إسلاميات - الإمام الشيرازي

انتظار الفرج بين يد الغيب وإرادة الشعوب

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الإمام السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه-

مقدمة:

ما برحت فكرة الانقاذ والخلاص من الطغاة والظالمين، او ما ورد في نصّ الأحاديث الشريفة بـ"انتظار الفرج"، تراود الفئة الضعيفة من البشر، و ربما تكون جزءاً من مفهوم الأمل لدى الانسان المغلوب على أمره، والفاقد لاسباب القوة والمنعة.

وبالرغم مما كتبه العلماء والمفكرون، وتحدثوا ونظروا عن النهضة والتحرك والتحدي للتقليل من وطأة الجبابرة والظالمين – على الاقل- او التمكين بمواجهتهم والاطاحة بهم بمختلف السبل، نرى البعض يؤمن بان خلاصه ونجاته لن تكون إلا على يد شخص مقتدر يمتلك كل اسباب القوة الفائقة، كما نلاحظه في الشعوب التي ترزح تحت وطأة الديكتاتوريات العسكرية، او الانظمة المستبدة، او تلك التي رزحت فيما مضى من الزمن تحت وطأة الاحتلال العسكري لقوى عالمية كبرى.

هذه الفكرة (الانقاذ والخلاص) ألقت بظلالها على مفهوم الانتظار الايجابي للامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، والغائب عن الانظار منذ حوالي اثني عشر قرناً من الزمن، وهو على قيد الحياة في هذا العالم، بل واكتسب الأمر جانباً مقدساً كرّس القناعة بأن الخلاص والنجاة إنما هي قضية غيبية لا دخل للانسان فيها، لذا ما علينا سوى الانتظار! وهذا ما ينقده سماحة الامام الراحل في هذا المقطع الصوتي عندما يسلط الضوء على الآية القرآنية الدالة على الظهور ويوم الخلاص العالمي، ويقدم رؤية أخرى للموضوع، لنقرأ ونستمع:

لدينا بضاعة جديدة؟!

"جاء في الآية الكريمة من سورة القصص: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).

ثمة قراءتان لهذه الآية الكريمة:

الاولى: ترى أنها تعبر عن فعل غيبي من الله –تعالى- بدليل نصّ كلمة {نريد}،وهي الارادة الإلهية بالانتصار للضعفاء والمضطهدين، ثم يجعلهم الله –تعالى- الأئمة الذين يقودون البلاد بعد الاطاحة بالجبابرة والطغاة. كل ذلك بارادة غيبية لا يتدخل فيها الانسان.

ثم تقول الآية بان الارادة الإلهية تمنح القدرة لهؤلاء المستضعفين ليتحولوا الى قادة وسادة وأئمة بامكانات كبيرة.

أما القراءة الثانية؛ فترى خلاف ذلك، فليس في الامر عمل غيبي من الله –تعالى- إنما هي سنّة الحياة، فكل من يأتي بجديد ومفيد للناس، لابد وأن يسود يوماً ما في الحياة. مثالٌ على ذلك:

كان الناس في العراق –تحديداً- يستخدمون المراوح اليدوية المصنوعة من سعف النخيل (الخوص) للتهوية والتقليل من حرارة الصيف، ولكن؛ جاء يوم تم فيه اختراع المروحة الكهربائية، وبات الناس يجلسون وينامون تحتها بكل راحة واطئمنان وهي تبعث لهم الهواء البارد، فاذا –افتراضاً- أعلن مخترع المروحة الكهربائية في تلك الفترة، أن اختراعه سيغزو العالم، فهل يعني هذا ان يتحدث عن الغيب؟ لان مجرد أفضلية بضاعته واختراعه يعطيه المصداقية لما يقدم من انتاج للعالم.

وهكذا الحال بالنسبة للمبادئ الاسلامية، فان معيار وجودها في العالم، تفوقها وفوائدها، حتى وإن لم تأت في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، لان أي انسان عاقل ويفكر بشكل صحيح، يؤكد ان الاسلام سيسود العالم يوما ما، بمبادئه وأحكامه ومناهجة، مهما بذل الطغاة والحكام الظالمون سعيهم في مصادرة الحريات وانتهاك الحقوق للحيلولة دون سقوطهم المحتوم".

تقرير المصير وصناعة المستقبل

تشير الروايات الى أن الآية القرآنية التي استشهد بها الامام الراحل –طاب ثراه- تتعلق بيوم ظهور الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، ففي كتابه؛ المهدي في القرآن، لمؤلفه سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي –دام ظله- أورد سماحته من تفسير البرهان، روايات الأئمة المعصومين على لسان رواة سنة مثل؛ العالم الحنفي، والحافظ سليمان القندوزي، ذكروا بان {ونريد ان نمنّ على الذين استضعفوا في الارض}، "مخصوصة بصاحب الأمر الذي يظهر في آخر الزمان، ويبيد الجبابرة والفراعنة، ويملك الارض شرقاً وغرباً، ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً".

وفي تفسير البرهان ايضاً – كما في المؤلف المذكور- روى العالم الحنفي عن الإمامين الباقر والصادق، عليهما السلام، ان {فرعون وهامان} اللذين ورد ذكرهما في الآية الكريمة هما "شخصان من جبابرة قريش يُحييهما الله -تعالى- عند قيام القائم من آل محمد في آخر الزمان، فينتقم منهما بما أسلفا".

