إسلاميات - الإمام الشيرازي

بين تطوير الواقع والنهوض بمنظومة القيم

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

يُقصَد بالواقع، هو نشاط الفرد والجماعة في الحياة وكل ما تنطوي عليه من أفعال وأعمال وسلوك، في المجالات العملية كافة، وطالما ان هذا النوع من النشاط البشري ينتهي بنتائج مختلفة، غالبا ما يكون الهدف منها تحسين حياة الانسان، عبر التحصيل المادي المتراكم، فإن ما يتبع ذلك وما يتخلله ايضا، تضارب مصالح، وصراع ارادات، بسبب الطبيعة التكوينية للبشر وتركيبتهم النفسية والغريزية، فنتيجة لمجموع الانشطة في الواقع سيكون هناك تنافس، وفي بعض الحالات ينقلب الى صراع قد تنعكس عنه اضرار مادية ونفسية كثيرة ومؤثرة، وطالما ان الحياة والانسان معا، بحاجة الى هذه الانشطة الواقعية، فإن المطلوب الاستمرار بها مع تحاشي انعكاساتها السلبية كالصراعات وما شابه.

وهذا لا يمكن أن يتم من دون تنظيم أنشطة الواقع وما يتخلله من افعال واعمال قد يصعب حصرها، وهذا التنظيم مهم وضروري الى درجة الحتمية، حتى لا ينزلق الانسان نحو حالة التصادم، بمعنى نحن بحاجة الى تنظيم النمو المادي من خلال منظومة القيم التي تتحكم بأنشطة وحركة الانسان في الواقع، من هنا فإن التطور المادي في الواقع ينبغي أن يكون مقرونا بمنظومة القيم إذا لم نقل محكوما بها!.

لسبب بسيط أن التطور المادي وحده سوف يربك حياة الانسان ويجعلها ناقصة على الدوام لأن القيم هي التي تعطي مضمونا ونكهة للتطور المادي، لذا من الخطأ أن نسمي التطور في الواقع، تقدما للانسان، فالتقدم هو العمل المقرون بالفكر السليم والمسنَد بمنظومة قيم تحميه من الانزلاق نحو الانحراف والتراجع، لذا ينبغي أن يكون هناك توافقا بين حركة الواقع والقيم الضابطة لها.

يقول الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيم (فقه المستقبل)، حول هذا الجانب: (الملاحظ أنّ بعض الشعوب تقدمت كثيراً في صُنع الواقع، لكنها لم تتقدّم في مجال القيم. فعلى سبيل المثال: إنّ التقدم العلمي والصناعي في الدول الغربية لم يواكبه تقدم في نطاق القيم، سواء كانت عقدية أو أخلاقية أو إيمانية).

ولذلك لابد أن يكون هناك تساوق بين الواقع والقيم من ناحية تطور الخط البياني لهما، فإذا كان الواقع أفضل من القيم يحدث اختلال واضح في العلاقات المجتمعية كافة، من هنا ينبغي أن يتبع الجزء الواقع الى الكل القين ويسير في ضوئها، حتى يتحقق النمو المتوازن بين الجانبين، وهذا بالتحديد يحقق تفوقا صحيحا للمجتمع، ولا يكون هناك خلل في منظومة القيم الامر الذي ينعكس سلبا على الواقع ويضر بالبشر كثيرا.

وهذا ما أكد عليه الامام الشيرازي عندما قال في كتابه (فقه المستقبل): (المطلوب أن يقترن هذا الجزء -الواقع- بذلك الكل - القيم-، حتى لا نشهد الانفصام الذي أضرَّ بالبشرية كثيراً).

أهداف الأمة الصالحة

لا شك أن هناك نوعا من التكامل بين الواقع والقيم، اذا تحقق هذا التكامل، فإن المشكلات الكبيرة والصغيرة بأشكالها كافة والتي تحدث نتيجة للحراك المجتمعي المتداخل مع بعضه، ستكون في طريقها الى الزوال، لأن القيم اذا توافقت مع حيثيات الواقع، سوف تنتهي الصراعات كافة، وذلك من خلال القضاء على التنافس غير المشروع، إذ ستكون القيم في هذه الحالة هي الضابط لحركة المجتمع وعموم العلاقات، حي ينضبط ايقاعها وفقا لمنظومة القيم التي تسهم في تحسين الواقع والارتقاء به بصورة دائمة، لدرجة يمكن القول بوضوح وتأكيد تام، أن الواقع المحكوم بمنظومة القيم، هول افضل بكثير من الواقع الذي لا تحكمه القيم لسبب بسيط ان الواقع الاخير سوف يكون منفلتا ولا انصاف فيه، الامر الذي يثير اشكالا وانواعا لا حصر لها من الصراعات والمشاكل العصيّة على الحل.

