إسلاميات - الإمام الشيرازي

شخصية الخطيب الحسيني بين المادية والإتقان

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(إن الناس جبلوا على الازدراء بالإنسان المادي) الإمام الشيرازي.

ونحن نقترب من ذكرى زيارة الأربعين، نلاحظ إقبالا واسعا على إقامة المجالس الحسينية، وتقاطر المئات بل الآلاف من الناس على هذه المجالس باختلاف أماكن إقامتها، فهناك مجالس تُقام في البيوت، وأخرى في المساجد وثالثة في الحسينيات، ومنها تقام بشكل منتظم في المراقد المقدسة، وكل هذه المجالس ينبغي أن تكون في عهدة خطباء لهم باع كبير في توصيل الفكر الحسيني وغرسه في عقول الناس، وتجميل عقولهم وقلوبهم بعلوم أئمة أهل البيت عليهم السلام.

لكننا في هذه الكلمة نقصُر ملاحظاتنا ونركّز أفكارنا على زيارة الأربعين، وعلى حيثيات المجالس الحسينية التي تُقام بأعداد مضاعفة منذ الآن وصولا إلى موعد الزيارة المقدسة، وكذلك نلقي الضوء على شخصية الخطيب الحسيني كما يراها الإمام الشيرازي، لاسيما أن دور المجلس الحسيني كبير وله بصماته في إحياء الشعائر المقدسة، فضلا عن دوره في تشذيب النفوس والقلوب، والإسهام في بناء المجتمعات المستقرة المتفوقة.

كما لوحظ في الواقع العالمي، نجد أن المادية أخذت تجتاح التفكير البشري، فانعكس ذلك على السلوك المادي للناس، وتغيّرت الكثير من القيم الإنسانية الرشيدة لتحلّ بدلا منها قيم وافدة أو دخيلة تسعى لتخريب أفكار الناس وقيمهم وتدفع بهم نحو السلوك المادي، مما جعل من عالم اليوم شائكا ومبتلى بالتعقيد ولهاث الإنسان نحو المادة وكنز الأموال وجمعها بأية طريقة متاحة بعيدا عن القيم والأخلاق!!

الخطيب الحسيني باعتباره الوسيط الناقل للفكر الحسيني ومبادئ أئمة أهل البيت للناس، وهو من أوائل المتصدين لهذه المهمة، لا يمكن أن ينجح في مهمته هذه ما لم تكن شخصيته ذات مواصفات وخصال ومعلومات تؤهله للنجاح في دوره التنويري المبدئي، ولهذا فالمقوّم الأول الذي يجب أن يتوافر في شخصية الخطيب الحسيني هو تخلّصه من النزعة المادية التي تدفع بالبعض إلى تقاضي أموالا مقابل تقديم المحاضرات في المجالس.

هذه النقطة في غاية الأهمية، فلا يجب أن تكون الأموال من هموم الخطباء، نعم هو يستحق أتعابا مقابل ما يقوم به لأن رزقه وقوت عائلته يتعلق بهذا الأمر، ولكن من المهم أن لا تكون غاية الخطيب الحسيني تحصيل المال، فهذا يعني أنه يفكر بالمادة قبل تفكيره بالمبادئ والقيم والأفكار العظيمة التي يسعى لغرسها في عقول الشباب ونفوس الناس جميعا.

صراع بين القيم المادية والأخلاقية

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يحدد هذا الجانب بوضوح، ويقدم نصائح كبيرة للخطباء الحسينيين في كتابه القيّم الموسوم بـ (تجاربي مع المنبر)، ومنها ما نجده في هذا النص من الكتاب المذكور:

(نحن لا نقول يجب على الخطيب عدم تقاضي الأجر اللائق، بل نعني بذلك أن لا يكون مفرطاً في التقاضي، وأن لا يجعل همّه المادة، وأن لا يظهر أمام الناس بمظهر الإنسان المادي، فإن ذلك يؤدي إلى هبوط مكانته عن النفوس، وعدم تأثير كلامه في القلوب).

إذاً حين يكتشف الناس أن الخطيب الحسيني (مادي)، ويهدف إلى جمع الأموال، فإن تأثير أفكاره التي يطرحها عبر المنبر في محاضراته لن تدخل قلوب الحاضرين أو المستمعين، لذلك لابد من الخطيب أن لا يظهر أمام الناس بأنه يعبأ ويركّز على المال أولا، بل يجب أن يبدي حرصه على توصيل مبادئ الفكر الحسيني وعلوم أئمة أهل البيت قبل كل شيء، ومن ثم تأتي الأتعاب كنتيجة أو محصلة طبيعية لما يقدمهٌ للناس من على المنبر.

وهناك صفة أخرى مهمة يجب أن يتحلى بها الخطيب الحسيني، وهي المقوّم الآخر الذي يركّز الإمام الشيرازي على وجوده في شخصية الخطيب، ويتلّخص هذا المقوم باختلاط الخطيب مع المجتمع، والتقرّب من الناس، وعدم التعالي عليهم، إن تهمة التكبّر على الناس والعزلة في الأبراج العاجية، تهمة غالبا ما يتم توجيهها لبعض المثقفين والمفكرين، أولئك الذين لا تعنيهم مشكلات المجتمع بشيء!!