هذا الجانب الغيبي يمثل الوجه الاول من القضية، ويتعلق بالعقيدة والايمان، وان يكون الانسان المسلم مؤمناً بوجود الامام الثاني عشر على قيد الحياة منذ غيبته الكبرى سنة 329للهجرة، ويبقى الوجه الآخر؛ وهو الوجه العملي ويتعلق بحياة الانسان ومنهج تفكيره واساليب عمله لمعالجة مشاكله وأزماته في ضوء فكرة الانتظار والخلاص على يد الامام المهدي المنتظر.

فعندما نكثر من الحديث عن مفهوم "تقرير المصير" في الادبيات السياسية، يفترض ان يتجاوز هذا المصير الهمّ السياسي، ونمط نظام الحكم الذي يرتضيه الناس، وطبيعة العلاقة بينهم وبين الحاكم، الى ما هو أبعد من ذلك، حيث يشمل جوانب الحياة كافة، كون السياسة والحكم وسائل لتحقيق الغايات الكبرى والسامية في حياة الانسان، فقبل ان تحتل الصدارة في التفكير والجهود الجبارة، وتستهلك القدرات والامكانات، ينبغي تنشيط مراكز الابحاث والدراسات، ويجلس العلماء والمفكرون ليقرروا مصير الثقافة والعقيدة والاخلاق في الامة، وما هو شكلها المطلوب أو الممكن في الوقت الراهن.

سماحة الامام السيد محمد الشيرازي من خلال تدبره بالآية الكريمة يؤشر الى خلل كبير ضرب العقلية الاسلامية في القرن الاخير، وهو التوقف عن الابداع الفكري والجمود الثقافي، فضلاً عن السبات الحضاري الذي غطّت فيه الامة منذ قرون خلت. ويؤكد ان المنّة الإلهية على المستضعفين والمغلوبين على أمرهم، بالخلاص من حكامهم الظلمة، لا يعني انتظار يد الغيب لتنتشلهم من مستنقع ازماتهم ومحنهم، بقدر ما هي اشارة الى الفرص المتاحة امام ابناء الامة لخلق البدائل والابتكار والابداع في كل شيء، لتغيير الواقع الفاسد، مثالنا في ذلك؛ الشعب الهندي الذي رزح مدة خمسة قرون في قبضة الاستعمار البريطاني، وفي نهاية المطاف ظهر رجل شاب يدعى "موهنداس" وهو طالب جامعي يدرس القانون، ليتحول الى غاندي، ذاك المحرر العظيم، فلو كان احد زملائه في الجامعة بلندن سأله يوماً: هل يمكن ان تكون قائداً لشعبك وتحرره من الاستعمار البريطاني، ربما لم يكن متأكداً من الاجابة القاطعة، ولكن؛ هذه الاجابة تحققت على ارض الواقع عندما عاد الى وطنه، وانخرط في صفوف الجماهير المقهورة والجائعة والمتخلفة بشكل فضيع، وتخلّى عن البدلة الانيقة واكتفيى بقطعة قماش واحدة تستر جسده النحيف، وأخذ يتجول في الارجاء حافي القدمين وهو يتطلع الى هدفه البعيد بأن يحرر شعبه من الاستعباد والتخلف والحرمان، وقد نجح في ذلك.

وفي غير مرة، أكد سماحة الامام الراحل، بل وعديد العلماء العاملين في الساحة، أن الحياة يصنعها قانون الاسباب، وليس قانون الغيب – في معظم الحالات- وهذا ما علمنا إياه النبي الأكرم، ومن بعده أمير المؤمنين والأئمة الأحد عشر، عليهم السلام، فهم لم يعتمدوا على الغيب في صنع الواقع الذي كانوا يعيشون فيه، انما بينوا معالم الطريق والمنهج الأمثل والأكمل ليختار الناس طريقهم ومصيرهم بانفسهم، فهم المسؤولون عن واقعهم الفاسد، وهم من يستطيع تغييره ايضاً.

ولو القينا نظرة على تجربة "أهل الكوفة" مع الواقع الفاسد ومساوئ الحكام الطغاة منذ النهضة الحسينية، لوجدنا مصداق الفكرة التي يتحدث عنها الامام الشيرازي الراحل، صحيح أنهم خذلوا الامام الحسين، عليه السلام، وحصل ما حصل في تلك الواقعة المدوية عبر التاريخ، بيد أنهم قرروا الأخذ بزمام مصيرهم بأنفسهم، لتتحول هذه المدينة التي دخلتها رؤوس أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، كما دخلتها عيال الامام الحسين، وهم سبايا، الى منطلق للثورات العارمة التي زعزعت عروش الطغاة من بني أمية وبني العباس، ونشرت الوعي والثقافة في اوساط الأمة، و اعطتها الثقة العالية بالنفس بإمكانية الاطاحة بأي حاكم ظالم مهما كانت جبروته وقوته.

ولو كان المسلمون قد قرأوا هذه الآية الكريمة منذ تلك الايام بالطريقة الثانية، ربما لما سقطت الامة في مستنقع الجهل والحرمان والتخلف، وتسمح لحكام جهلة لا يفقهون من الحياة سوى القسوة والتسلط، من ان يعبثوا بمصائر الشعوب، ويرسموا لهم مستقبلهم الذي نراه اليوم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1