على العكس من ذلك تماما عندما تسود القيم، وتضبط ايقاع حركة وعلاقات المجتمع، في هذه الحالة سوف يسود الوئام والانسجام ويحل التطور بديلا عن التراجع والتخلف، بسبب قدرة القيم على تحسين الواقع ودعم العلاقات بشروط المساواة وتكافؤ الفرص ومعايير العدل التي تضمن للجميع حقوقهم، وهذا يساعد على صنع حاضر ومستقبل متميز للانسان.

من هنا يقول الامام الشيرازي حول هذا الجانب بكتابه نفسه: (عندما يتحقق التكامل بين الواقع والقيم تذوب الصراعات، وينتهي التنافس غير المشروع، وتعم العدالة، ويسود السلام، ويعلو صوت الحق، ويعيش الناس في طمأنينة وأمن، ويزدهر المستقبل يوماً بعد يوم).

ولعلنا نلاحظ الجانب الايجابي للامة، اذا تحقق التكامل بين الواقع والقيم، فالحقيقة أن اهم اهداف الامة ينصبُّ على تحقيق المستقبل الافضل، وهذا لن يتحقق من دون حاضر متوازن تسوده القيم الداعمة لحركة المجتمع ونشاطاته كافة، لذلك لابد من تفعيل منظومة القيم كي ترتقي بالواقع الى افضل المستويات، بعيدا عن حالات الانفلات التي ستحدث في حالة ضعف او غياب منظومة القيم.

كما يؤكد على ذلك الامام الشيرازي في قوله الدقيق: (هذه هي أهداف كل أمة صالحة تطمح إلى بناء المستقبل السعيد المشرق، فإذا انتهت البشرية إلى هذا الفهم، وإلى هذه النظرة الشمولية، وتمكنت من وضع المقاييس اللازمة لعدم الانفلات من هذا الفهم، يكون ذلك اليوم يوم سعادة وهناء لكل البشرية).

مسؤولية الطبقة الرائدة

إن المقاييس التي تساعد على التكامل بين الواقع ومنظومة القيم، تتوزع على بنود كثيرة، حيث يمكن لنا من خلالها ان نرى المستقبل المناسب، وهذه الامور هي التي يستحسنها العقل، لذلك لابد للعقلاء ان يسعوا جميعا في هذا الاتجاه لتحقيق هذا الهدف الجوهري، وذلك بسبب تأثيرهم الفاعل ومكانتهم الكبيرة في المجتمع، لذلك في الحقيقة تقع المسؤولية كامل عليهم في هذا المجال.

كما نلاحظ ذلك في قول الامام الشيرازي حول هذ الموضوع: (تتوزع المقاييس ـ الضابطة للتكاملية بين القيم والواقع ـ في بنود كثيرة، ونطمح أن نرى المستقبل من خلالها، وهي أمور يستحسنها العقل، فعلى عقلاء العالم السعي من أجلها، بعد توفير الوسائل للوصول إليها).

لذلك هناك مسؤولية كبيرة جدا تقع على عاتق الطبقة الرائدة للامة والمجتمع، وتتحدد هذه المسؤولية بالنهوض بمستوى الوعي لدى الناس جميعا، لكي يكونوا اكثر قدرة على رؤية الآفاق المستقبلة الجيدة بوضوح، وعندما يتحقق ذلك فعلا، فإن عزيمة الناس في هذا الاتجاه سوف تتضاعف بصورة كبيرة، وسوف يسعى الجميع لصنع القواعد والاسس المهمة والقادرة على بناء مستقبل متميز، ينطلق من حاضر وواقع يتكامل بصورة شفافة مع حزمة من القيم التي تساعد على تجميل هذا الواقع شكلا وجوهرا.

وهذا الامر سوف يسهم بصورة فعالة في استشراف المستقبل و(مجاهيله) ومحاولة استكناه خفاياه بصورة دقيقة، لكي يتمكن المعنيون من الامة وهم الطبقة الرائدة، من التأسيس الصحيح والتحرك السليم لبناء المستقبل المأمول، وهذا يستدعي أن تخوض الامة والمجتمع بكل طبقاته وشرائحه صراعا مريرا ازاء تحديات المستقبل.

كما يؤكد ذلك الامام الشيرازي قائلا بوضوح في هذا المجال: إن (مسؤولية الطبقة الرائدة في المجتمع هي توعية الناس عموما، وفتح عيونهم لحقائق المستقبل؛ لأنهم بذلك سيمنحونها الثقة وسيصنعون فيها العزيمة، والاستعداد لخوض غمار الصراع المرير مع تحديات المستقبل).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4