كلمة الطَموح في اللغة (اسم) وهي مصدر (طمح) ومعناها: سعيٌ إلى الأمجاد والمراتب العالية، وطمح ببصره إليه: نظر إليه، وطمح في الطلب: أبعد فيه، وهكذا، والإنسان الطَمُوح هو ذلك الإنسان الذي ينظر إلى الغايات والأهداف ويسعى لتحقيقها، سواء كانت غايات وأهدافاً نبيلة أو غير نبيلة، والذي يهمنا هو الطموحات العالية لتحقيق الغايات النبيلة فقط.

وقد تكون هذه الطموحات النبيلة على المستوى الشخصي أو على المستوى الاجتماعي أو على مستوى الأمة ككل، وهو أرفع أنواع هذه الطموحات وأسماها، ومن هنا عُرف عن بعض العظماء بجملة (أمة في رجل)، ومنهم في القرن العشرين والواحد والعشرين الإمام محمد الشيرازي "قده".

فهو بحقّ رجل أُمّة أراد بكل صدق أن ينقذها من براثن الاستعمار إلى حضارة الرّقي والتطوّر والرفاه والسلام، وسعى إلى ذلك طوال عمره حتى آخر يوم في حياته، وما موسوعته الفقهية إلا معجزة من معاجز التاريخ الحديث، وما أطروحاته الرائعة والتي جدد بها علم الفقه وقفز به من أساليبه القديمة، إلى الأساليب الحديثة المواكبة للعصر وما فيه من المتغيرات على مختلف الصّعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن يرتبط بالإمام الشيرازي ويقرأ فكره ويستزيد من معارفه وعلومه، لا يملك إلا أن يطمح أن يكون مثله قدر المستطاع، ولو بصورة مُصغّرة، ولا ضير في ذلك، ولكن يجب أن يكون ذلك عن قناعة ذاتية وإيمان عميق وعمل حثيث.

في إحدى مواعظه الخاصة التي ألقاها على بعض طلبة حوزة الإمام الباقر (عليه السلام)، وذلك في مقر إقامته المؤقتة بمشهد المقدسة قادماً من مدينة قم بعد القصف الصدامي للمدينة، قبل أكثر من 33 عاماً، لا زلت أتذكر هذه الكلمة أو ما يتوافق مع معناها: (لا تضع لطموحك أيّ حدّ).. وهي بالفعل كلمة جميلة، لأنها تكسر كل القيود، وتهدم كل العقبات، وتتجاوز كل خطوط المنع، إنها باختصار تفتح لك بوابة كبيرة لتحقيق كل طموحاتك المشروعة في هذه الحياة، فتدخل من هذه البوابة بثقة عالية، وروحية ملؤها التفاؤل والأمل، التفاؤل بإمكانية تحقيق كل الأحلام فالحقائق كانت من قبل مجرد أحلام، ولكن بإصرار الناجحين تحققت وأصبحت واقعاً، وكذلك الأمل الإيجابي المستمر مع شخصياتنا والملاصق لنفوسنا وأرواحنا، حتى نصل لغاياتنا النبيلة بسلام وأمان.

قال لي، كما قال لبقية الأخوة الذين كانوا معني: اكتب مائة كتاب.

وكأنه ينصحني بهذه النصيحة أسمعه يقول لي:

ألا فاطمَحْ بِكلّكَ للمعالي***** ولا ترضى بما دونَ الكمالِ[1]

فسعيُ المرءِ للأمجادِ نورٌ *****سيقبسُهُ الوُعاةُ مِنَ الرّجالِ

وها أنا منذ عدة سنوات وأنا أخطط لطباعة هذا الكم المطلوب من الكتب، ولكنني لم أحقق سوى 25% من هذا الهدف النبيل،[2] وكلما تذكرت هذه النصيحة أعود للكتابة، وأعتكف في مكتبتي الخاصة لعلّي أجد شيئاً ما أكتب عنه، أو فكرة مشروع كتابي جديد، أو إشكالية مُعيّنة لا يزال فيها بعض الثغرات التي لم تُسدّ لحلها حلا كاملاً فأساهم نوعاً ما في سد بعض هذه الثغرات، أو أتأمّل قليلاً لأبحث عن مدخل جميل لقصيدة جميلة أضمّها لدواويني القادمة بإذن الله، وهكذا يستمر معي هذا الاحتدام الداخلي منذ أوّل ثانية أمسك فيها بالقلم أمام كم هائل من الأوراق، وبالذات ذلك النوع من الورق القديم الذي يسمونه (الورق الحجازي) المُسطر، والذي لا زلت أستخدمه حتى يومنا هذا، أو أولّ ثانية أضع فيها أصابعي على (الكي بورد) حتى آخر سطر أو آخر بيت شعر، أو آخر كلمة من النص الذي أقوم بكتابته سواء كان نثراً أم شعراً، مقالة كانت أم دراسة أم بحثاً، أم تعليقاً أم شرحاً أم تهميشاً، وهكذا.

