إسلاميات - الإمام الشيرازي

الشباب وحكومة ألف مليون مسلم

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الإمام السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه-

مقدمة:

تعد شريحة الشباب من أبرز وأقوى ادوات التغيير البلاد الطامحة للتغيير لما يمتلكونه من قوى ذهنية وقادة، وقوى عضلية ناشطة بإمكانها فعل الكثير لتغيير الواقع الموجود بغض النظر عن نوع التوجه والغاية، وما اذا كانت نحو الأسوأ أو الأحسن، بيد ان هذه القوة لا تلبث أن تضمحل عندما تتحول الثورات الى مسار آخر، كأن يتحول الثوار الى حكام، أو يتعرض مشروع التغيير لقمع النظام الحاكم، او تصاب بالفشل لسبب او لآخر، فيكون أول الضحايا؛ الشباب كونهم رأس حربة في الساحة، فاذا كانوا في ظل الحكم الثوري و"المعارضاتي" نجدهم ضمن جيش البطالة، وإن كانوا في ظل الحكم الديكتاتوري فمأواهم السجن، او التخوين ثم القتل، وربما الترحيل خارج البلاد.

ولكن؛ ثمة صورة أخرى غير هذه للشباب، يقدمها المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- عندما يجعل الشباب داينمو للتغيير على الصعيد العالمي، وليس المحلي فقط، بمعنى أنه يعطي بعداً أوسع لدورهم في العملية التغييرية بخلاف ما هم عليه في جميع البلدان التي شهدت الثورات والعمليات التغييرية، فليس من شأنهم إقامة نظام الحكم العادل القائم على القيم والمبادئ في بلدهم المحدود بالحدود الجغرافية المصطنعة وحسب، وإنما من شأنهم ايضاً التأثير على سائر البلاد الاسلامية ضمن رؤية حضارية وباسعة يبينها سماحته في المقطع الصوتي ويدعو بكل ثقة لأن يكون للشباب دور في إقامة حكومة المليار مسلم بالعالم.

لنقرأ، ثم نستمع الى حديث سماحة الامام الشيرازي –طاب ثراه-:

التنظيم الحديدي والتوعية الشاملة

"للشباب القدرة على الإسهام في تحقيق الطموح الكبير والعظيم، وهو تشكيل حكومة المليار مسلم في العالم من خلال التنظيم الحديدي الواسع، وحملات التوعية، وبعث الثقة في النفوس. وهذا يعني أن الشباب بفعلهم هذا سيعيدون أمجاد الرسول الأكرم، وأمير المؤمنين، صلوات الله عليهم، عندما وحدوا البلدان والشعوب في حكومة واحدة، فالنبي الاكرم، وفي صدر الاسلام، أسس حكومة واحدة ضمت خمس دول على خارطة اليوم؛ الحجاز، والكويت، والبحرين، واليمن الشمالي، واليمن الجنوبي، وفي عهد أمير المؤمنين بلغ بلد عدد هذه البلدان ضمن حكومته؛ خمسين دولة وفق الخارطة الجغرافية اليوم، وكانت دولة أمير المؤمنين، عليه السلام، أقوى دولة على وجه الأرض، فقد كان لها ألف والي و"محافظ"، وألف قاضي.

في هذه الدولة تحطمت كل مظاهر التمييز الاثني، من؛ عرقيات، ولغويات، وقوميات، وغيرهنّ، لذا يجب علينا أن نفهم أن طريق خلاصنا في إعادة الحياة الى تلك الدولة والتجربة الحضارية الفذّة، ونحن قادرون على ذلك قطعاً.

أجريت تقدير تخميني حول امكانية تحقيق هذا الطموح، ورأيت أن عشر سنوات فقط نحتاجها للوصول الى هذا الهدف، فالاحزاب والتنظيمات فاعلة في الساحة، بيد أن المشكلة في وجود سياسة تجهيل، وتضليل، ولف ودوران، والرشوة، هذه الاساليب تحول دون التقاء الحركات والتنظيمات بعضها ببعض. فاذا عملنا بهذا الامر نجونا و أنجينا، وإلا فان الله –تعالى- سيقيّض أناساً آخرين لهذه المهمة، كما جاء في الآية الكريمة في سورة المائدة: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وفي حديث عن الامام الصادق، عليه السلام: "الخير يكون"، بمعنى أن المهم أن تعمل انت حتى تكون من اهل الخير، فهناك من يصل الى درجة العلماء والمجاهدين والخطباء، إنما المهم أن أكون أنا ايضاً مثل هؤلاء.