هذه الصفة يجب أن لا توجد في شخصية الخطيب الإسلامي، لأنها سوف تصنع حواجز وأسواراً شاهقة بينه وبين الناس، وسوف ينظرون إليه بعين الاستصغار وهبوط المنزلة، وفي هذه الحالة لن يكون لكلامه وأفكارهِ أي تأثر على عقولهم، بل ينظرون إليه كشخص متعالٍ يعزل نفسه عنهم ولا يختلط معهم إلا من أجل المال، وهذه صفات لا تليق بالخطيب الحسيني مطلقا.

الخطيب الإسلامي الحسيني هو الامتداد الفكري الديني العقائدي للأنباء وللأئمة عليهم السلام، ومنهم يأخذ أفكاره وقيمهُ التي تتحكم بطبيعة حياته وتوجهاته وتفكيره وسلوكه أيضا، وكما هو معروف فإن الأنبياء والأولياء كانوا على تواصل وتقارب تام مع المجتمع، يخالطون الكلّ ولا يترفّعون عليهم، لهذا كان تأثيرهم كبيرا في عامة الناس، فتخلّقوا بأخلاقهم وتفكّروا بأفكارهم وتماثلوا معهم في سلوكهم.

شخصية الخطيب المحببة المتوازنة

يقول الإمام الشيرازي في هذا السياق: (على الخطيب أن لا يكون مجافياً للناس، مترفعاً عليهم، فإن الخطيب الإسلامي يعد من أتباع الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين)، وقد كانوا يؤثِّرون في الناس بفضل اختلاطهم بالمجتمع).

ومع أهمية اختلاط الخطيب بالناس، وتقرّبه منهم، وتداخله في النسيج الاجتماعي على نحو عميق، لكن هذا لا يعني أن تغيب ملامح شخصيته كخطيب محدث مشبع بأفكار ومبادئ الفكر الحسيني وأئمة أهل البيت عليهم السلام، بمعنى يجب أن تكون شخصية الخطيب متوازنة قوية ثابتة الجنان، وفي نفس الوقت، من المهم أن تكون شخصيته لطيفة سلسلة محببة إلى نفوس الناس، حتى يكون تأثيره فيهم عظيما.

فمن يفرّط بشخصيته كخطيب، ومن لا يتمكن من خلق التوازن الاجتماعي المطلوب في علاقاته مع الآخرين، سوف يفقد تأثيره تماما على الآخرين، ولن يسمعوا كلامه، ولا يأبهوا لأفكاره، وهذا يعني أنه ليس قادرا على أداء دوره الإرشادي كما يجب، لذلك عليه أن يصنع هذا النوع من التوازن المهم في تحركّه بين الناس وفي علاقاته الإنسانية معهم.

الإمام الشيرازي يقول: (على الخطيب أن يحافظ على شخصيته، وأن لا يكون خارجاً عن المتعارف في آدابه وسلوكه ومعاشرته مع الناس. لأن الخطيب المبعثر، والمفرط، والمفرّط، لا يؤثر كلامه في الناس).

وحين يفقد كلام الخطيب تأثيره في الناس، فهذا يعني أن هناك خللا في شخصيته، عليه أن يعرفه جيدا ويحدّده ويسارع إلى معالجته، فميزة تأثير الخطيب في الحاضرين أو المستمعين تقف في مقدمة مقومات الخطيب الناجح، بل تجعل منه في صف الخطباء الحسينيين المتميزين بتأثيرهم وتنويرهم لقول الآخرين وتحسين أفكارهم وتصرفاتهم في المجتمع.

ومن المقومات الأكثر أهمية التي ينبغي توافرها في شخصيات الخطباء الأجّلاء، امتلاك القدرة على إرشاد الناس إلى التدبّر بالقرآن الكريم، وهذا يعني عودة محمودة إلى ما تركه كثيرون، وهو العمل بآيات كتاب الله الحكيم، مما أدى إلى سقوطهم في فخ العجز الفكري وتراجعهم بين الأمم الأخرى في هذا الجانب، وعدم قدرتهم على مجاراة ما يستجد في مجال تقدم الأمم الأخرى

كما يؤكد الإمام الشيرازي في قوله: (على الخطيب أن يهتم بإرشاد الناس إلى آيات القرآن التي تَرَكَ العملَ بها غالبُ المسلمين، وهي التي سببت سقوطهم فصاروا كالطير الذي يريد النهوض بجناح واحد، وهل يمكن ذلك؟).

هكذا يمكن للخطيب الحسيني أن يكون مؤثرا مكتملا وقادرا على غرس مبادئ الفكر الحسيني في عقول الشباب وغيرهم من الفئات العمرية الأخرى، وكما نلاحظ اليوم في المدن المقدسة وفي عموم مدن ومناطق العراق والعالم الإسلامي، تضاعف المجالس الحسينية كثيرا، وهذا الحضور الكبير يتطلّب استثمار الزيارة الأربعينية لمساعدة الناس على العمل بمبادئ عاشوراء ومأثرة الطف، ونقلهم إلى مستوى من الوعي يؤهلهم للعيش السليم الكريم المتوازن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7