عندما سئُل الكاتب المسيحي المشهور "انطوان بارا"، مؤلف كتاب "الحسين في الفكر المسيحي" عن المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) أجاب بالقول "منذ حقبة السبعينات تعرفت على السيد الشيرازي فشجعني على تأليف كتاب (الحسين في الفكر المسيحي) وإليه يرجع الفضل في تأليف الكتاب الصعب الذي لم أكن أستطيع تأليفه بدون مساعدته، تعرفت على قصة كربلاء من خلال الكتب التي أهداني إياها وحدثني كثيراً عن الحسين (ع) فأصبحت محباً لهذه الشخصية، ولقد أمضيت سنتين في دراسة كل ما اهداني اياه عن الحسين وكان يتابع تأليف الكتاب ويشجعني عليه لأن هذا أول كتاب لي حيث كنت شاباً صغيراً ومن الصعب أن يؤلف شاب مثلي كتاباً فكرياً سوف يقع بين أيدي العلماء والمفكرين".

وانطوان بارا كان واحداً من الاف الشباب الذين أثر فيهم المرجع الشيرازي بصورة مباشرة او غير مباشرة والسبب في ذلك الى ما قاله بارا في حديثه السابق وما أكد عليه لاحقاً بالقول: "والآن بعد 30 سنة من تأليف الكتاب اندهش كيف استطعت أن أكتب هذا الكتاب في هذا السن المبكر وأما الآن فإني لا أستطيع تأليف كتاب مثله أبداً ولكن بفضل الله وإشراف الإمام الشيرازي علي استطعت أن اتخطى سنوات طويلة من تحصيل الخبرة وأن أنتج هذا الكتاب الذي أفخر به من بين 15 كتاباً ألفتها".

كان السيد الشيرازي (رحمه الله) نموذجاً فذاً يحتذى به في العلم والعمل والصبر والجهاد والدعوة لنبذ العنف والتطور الفكري والثقافي وبناء الانسان والأمة، وقد خلق خلال مسيرة حياته العديد من المحطات المضيئة التي يمكن ان يستلهم منها الجميع ما يغنيهم، ولم يأت هذا الامر من فراغ بل نتيجة جهد جهيد على تطوير الذات وبناء النفس والعمل المتواصل حتى تحول الى ظاهرة تستحق الدراسة والمتابعة، وهو ما أشار اليه الدكتور محمد حسين الصغير بالقول: "السيد الشيرازي (قدس سره) داعية إسلامي كبير، ومرجع ديني معروف، وظاهرة فريدة في البحث والتأليف والنشر، وضرب به المثل في الصبر والمعاناة على ذلك".

وحتى لا نعيد ما قاله الاخرون عن علمية المرجع الشيرازي (رحمه الله) الواسعة وغزارة نتاجه الفكري والعلمي ونظرياته الدينية والسياسية والاقتصادية التي طرحها في كتبه ومحاضراته، وسيرة حياته العامرة على المستوى العملي والعلمي والمؤسسات التي أشرف على تأسيسها او شجع عليها وغيرها الكثير...

نجد من الأفضل ان نقف على عدد من النقاط التي امتازت بها مرجعية السيد الشيرازي عن المرجعيات الأخرى، مع الاخذ في الحسبان ان هذا الامتياز لا من سبيل الاختلاف السلبي وانما من باب الإضافة للمؤسسة الدينية ومراجعنا العظام الاعلام، وهم بذلك كباقة الورد التي تعطي كل وردة منها عطرا يبعث النفوس على الراحة والتزود من عطر الأخرى وهكذا.

1. الاهتمام ببناء الانسان:

لعل ما سردناه في بداية المقال عن الكاتب المسيحي المعروف (أنطوان بارا) مثال بسيط على اهتمام المرجع السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) بالإنسان او الفرد وإخراج طاقاته وما فيه من طاقة كامنة، وقد حدثني أكثر من شخص التقيت به، على مدار السنوات، ممن جالسوا المرجع الشيرازي او كانوا قريبين منه في حياته، انه كان يحث كل من يزوره او يجالسه على عمل معين كالكتابة او انشاء مؤسسة او بناء مصنع او دار للنشر... والغريب ان اغلب من نصحهم وشجعهم وتابعهم على هذا العمل قد نجحوا في ذلك بوقت قياسي في حين لم يكن ليخطر في بالهم المضي بهكذا مشاريع من الأساس.

يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) النحل:120، وهو مثال حي على تحول شخص واحد الى (امة) كاملة بفعله وعمله الذي يكون مثار اعجاب الجميع ومدعاة لتقليد الاخرين له والاقتداء به.

