في ساحة المواجهة بين معسكر الامام الحسين، والمعسكر الأموي، كل شيء يشير الى القتال والمواجهة المحتدمة، وفي لحظة غضب انتابت زهير بن القين، من إساءة صدرت من الشمر، اراد أن يجيبه بسهم يطلقه عليه، فمنعه الامام الحسين، وقال: "أكره ان ابدأهم بقتال".

هنالك فارق واضح بين المنهج والسلوك، وبين الوسيلة المؤدية الى الهدف، الاول؛ يكون من المتبنيات الثابتة، تواكب صاحبها في جميع مراحل حياته، بينما الثانية؛ تمثل حالة متغيرة تعين على تحقيق الهدف، ولانها ليست من الثوابت في فكر الانسان، نراها تخضع للتحجيم او التوسيع، حسب مقتضيات الظروف والحاجة اليها، مثال ذلك؛ المال، فهو خير وسيلة لتحقيق اكبر الاهداف النبيلة، بيد ان من يحقق هذه الاهداف لن يكون انساناً مادياً، إنما انساناً نبيلاً وحضارياً او أية سمة اخرى تنعكس من جوهر عمله الناجح، في تشييد مستشفى او إقامة مصرف للقرض الحسن، او أقام مشروعاً انتاجياً يوفر فرص عمل للعاطلين.

بينما هنالك أمور يتبناها الانسان ويؤمن بها فترافقه طيلة حياته، بل تكون عنوان شخصيته بعد مماته، مثل الاخلاق والقيم الدينية، واذا قرأنا التاريخ الاسلامي في صفحته البيضاء الاولى، نجد أن الحرب والقتال لم يكن ضمن المنهج والسلوك النبوي، بقدر ما كان وسيلة لنشر راية الاسلام في الآفاق وإيصال كلمة الحق الى البشرية، وكانت طريقة الاستخدام دفاعية بامتياز، كما تؤكد المصادر كافة، بمعنى أن السيف عند النبي، ومن بعده؛ أمير المؤمنين، وايضاً الإمامين الحسن والحسين، عليهم السلام، كانت مهمته دفاعية، او لتقويم الاعوجاج في طريق الرسالة، وليس لفرض شخصية قيادية، او تثبيت نظام حكم، كما فعل الآخرون، وتسببوا بمجازر مريعة طيلة القرون الماضية.

هذه الاشكالية الفكرية، لم يبتلَ بها الحكام وأهل السلطة، وانما حتى اصحاب النظريات والافكار ممن راموا التغيير الثقافي في المجتمعات الاسلامية، ففي الوقت الذي يتحدثوا عن النظام الاسلامي، وعن قيم مثل؛ الحرية والمساواة والعدل، يبيحون لانفسهم خوض الصراع الشرس مع من لا يوافقهم في الرأي او ينتقدهم ويحدد نقاط ضعف في افكارهم، ومع مرور الزمن يتضح أن العنف والديكتاتورية هي حجر الزاوية في منهجهم وفكرهم، وهي التي تقفز الى الواجهة عندما تصل الامور الى المصالح والمكاسب.

بيد ان الساحة لم تخلُ ممن يتميّز بطرحه الحضاري ومنهجه الرسالي الأصيل، الذي لم يكن العنف والانجرار الى المواجهات والمهاترات في منهجه ولا في أدوات عمله، ذلك؛ المرجع الديني الإمام السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- الذي آثر العمل الدؤوب والتفكير بالانتاج والابداع والعطاء اكثر من التفكير في مواجهة الحاسدين والشككين ومن يرون مصالحهم ووجودهم في الساحة في التهميش والإلغاء لمن يختلف معهم.

إن جميع المناوئين للإمام الراحل لم تستوقفهم وتثيرهم مشاريعه ومؤلفاته ومبادراته المميزة اجتماعياً وثقافياً، بقدر ما حيّرهم صبره وطول أناته في مواجهة سيول من الاتهامات التي لو كانت نازلة على أي شخصية أخرى لجعلتها دكّاً –إن جاز التعبير- بيد أن إصرار الامام الشيرازي على منهجية اللاعنف وعدم الانجرار وراء المهاترات الرخيصة، هي التي جعلته في مستوىً يغبطه عليه نفس أولئك المنافسين (الحاسدين) عندما رحل الى الرفيق الأعلى، فأشادوا بصبره وصموده.