بالحقيقة؛ الوقت الحاضر يمثل فرصة ذهبية لتحقيق هذه الحكومة العالمية، لان الشعوب سئمت السياسات الاستعمارية وما ينفذه أذنابها من الحكام، فلم يروا منهم إلا الارهاب والنهب والتخلف، نلاحظ الملايين من المسلمين يقتلون بالملايين بكل سهولة في البلاد الاسلامية، بدءاً من افغانستان، مروراً بالحرب العراقية –الايرانية، وحتى لبنان وفلسطين واريتريا. وفي الفلبين كان تعداد نفوس المسلمين 48مليون مسلم، وكانت لديهم حكومة مستقلة، فجاء الاستعمار ونصّب ماركوس لتدمير هذه الحكومة، وعلى اثر هذه الخطوة العدوانية سقط حوالي مائة الف قتيل من المسلمين.

لذا على الشباب مسؤولية العمل في طريق إنشاء هذه الحكومة العالمية من خلال التنظيم الحديدي الواسع، ومن خلال حملات التوعية لهذا المشروع العظيم بإيصال كتاب واحد لكل انسان مسلم في العالم، بمعنى أنكم تحتاجون بشكل أولي الى مليار نسخة كتاب، وهذا ليس بالامر الصعب، بل ممكن".

لا للانفصام عن التاريخ

جرى حديث مع صديق في بريطانيا عن الدرجات المطلوبة للطالب لدخول كلية الطب، فقال انها بحوالي (70)! وهي درجة لا تصدق في بلد مثل العراق، لأنها ترتقي عالياً جداً الى حد (98) او اكثر! فسألت عن السبب قال: ان الشباب البريطاني لا يهتم بالطب ولا الهندسة، إنما يهتم كثيراً بالفروع الانسانية وتحديداً؛ التاريخ والتراث والآثار، يدرسون هذه العلوم بشغف بالغ، وهذا إن دلّ على شيء فانما يؤكد أهمية التاريخ لدى الشعوب الناهضة والمتقدمة، فإن هي بلغت من التقدم العلمي والتقني مراتب عليا، فانما بفضل تجارب الماضين، فهم لم يبدأوا من الصفر ولم يلغوا كل ما حققه الأسلاف، مع التحقق من الاخطاء والسقطات الموجودة.

وقد تنبّه عديد المفكرين في بلادنا الى هذه الثغرة الخطيرة في منظومتنا الثقافية المنقطعة عن التاريخ والتراث تحت شعارات التجديد، والتحديث، وأن الحديث عن "التقاليد والاعراف، هو حديث عن الأموات"، وهذه كانت أولى خطوات الاستعمار في البلاد الاسلامية، فبعد التحرك العسكري لاحتلال الارض، عمد الى احتلال الفكر والعقيدة بمصادرة التاريخ والتراث، وإن عصى عليهم بشيء، عملوا جاهدين على تشويه هذا التاريخ وتصويره للجيل الجديد على أنه "لايصلح لزمن التقدم العلمي"، وان الحديث عن القيم والمبادئ إنما يذكرنا بمثاليات أفلاطون وطموحاته المجنحة، حتى ما ورد في القرآن الكريم، وما جاء على لسان النبي الأكرم، وأئمة أهل البيت، عليهم السلام، إنما هي منظومة من التوجيهات الاخلاقية والاحكام الشرعية التي تعنى بالروح والنفس أكثر مما تلامس واقع الحياة وتطوراتها المستمرة.

ومن التراث الحضاري لنا؛ الحكومة الاسلامية الواحدة التي طالما دعا اليها سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- والتي يطلق عليها تسمية حكومة ألف مليون مسلم، وفي جميع مؤلفاته وأحاديثه المتضمنة الاشارة الى هذا الطموح الكبير الذي كان يذكرنا به دائماً، كان يستشهد بدولة الرسول الأكرم في صدر الاسلام، وايضاً بدولة أمير المؤمنين، عليه السلام، كما كان يشير الى التاريخ المعاصر حيث كان الامام الراحل يستذكر في صباه كيف كان الناس يتنقلون من بلد الى آخر دون وجود اشياء مثل؛ الحدود، او جواز السفر، والفيزا وغيرها من الاجراءات المستحدثة.