الإمام الشيرازي منذ أن دخل في حياتي، لا يزال فيها، ومنذ أن دخلت أنا في حياته، لا زلتُ فيها.. كيف لا أقول ذلك والإمام الشيرازي هو الأستاذ الأكبر لعدة أجيال منذ أيامه في كربلاء، وحتى أيامه الأخيرة في قم، وحتى يومنا هذا، وسيظل كذلك لأجيال عديدة قادمة إن شاء الله، مصداقاً لقوله تعالى:

(ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون).[3]

وكما قال الإمام الشيرازي "قده" في (تبيين القرآن): " الكلام الطيب ثابت في الأرض، وينفع الناس كما ينفع ثمر الشجرة"،[4] كذلك هذا العالم الرباني فما هو إلا مصداق من مصاديق الكلمة الطيبة، تلك الكلمة التي تخرج من القلب النقي الطاهر، ولا تجد مستقراً لها إلا في القلوب المتعطشة إلى تلك الكلمة، التي هي العلم والولاية، وإن كان آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي "قده" قد كتب موسوعة الكلمة، وسمى لكل معصوم كلمة (كلمة الرسول)، كلمة (الإمام علي) (كلمة الإمام الحسن) (كلمة الإمام الحسين) وهكذا بقية الأئمة حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنني لا أُبهِضُ حق الإمام الشيرازي "قده" إذا دعوت واقترحت على أحد المجتهدين لكتابة كتاب ضخم بعنوان (كلمة الإمام الشيرازي "قده")، فهي كلمة اشتقها الإمام الراحل من كل تلك الكلمات بكل صدق ووفاء وإخلاص ويقين، وإنّي لأظن – وهو ظن صادق حتماً – بأنّ (كلمة الإمام الشيرازي) التي هي مشروعه الحضاري لإنقاذ الأمة الإسلامية جمعاء ونقلها من هذه الهزيمة الحضارية إلى أوج المجد الذي كان يطمح إليه الإمام الشيرازي في كتبه وأطروحاته، هذه الكلمة ستكون هدفاً نبيلاً لكل المفكرين والفلاسفة والحكماء في العالم الإسلامي لفهمها واستيعابها ومن ثم تطبيقها على الواقع الخارجي، لأنها باختصار (كلمة حقٍّ)، والحق يعلو ولا يُعلى عليه، ويصدق في (كلمة الإمام الشيرازي) هذه الأبيات الثلاثة:

وفي الكلماتِ سرّ اللهِ يبدو****كشمسٍ تملأُ الدّنيا سطوعا[5]

ولكنّ العَمَى وارَى****عقولاً فخلفِ الجهلِ آثرتِ الهُجُوعا

وكِلْمَةُ سيدِ الأحرارِ تعلو**** بآلِ البيتِ عاودتِ الطلوعا

رحم الله الإمام الشيرازي "قده"، ونسأل الله أن يوفقنا وأن يسدد خطانا وأن نكون ممن يسير على هدى هذا العالم الرباني العظيم، وأن نحقق طموحاتنا النبيلة وأن نكون ممن يعملون لله لإنقاذ هذه الأمة من هذا السقوط في دهليز الهزائم المظلمة، وما ذلك على الله بعزيز.

* عقيل بن ناجي المسكين-سيهات، الكوثر

.............................
[1] البيتان من شعري، وهما على بحر الوافر.
[2] الكتب التي طبعت لي حتى تاريخ كتابة هذا المقال 20 كتاباً، وخمسة كتب أخرى تحت الإعداد النهائي للطباعة، وللتفصيل بمكن مراجعة السيرة الذاتية.
[3] سورة إبراهيم، آية 24، 25-.
[4] تبيين القرآن، المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي "قده"، دار العلوم، بيروت، لنان، ط: 3، 1423هـ، 2003م، سورة إبراهيم، آية 24، 25.
[5] الأبيات الثلاثة من شعري، وهما على بحر الوافر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0