وذات مرة جاء اليه عدد من العاملين في مكتبه بقم المقدسة وهم يحملون منشوراً من الاوراق الصفراء ضد سماحته، وطالبوا بالرد، ولو ببيان يوضح الحقائق للناس، ولكن؛ حتى هذا المستوى من الرد الذي يراه البعض حقّاً مكفولاً له، أوصى سماحته بغضّ الطرف عنه والسبب في ذلك أن الانجرار وراء الاتهامات والرد عليها، او التشكيك واثبات عكسه، يستهلك جهداً ذهنياً وعضلياً مع إضاعة ساعات ثمينة من عمر الانسان التي دائماً ما كان يحولها –رحمه الله- الى تأليف او تحقيق او متابعة لنشاطات ولقاءات مع شرائح مختلفة من المجتمع. وهنا تحديداً يكمن الذكاء من سماحته في ادارة الصراع وتحويله من ساحة لقتل الوقت واستهلاك الجهود الى فرصة لتجاوز هذه العقبة من خلال تعبئة النفوس وشحذ الهمم للمزيد من العمل وعدم التوقف مطلقاً مهما كانت الاسباب، وعندما كان بعض من أولئك المناوئين يأتون اليه في الايام الاخيرة من حياته، معتذرين نادمين على صدر منهم، كان سماحته يعرب عن عدم اهتمامه بما مضى ويعده كأن شيئاً لم يكن تماماً.

وفي كتابه؛ اللاعنف منهج وسلوك، يبين سماحة الامام الشيرازي الى هذه الحقيقة الثابتة بأن من "يتولى عملاً من الأعمال أو مسؤولية من المسؤوليات، غالباً ما يواجه ببعض العقبات والصعوبات والمعوقات التي تعترض سير عمله، وقد تكون هذه العقبات مادية أو معنوية. وتختلف ردود أفعال الناس تجاه هذه العقبات من شخص لآخر تبعاً لدرجة الوعي والإيمان الذي يمتلكه الفرد، وتبعاً لتكامل شخصية العامل ـ من ناحية الخبرة والنضوج والهمة، فقد ينهزم شخص أمام أبسط العقبات؛ لأنه لا يعتقد بإمكانية تجاوزها، وقد يصمد آخر أمام أعتى وأشد الصعوبات".

هنا يقفز السؤال عن كيفية الجمع بين العمل وسط سهام الاتهامات والتحديات، وبين التمسك بحالة اللاعنف؟ يجيب سماحته في مؤلفه القيّم هذا، بان "من أهم ما يتطلبه العمل الصحيح الذي يعطي ثماره ويرضاه الله سبحانه وتعالى، هو أن يكون مصحوباً باللاعنف وممتزجاً بالتقوى والورع والأخلاق، وقال رسول الله، صلى الله عليه وآله: "ما وضع الرفق على شيء إلا زانه، ولا وضع الخرق على شي‏ء إلا شانه، فمن أعطي الرفق أعطي خير الدنيا والآخرة، ومن حُرِمه حرم خير الدنيا والآخرة"، لذا يجب أن يخلو عملنا من العنف، ويمتاز بالتفاهم والخُلُق الرفيع واحترام الرأي الآخر، ومتى ما اقترنت هذه الصفات مع عمل أي فرد أو جماعة أو أمة فإنها سترتقي به سلم التقدم والسيادة".

ان التجارب الناجحة لعلماء ومفكرين قدموا نظريات راقية في النهضة والإصلاح والتغيير، وايضاً، وايضاً ثوار قادوا حركة تغيير شاملة، وغيرهم كثير، كانت تخلو من أي انجرار نحو النزاع اللفظي او الصراع على صفحات الجرائد والكتب، كما كان سابقاً، ثم مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحاضر، فيما نرى العكس بالعكس تماماً، فمن ينشغل بالصراعات مع هذا وذاك، إن لم نقل يتعرض للفشل والانهيار، فانه –بالقطع- سيخسر قدراً كبيراً من جهوده الفكرية وامكاناته المادية مما يترك أثره المباشر على أداءه المهني، وهو بدوره يترك تأثيراً بالغاً على المخاطب عندما يلحظ أن الجهة الاعلامية او المؤسسة الثقافية او حتى شخصية ما، منهمكة بالصراع مع جهة اخرى اكثر مما تفكر بالحلول لمشاكل يعيشها الناس، فضلاً عن التفكير بمستقبلها ومستقبل ابنائها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2