2. مواكبة التطور والحداثة:

كانت من أبرز سمات المرجع الشيرازي (رحمه الله) هو الاهتمام الفائق بالتطور الثقافي والفكري والعلمي والتكنولوجي ومواكبة الحداثة، فلم يطلب من مقلديه بناء الجوامع والحسينيات بقدر حثهم على تأسيس الفضائيات والصحف والمجلات، بل وحثهم على تخصيص قسم من بناية الحسينية او الجامع لإنشاء مؤسسة فكرية او ثقافية او مركز بحثي.

وكان يهتم كثيراً في مطالعة اخر الإصدارات من الكتب والدوريات والموسوعات الغربية وغيرها، بل والاستشهاد بكثير من مصادرها من دراسة او بحث او نظرية او استبيان لتوضيح وجهة نظره المعززة بالأرقام لتكون خير دليل على طرحه.

ولم تخل اغلب كتبه وكتيباته من طرح المواضيع المعاصرة له بأسلوب حديث يحوي اخر النظريات وأحدث الأرقام والاكتشافات العلمية، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي شجعت شريحة واسعة من الشباب والمثقفين على متابعة كتاباته ومحاضراته حتى من غير مقلديه.

3. إيجاد البدائل المناسبة:

لم يكن المرجع الشيرازي (رحمه الله) ينتقد شيء او يفند نظرية او يبطل فكرة روج لها طرف او جهة معينة الا ووضع البديل لها، وهو أسلوب علمي وعملي قل تطبيقه حتى في وقتنا الراهن، فهو قرن العلم بالعمل والنظرية بالتطبيق، وهذا الأسلوب كان أحد أسباب انتشار مرجعية الشيرازي في العالم.

عندما طرح المرجع الشيرازي نظرية (الشورى والتعددية) كان يأمل في ان تكون بديلا للانفراد بالحكم او الاستبداد الذي حاربه طوال عمره ودفع الثمن حياته، وعندما اتخذ نهج (اللاعنف) ورفعه كشعار في حياته وكتاباته استناداً لقوله تعالى (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) البقرة: 108، كان بذلك يطبق باسلوب عملي وحضاري رفضه واستنكاره للعنف والدمار والقتل، بل والأكثر من ذلك، عندما انتقد الاعلام الغربي وما فيه من انحلال خلقي واخلاقي وفساد اجتماعي كبير، وجد البديل في الدعوة لتأسيس اعلام هادف ومعتدل يقوم على أسس أخلاقية وإسلامية عالية.

ونحن نعيش أيام الذكرى السنوية لوفاة المرجع الكبير الامام السيد محمد الشيرازي (نستحضر الكلمات التي قالها رجل الدين السعودي الشيخ حسن الصفار عن المرجع الشيرازي: "لقد أنجبته عائلة علمية جهادية عريقة وتربى في اجواء الفضيلة والتقوى حتى أصبح من أبرز مراجع الدين في هذا العصر، وامتاز بعلميته الواسعة، وانتاجه الغزير في مختلف ميادين المعرفة، حتى تجاوزت مؤلفاته رقم الألف كتاب، وهو رقم قياسي في تاريخ الكتابة والتأليف".

وأضاف الصفار: "وهو رائد ومؤسس خط جهادي أصيل يتبنى الدعوة الى الله، والعمل لإنقاذ الامة، عبر برامج التوعية والتربية، والتغيير الاجتماعي، والاساليب الحضارية، بعيداً عن وسائل العنف والتطرف، وكان قمة في التحلي بمكارم الاخلاق، يتسع صدره لجميع الناس، ويحترم الرأي الآخر، ويغضي عن السيئة، ويقابلها بالإحسان، كما هي سيرة اسلافه واجداده من اهل البيت عليهم السلام، ولقد قضى حياته منذ نعومة أظفاره والى أن اختاره الله الى جواره، في خدمة الإسلام والامة دون كلل أو ملل، متحملاً صنوف الاذى والمعاناة، بثبات وصبر عظيم".

وختم بالقول: "وإذ تفقده الامة اليوم في هذه الظروف الحساسة الخطيرة، فإن ذلك يشكل خسارة فادحة ومصيبة عظمى، ولكن الامر لله، وإنا لله وإنا اليه راجعون".

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

..............................................
المصادر
1. القران الكريم.
2. قادة الفكر الديني والسياسي في النجف الأشرف/ الدكتور محمد حسين الصغير.
3. ويكيبيديا.
4. مقالات شبكة النبأ الالكترونية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1