابه الخلل.

وهذا انما يدل على تحليل استراتيجي ورؤية جديدة لقراءة الواقع الاجتماعي المحيط بنا، فيصبح الإرهاب المعاصر الذي نتنفس لهيبه ناتج عن صراع المفردتين في الميدان، والجهل السياسي المتسبب في تراجع المجتمع ناتج عن نفس الصراع، والمشاكل الاجتماعية ناتجة عن نفس الصراع، والبنية المعرفية الهشة ناتجة عن نفس الصراع، فالفقر بتنوعه تتنوع المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمعرفية كلها نواتج لصراع الخير والشر ورغبة كل منهما للسيطرة على النفس البشرية في نهاية المطاف. فالشر يقود الى السيئ واللاوجود، والرفاه والخير والغنى والعمل يقود الى الوجود الذي خلقنا من اجله.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3