إسلاميات - الإمام الشيرازي

الانتظار البارد

من قاموس الامام الشيرازي

لا شيء يأتي الى الانسان على طبق من ذهب دون بذل مجهود للإتيان بهذا الطبق. حتى فيما يتعلق بما يرثه الانسان من أموال من ابائه، فهي لم تأتي من فراغ ودون بذل مجهود في تحصيلها وزيادتها.

ما يصح في الأموال والاشياء المادية، يصح في المعنويات أيضا وفي القيام بالتغيير، تغيير الانسان لواقعه وحياته، وتغيير المجتمعات لأنظمتها السياسية وغير ذلك.

كيف نبادر الى الصياغة الجديدة؟ صياغة حياتنا وعالمنا وواقعنا.

تساؤل يطرحه الامام الشيرازي الراحل، في كتابه (الصياغة الجديدة لعالم الايمان والحرية والرفاه والسلام) وهو يستقرئ واقع الامة الإسلامية بانحطاطها وتراجعها في ميادين الحضارة والتقدم بعد ان كان لها السبق المعلى قبل قرون.

وهو في استقرائه لهذا الواقع المؤلم، يستشهد بالأفعال الثورية الذي قامت بها المجتمعات في العديد من مفترقات حياتها، منطلقا من قوله تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين) (التوبة: 46 ـ 47).

يقول (قدس سره): (إن انتصار أية ثورة في التاريخ وانتصار أي مبدأ في الحياة لا يمكن أن يأتي لشعب على طبقٍ من ذهب).

وهذا الانتصار لا يمكن ان يتحقق الا عبر (العمل الطويل الشاق فالثورة من بدايتها إلى نهايتها عمل متواصل من أجل بلوغ الهدف).

والهدف ليس هو القيام بالفعل الثوري والوقوف عنده، بل انه وهو الأهم، يمتد الى صياغة وبلورة برنامج من الأهداف الواقعية لهذا الفعل حتى قبل الاقدام عليه.

لهذا شهدنا ونشهد الكثير من خيبات الامل في الثورات التي حدثت وتحدث، لأنها ليست مبنية على ما بعد اللحظة القادمة للفعل الثوري، بل كل هم القائمين بأكثر الثورات هو القيام بها وقلب أوضاعهم، دون النظر الى تعديلها وتغييرها بعد ذلك.

أي فعل ثوري، مثله مثل حياة الانسان هو (صراع بين قوى الخير ـ التي يمثلها المؤمنون الصادقون ـ من جهة، وبين قوى الشر والضلال ـ التي يمثلها الكفار والمنافقون ـ من جهة أخرى).

وهذا الصراع المستمر هو سُنة من سنن الحياة والتي تتطلب من الإنسان أن يكون واقعياً مع نفسه ومع الواقع الخارجي، فلا يتمنى ويضمر في قلبه شيئاً يريد تحقيقه دون عمل حثيث من أجله.

وقد دلت التجارب الحيوية كما يعبر الامام الشيرازي الراحل (إن أي شعب يريد الانتصار، فإن عليه الإعداد والاستعداد لتقديم الثمن لانتصاره، والثمن هو الوقت والراحة وكل شيء يملكه، وإن سُنة الله في الأرض تقول: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (الأنبياء: 105).

وإن الحياة السعيدة للذين يجاهدون ويعملون، وإن نصيب القاعدين والمتخاذلين هو الذل والمهانة في الدنيا والآخرة، وسيرث هذه الدنيا عباد الله الصالحون الذين يعدون العدة.

يبدع الامام الشيرازي وهو يتحدث عن الخطيط وتهيئة الأجواء للقيام بالثورة والتغيير، بابتكار مطلح (الانتظار البارد) في معرض رفضه للنكوص وعدم التخطيط لواقع اخر مغاير تأتي به الثورات المنظمة والمخطط لها.

وعلى حد تعبيره (قدس سره): (إن انتظار خوض الصراع بين الشعب وجماهيره وبين الأنظمة لا يعني انتظاراً بارداً صامتاً ساكناً، وإنما انتظار الصراع يعني إعداداً دائماً ومستمراً من أجل ساعة المواجهة).

ويلاحظ الامام الراحل (إن الكثير من جماهير الأمة تمني نفسها بالانتصار على الأنظمة وأن تتحرر من الأغلال والاستبداد والدكتاتورية. وقطاع آخر من الجماهير المؤمنة يُمنيّ نفسه هو الآخر بخوض الصراع مع الأنظمة من أجل مصلحة رسالته وقيمه ومبادئه. وقطاع آخر ثالث يزعم أنه في يوم الصراع يستطيع أن ينتصر على العدو).

ولكن القليل منا يعرف أن هذا الانتصار وهذا الانتظار ليسا بالتمني وإنما بالعمل الجاد والإعداد الدائم والمستمر للنهضة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1