إسلاميات - الإمام الشيرازي

من لم يحطِّم المتاعب حطّمته

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

في حياة الإنسان متاعب لا تعد ولا تحصى، منها البسيطة السهلة، ومنها الكبيرة المعقدة، وكل من النوعين يتطلب جهدا كبيرا من الإنسان، أشبه بخوض الصراع ضد عدو صعب المراس، نعم إن مواجهة المصاعب وتذليلها وتحييد تأثيرها على الإنسان وخياراته ومبادئه، تمثل أكبر المشكلات التي يواجهها في حياته، لذلك على الإنسان أن يستعد جيدا لمثل هذه المهمة العصيبة.

أما اختيار الهزيمة أمام المتعب فهو خيار سهل لا يحتاج من البشر سوى الخنوع، والتراجع والانكماش، والبقاء في حالة ركود وسبات أبدي بلا أي دور يذكر، وكأن الإنسان في وضعه هذا لم يأت الحياة ولم يولد أصلا لأنه يكون بلا أي دور في تطوير الحياة ودفعها إلى أمام.

لذلك لا يصح انتظار الوقت الذي يروق للإنسان كي يبدأ بالعمل أو اطلاق المشاريع بمختلف المجالات الفكرية أو المادية، فالمهم أن لا يتوقف الإنسان عن المضي في مشاريعه، ولا ينتظر الوقت، ولا يختبئ خلف الحجج الواهية والأعذار التي يمكن له وضعها خلف ظهره والشروع بقوة في العمل والإنتاج ومواجهة المصاعب مهما كان نوعها أو درجة تأثيرها عليه.

يقول الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتاب (شروط تقدم الجماعات):

(لا يجوز انتظار الوقت الأفضل لإنجاز العمل إلاّ في موارد خاصة، أما من يقول إنه ينتظر ذلك، فليس هذا إلاّ تهرباً من المسؤولية في بعض الأحيان، ومثله مثل من يقول: إنه يتحرى العمل الأفضل، وليتذكر صاحب القدرة المثل المشهور: (من لم يحطم المتاعب حطمته).

لذلك مطلوب من الإنسان أن يتذكر بأن الهزيمة قد يصنعها بنفسه، وهي تتمثل في عدم مواجهته الحاسمة للمتاعب بمختلف أحجامها وأصنافها، أما إذا تصدى لها فإنها سوف تصغر وتُحجَّم أما إرادته العظيمة، فيكسب النصر وهي تتدحرج نحو الفناء والزوال التام.

وبعد أن يحسم أمره في مواجهة المصاعب التي تسعى لتحطيمه ويتجاوزها، عليه في هذه الحالة أن يتحلى بإرادة التنفيذ الفولاذية لأفكاره ومشاريعه، وعندما توصد الأبواب بوجهه، فإنه مطالب في هذه الحالة أن يبحث بقوة وارادة تنفيذ لا تقهر عن الأبواب البديلة لإتمام مشاريعه.

إذ يحث الإمام الشيرازي صاحب العمل بقوله:

(ليتذكر صاحب القدرة دائماً أن إرادة التنفيذ عامل من عوامل النجاح، والمريد للتنفيذ إذا أوصد أمامه ألف باب دخل من الباب الواحد والألف).

الأعذار تلبّد الأجواء

ومن الأمور المهمة يجب أن يتحلى صاحب المشروع المفيد، بالروح الايجابية العالية، وعليه في حالة حدوث المصاعب أن يتوقع دائما مجيء الحل المناسب لأية معوقات تواجهه، وأن يقصي اليأس بعيدا عنه كي تبقى إرادته متوقدة، وفاعلة تمضي به إلى انجاز مشاريعه بلا تردد أو خوف أو تراجع.

فكما يُقال أن الفرج وزوال الصعوبات قائم دائما ومتاح ووارد في أية لحظة، وفي هذه الحالة سوف يكون الإنسان متفائلا متوقعا الأفضل دائما، وهذا يمنحه قدرة استثنائية على الانجاز، فالمهم هو عدم الركون الى اليأس والخمول، وعليه أن يدعم توقعاته وروحه بالتفاؤل دائما، وهكذا يكون الإنسان في موقف المتصدي القوي القادر على تذليل المتاعب وتحطيمها وليس العكس.

يقول الإمام الشيرازي حول هذا الجانب:

(مهما كان الجو خانقاً لا يبقى بدون فرج، كما أن الجو لا توجد في أية نافذة لمن لا يريد التنفيذ، فالأعذار تلبد الأجواء).

