إسلاميات - الإمام الشيرازي

كيف تحقّق هدفك بأقصر الطرق؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

هناك من لا يدرك أن مهمة بناء البيئة الجماعية تقع على الجميع ضمن أهداف إيجابية، فالجهود التي يقدمها الأفراد مهمة لصناعة أهدافهم في إطار الأهداف الأكبر والأشمل، بل تعد من الأمور بالغة الأهمية، فحاصل جمع العمل الفردي والمسؤولية الفردية هي التي تؤدي بالنتيجة إلى محصلة جهود جماعية لبناء البيئة العالمية الصالحة، وهذا ينطبق على تحسين البيئة لعالم اليوم الذي يغص بالأزمات والنزاعات وتضارب المصالح.

كما هو واضح ومرصود، فإن التعقيدات والأزمات التي تعصف بالعالم لا تزال قائمة، وهي محطّ اهتمام وحذر في نفس الوقت، فالاهتمام يجب أن يكون حاضرا عند العلماء والمفكرين والمهتمين، لكي يقدّموا المقترحات الصحيحة ويقترحوا الأهداف المناسبة التي تجعل من العالم أفضل، أما الحذر فيكمن في ظاهرة عدم إبداء خوف وقلق القادة والحكام العالميين، مما تتعرض له البشرية والعالم من أزمات بسببهم.

فالسياسات الرعناء وغير المتوازنة التي تنتج عن قراراتهم وسياساتهم، لها قصب السبق في تأزيم العلاقات العالمية، وفي تدمير البنى التحتية للعالم أجمع، ومع كل التبجحات والمؤتمرات والادعاءات للسيطرة على هذه الأزمات والنزعات، إلا أن هناك محاولة واضحة لدسّ الرؤوس في الرمال من أجل مصالحهم وحدهم.

إذاً هنالك أهداف يجب أن ينشط نحوها الإنسان، وهي أهداف عظيمة ومهمة، بحيث يمكن من حاصل جمعها، صناعة عالم أقل توترا، وسياسات أكثر توازنا، واقتصاديات أكثر عدلا، لهذا فإن قادة العالم يجب أن يتحملوا وضع الأهداف الصحيحة، ووضع الخطط المناسبة للتنفيذ، والتركيز على تحسين أداء الأفراد في عموم الأمم، مع التركيز على أهمية الانشغال بالهدف المفيد وعدم هدر الوقت أو الطاقات في الانشغالات الجانبية.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه الموسوم بـ (إلى العالَم):

(إذا كان في السير إلى الهدف، نجاة البشرية من المشاكل والأزمات والنزاعات، فيجب أن تُصَبّ كل النشاطات في الاتجاه نحو هذا الهدف والطريق الموصل إليه، ولا يصح الالتفات إلى اليمين أو الشمال إطلاقاً، لأن الانشغال عن الهدف يهدر بعض الأنشطة في غير الوصول إلى الهدف).

من الأهمية بمكان أن يدرك الإنسان - فردا كان أو جماعة- وأن يؤمن عن قناعة بأن الهدف المهم يحتاج إلى طاقات كبيرة وهائلة ومتعاونة، ولا يصح الانشغال بما يعيق ذلك من مشاغل جانبية لا تدخل في صالح تحقيق الهدف الاستراتيجي، ونجاح الفرد لابد أن يُسهم بطريقة أو أخرى بتحسين البيئة والنظام العالمي.

وهناك عوامل مهمة وواضحة لتسريع بلوغ الأهداف مع الاحتفاظ بالجودة والإتقان، ومن ذلك عدم هدر طاقات الإنسان في ما لا يستحق، ولا يعود عليه بمخرجات جيدة، فحين يتضرر الفرد بسبب تقاعسه عن إنجاز أهدافه، فإن المجتمع كله يتضرر بسبب فقدان التراكم الجمعي الإيجابي لجهده الفردي الذي يجب أن يكون جيدا ويسير في إطار الأهداف الجماعية والعمل لتحقيقها، على أن يتقن كل فرد تسلسل الأهمية، والتركيز على الأهم ثم الأهم، وترك كل انشغال يصرف الطاقات في غير محلها.

يقول الإمام الشيرازي عن هذه النقطة:

(إن الهدف يحتاج إلى تراكم جميع الطاقات لا إلى تشتتها، ولابد من التركيز على مبدأ العمل بـ (الأهم ثم المهم)، ومن المعلوم أن الإنسان العاقل لا يمكن أن يصرف طاقته في المهم إذا دار الأمر بينه وبين الأهم).

الحفاظ على طاقة الإنسان وتصريفها في محلها، سمة من أهم سمات القادة السماويين كالأنبياء والأوصياء، وقد انتقلت إلى البشر العاديين، أو ما يُطلَق عليهم بالقادة الزمنيين، فهؤلاء جميعا لم يفرطوا بطاقاتهم، وحثوا الناس أجمعين لكي يلتزموا بهذه القاعدة الذهبية في تسريع بلوغ الأهداف، مع الاحتفاظ بجودتها ودقتها.