ومعظم المثقفين اليوم عندما يسمعون بهذه الفكرة يجدون صعوبة بالغة في تفهمها و ايجاد مصاديق عملية لها على ارض الواقع، ويعدونها من المثاليات، او الطموحات بعيدة المنال، والسبب في ذلك أنهم، وقبلهم من الاجيال الماضية من المثقفين والمفكرين كُتب لهم تاريخ جديد غير التاريخ الذي يفترض ان يكون جزءاً من منظومتهم الثقافية، والذي يعبّر عن هويتهم وعقيدتهم، فربما يكون عهد النبي الأكرم، ودولة أمير المؤمنين، وسائر التجارب التاريخية، ليس في الشأن السياسي، وإنما في سائر الأمور، بالنسبة لشريحة واسعة من المثقفين والمفكرين مجرد معلومات تاريخية تصلح للترف الفكري وحسب، لا أن تكون طريقاً ومنهجاً للمضي في طريق السلف الصالح، وما حققوه من نجاحات باهرة في مجال العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما يتعلق بقضايا كبرى مثل؛ العلم، والأسرة، والاقتصاد، والأمن وغيرها، وقد حظيت بعض المجتمعات الاسلامية ببعض نفحات تلك التجارب الحضارية حتى وقت قريب قبل ان تجتاحها القوانين الوضعية، والتقاليد الجديدة فتغير من سلوك الافراد وتوجهات الناس، ولذا نجد أن سماحة الامام الراحل في هذا المقطع الصوتي يؤكد على إمكانية نجاح شريحة الشباب في تحقيق هذا الهدف الكبير، في إشارة منه الى أنه ليس من المستحيلات كما يتصوره الكثير.

ثقة الشباب بأنفسهم أولاً

العامل النفسي يعد الأهم في الانطلاقة الناجحة لعمل حضاري كبير مثل الإسهام في تشكيل حكومة ألف مليون مسلم، فالشباب سيكونون في الساحة بمنزلة الجنود في مواجهة التحديات الامر الذي يفترض توفر العامل النفسي الايجابي بكل مكوناته وعناصره، أبرزها؛ الثقة بالنفس، وأن يشعر الشاب أنه قادر بالفعل على أن يؤدي دوره في هذه المسيرة الطويلة.

ولذا نجد الامام الشيرازي الراحل يشير الى هذه النقطة الدقيقة ويدعو الشباب للانطلاق في رحاب العلم والمعرفة وتنمية المواهب والمهارات، وهذا من شأنه ان يوسع من شريحة العلماء والخطباء والكتاب والمثقفين في المجتمع، ولا يبقي الشباب مستمعين فقط للخطباء وقراء للكتاب، وهذا بدوره يسهّل مهمة إنشاء التنظيم الحديدي الواسع، وايضاً البدء بحملات توعية لهذا الهدف الكبير، ولعل من أبرز ما تعانيه الساحة وسط التحديات الماحقة هو قلة العلماء والخطباء والكتاب وسط شريحة واسعة من المجتمع المشغول بهمومه الشخصية مثل؛ العمل ولقمة العيش والسكن، وفي المقدمة نلاحظ الشباب يتصدرون التظاهرات للمطالبة بهذه الامور، كما يحصل في العراق، لنتصور شباب في عمر الزهور، وقد اجهدوا انفسهم، وسهروا وبذلوا الاموال والساعات لسنوات عديدة لطلب العلم ثم التخصص فيه، بدلاً من أن يكونوا عامل توعية وتطوير للمجتمع، نراهم اصبحوا لسان الحال المزري الذي يعيشه الفقراء والمحتاجين ومن هم على حافة الفقر.

نعم؛ نقول أن الشباب لهم دور في إصلاح أمور مجتمعاتهم في الاصعدة كافة، ومنها العلاقة مع مؤسسات الدولة، بيد أن دورهم الحقيقي في نشر الوعي والثقافة من خلال الكتابة والخطابة، وهذا الوعي من شأنه ان يرفع الفقراء والمظلومين من واقعهم السيئ، الى حيث الحياة السعيدة، ولو في نطاق البلد الذي يعيشون فيه مثل؛ العراق، وايضاً سائر البلاد المأزومة سياسياً واقتصادياً، ولعلها تكون تجربة بحد ذاتها لما هو أكبر وأعظم في حملات التوعية والتنظيم على الصعيد العالمي للمسلمين كافة بما يغير من واقعهم الفاسد الذي يشتركون في مظاهر عدّة مثل؛ تفشي الفساد الاداري، وتغليب المحسوبية، وفقدان التوزيع العادل للثروة وفرص العمل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2