وهنا ستكون هناك حاجة قصوى للتخطيط في كيفية معالجة أية مشكلة تواجه صاحب القدرة، فالحلول ومواجهة المتاعب لا ينبغي أن تكون اعتباطية، بل يجب أن يتم تحديد نوع المشكلة وحجمها ورسم الخطوات الدقيقة والناجعة لمواجهتها، وهذا لن يتم بصورة عشوائية، بل يحتاج الأمر إلى التأني والتفكير العميق، في الكيفية التي يتم من خلالها معالجة حالات الاستعصاء التي تواجه صاحب القدرة أو المشروع، وبهذه الطريقة العلمية العملية، سوف يتمكن من حل جميع العقد التي تواجهه بدراية وتأنٍ وعلمية دقيقة، لهذا ينبغي أن يكون الحل خطوة خطوة وبالتدريج وبلا ملل أو كلل، بل بصبر وإرادة قوية سوف يكون الإنسان وصاحب القدرة متمكنا من معالجة أي مستوى من التعقيد مهما بلغ أمره وقوة تعقيده.

(إذا أراد ذو القدرة أن يعالج معضلة مستعصية كان عليه أن يحللها، فإن المعضلات الصعاب عبارة عن أمور صعبة تجمعت في صورة واحدة، كالعقد في الخيط تحل عقدة عقدة).

من هو الإنسان الأجدر بالحياة؟

لا يستوي جميع الناس في مسألة استحقاقهم للحياة، فهناك من يمر بها مرور الكرم، يولد ويعيش ويرحل، ولا يترك له أثرا في الدنيا، وهناك العكس من ذلك تماما، حيث تظهر بوادر تميزه منذ طفولته، وتنمو شخصيته المعطاء وهو لما يزل في مرحلة نعومة الأظفار، ثم تظهر بوادر الموهبة والتميز وتتدرج مع مرور العمر وتتابع مراحله المختلفة، لتكون النتيجة في صالح هذا الإنسان فيما يخص التميز العلمي والعملي، فتراه صاحب مشروع مفيد للحياة طالما كان محسوبا عليها.

في حين على العكس من ذلك هناك من لا تجد له حضورا يمثله بشكل متميز وخاص ينتسب له حصرا، كالانجازات المختلفة التي ينهض بها أصحاب الكفاءات وحاملو المؤهلات العالية والعقول الراجحة، فمثل هؤلاء تجدهم متميزين دائما وكبارا لا يمكن للمتاعب أن تقف في وجوههم أو إراداتهم، لأنهم أقوياء على الدوام، لذلك فإن الإنسان كلما كان قويا ذا ارادة ثابت الجنان، فإنه يعد من الناجحين المتميزين، خصوصا إذا كان سياسيا بارعا فإن الإرادة هي التي تجعل منه مائزا مختلفا عن غيره في كل شيء خصوصا في التخطيط والتنفيذ وقوة الإرادة.

يقول الإمام الشيرازي في هذا الشأن:

(كلما كان الإنسان أكثر قدرة وعملاً وحلاً للصعاب كان أجدر بالحياة وبأن يكون سياسياً بارعاً، فإن السياسة كالبناء له أحجار توضع بعضها فوق بعض حتى يكون بناءً متكاملاً).

وقد يتذرع بعضهم بأنه غير قادر على إنجاز عمل كبير، فيلوذ نتيجة لهذا العذر بالصمت والتراجع وقد يصل درجة الانطفاء، ولا يسهم في بناء الحياة، لذلك لا يصح مطلقا مثل هذا العذر الذي يطلقه هذا النوع من الناس، حيث يقول لنفسه وللآخرين، أما أن أنجز عملا كبيرا، أو لا أنجز أي شيء، وهذا بالطبع كلام غير منطقي ولا يمت للعقل والتميز بأية صلة، إذ على الإنسان أن يبدع ويواصل عمله في جميع الحالات والظروف، وبالإمكان أن يبدأ بالأعمال الصغيرة وليست الكبيرة.

فالمهم في هذا الجانب أن لا يكف صاحب القدرة عن العمل بحجة أنه ينتظر الأعمال الكبيرة التي ينوي انجازها ولكن مثل هذه الأعمال قد لا تتوافر لها الظروف المطلوبة، فهل يبقى الإنسان في هذه الحالة عاطلا عن التفكير والعمل والمساهمة في تطوير الحياة؟، بالطبع هذا ليس عذرا مقبولا في أي حال من الأحوال، فصاحب القدرة يجب أن لا يخضع للمتاعب، ولا يسمح لها بتحطيمه، بل عليه أن يسهم حتى بالأعمال الصغيرة وسوف تتراكم مع بعضها لتصبح كبيرة ومفيدة للحياة، لأن المهم هو مواصلة العمل وليس الاختباء وراء الأعذار والحجج الواهية.

يقول الإمام الشيرازي في هذا الشأن:

(إذا لم يقدر الإنسان على إنجاز عمل كبير، فخير له أن يبادر بعمل الأعمال الصغيرة، لأنه من خلال تجميع القطرات تتكون البحار، وبجمع الذرات مع بعضها تتكون الصحاري).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3