هذا ما يمكن أن نلاحظه في سيرة الرسول النبي (ص)، والقادة الذين أخذوا عنه خصاله القيادية، فقد كان الرسول وأئمة أهل البيت (ع) لمن يقرأ سيَرهم العطرة، في قمة التركيز على أهدافهم، وإعطاءها الأهمية القصوى من حيث الإعلان والتنفيذ معا، وكثيرا ما دعوا الناس إلى إتقان هذا العامل المهم في تحسين النتائج التي يتوخاها الإنسان من الجهود الجيدة التي يقدمها في إطار عمله الحياتي اليومي.

لذلك يؤكد الإمام الشيرازي على: (إنّ المتحركين الهادفين، سواءً كانوا دينيّين كالأنبياء والأوصياء (ع) أم زمنيّين، يقصدون الهدف ولم يصرفوا وقتهم إلاّ في الوصول إليه أو تحقيقه، كما فعل النبي (ص) حين ركّز نشاطه في مكة المكرمة على هدف تركيز لواء الإسلام).

كذلك نلاحظ هذا الإنجاز الكبير موجود لدى القادة الزمنيين مثل (غاندي)، فحين قاد حركة تحرر الأمة الهندية، ركّز على أهم الأهداف التي ينبغي أن يتحرك الجميع نحوها، وقد استجابت الأمة الهندية إلى آرائه ودعواته ومبادئه التي قامت على بنود عملية أخلاقية واضحة، أهمها نبذ العنف وعد اعتماده كوسيلة لتحقيق أهداف الجماهير.

التخلّص من الجزئية لصالح الكلّية

وقد تمكن هذا القائد الزمني (غاندي) من جمع الطاقات الفردية وعدم التفريط بها أو تشتيتها، والتركيز بقوة على توحيد حركته وأهدافها وجهودها، كم حرص كل الحرص على تراكم الطاقات الفردية مع بعض ضمن المبادئ التي أعلنها والتزم بها الجميع، فكان ذلك النجاح الكبير لتحرير الهند من ربقة الاحتلال البريطاني، وتذويب أغلال المستعمر، وإطلاق طاقات الأمة الهندية لبناء واقع جديد لها.

لقد آمن الأفراد بغاندي وطبقوا مبادئه، فكان الفرد له أهدافه الخاصة التي كان حريصا على تطبيقها، لكنها جاءت في إطار الهدف الأكبر للأمة كلها، وهذا ما ينبغي أن يدركه الأفراد في أية أمة كانت، من أجل بلوغ الأهداف الأهم بسرعة أكبر ودقة تضفي على النتائج خاصية الجودة والإتقان التي يجب أن تلازم تحقيق الأهداف الأهم من سواها.

الإمام الشيرازي أشار إلى هذا الجانب في قوله:

(من أمثلة القادة الزمنّيين الزعيم الهندي(غاندي)، فإنه حين قاد الحركة التحررية، ركّز كل جهوده في الحركة، وكانت تجمعات حزب المؤتمر إما في البيوت أو الصحاري أو المؤسسات الموجودة سابقاً. وهكذا كان حال الحركيين في استقلال إيران والعراق وجنوب أفريقيا وغيرها).

ومن العوامل التي تسرّع للأفراد بلوغهم أهدافهم الأهم من غيرها، عدم التركيز على الجزئيات، أو الانشغالات الجانبية التي تشغل الفرد عن هدفه الأهم والجوهري، فالهدف الأكبر يستحق أن يترك الفرد من أجله الكثير من الجزئيات، والاحتفاظ بالوقت وعدم هدره فيما لا يستحق من أعمال أو انشغالات، لأن احترام الوقت يعد من أهم العوامل التي تضمن بلوغ الفرد والمجتمع أهدافهما، فالوقت حين لا يهدر ويتم التعامل معه بحرص واحترام، فإنه يضمن للجميع بلوغ الأهداف الأهم من سواها في أقصر الطرق وأدقّها.

ولذلك يقول الإمام الشيرازي:

(لا يخفى أن التخلص من الأمور الجزئية أو الوقتية، إلى الأمور الكلية والهدفية، بحاجة إلى تعقل كافٍ ونفس كبيرة قادرة على تجاوز الجانبيّات).

هكذا يمكن للأفراد والأمم والقادة كأفراد أيضا، أن يبلغوا أهدافهم في إطار العمل الجمعي، مع اعتماد قاعدة الانشغال بالأهم ثم المهم، ووجوب عدم التناقض بين العمل الفردي والجماعي الاستراتيجي، فهذان النوعان من العمل في حالة التناسق بينهما، سوف ينتج عنهما بيئة متميزة وحياة أفضل للجميع.

اضف تعليق