المنهج الفكري الحر وهزيمة الاستبداد

رؤى من أفكار الامام الشيرازي

2375 2017-05-01

يعتمد الفكر السليم على التربية الفكرية في المراحل الأولية لتنشئة الكائن البشري، حيث تنعكس طبيعة الأفكار من جانب الحدية والمرونة على تفكير الفرد، ومن ثم على قراراته، وأخيرا تتحكم بسلوكه وهنا مكمن الخطر، حيث الفكر لا يكتفي بكونه فكرا مجردا، إنما يسعى الى مجال التطبيق، فإن كان متطرفا أشعل الحروب والفتن والاضطرابات بين الأفراد والجماعات، وإن كان سلميا نشر السلام بين عموم الناس.

هنا يتضح لنا أن المنهج الفكري غير الحدي أو الشمولي، سيكون أكثر مرونة من سواه حيث ينتشر من بين الأفراد والمكونات الجماعية، مع الزمن، ولكن وفق تخطيط وسعي وتنفيذ من لدن الجهات المعنية بهذا الأمر، بمعنى ان المنهج الفكري المرن لا يمكن ان يصبح ثقافة وسلوكا يتعاطاه المجتمع، ما لم يتعلم الجميع ماهية هذا المنهج وما هي فوائده، وكيف يمكن ان تصبح سلوكا يتمسك به الجميع، فيصبح منهج حياة دائم لا يقتصر على جانب دون آخر، ولا نلجأ إليه في زمن دون آخر، فالتعددية بهذا المنظار تصبح حالة عامة دائمة تتلبس الناس من دون افتعال او تصنّع أو إقحام، إنما تصبح جزءً لا يتجزأ من تفكيرهم ومبادئهم ومن ثم تعاملهم فيما بينهم، أو مع غيرهم من الأفراد والجماعات.

من هنا يمكن أن يتحول هذا المنهج الى نمط حياتي يمكن أن يشكل سمة من سمات المجتمع المتحضّر، حيث يسود الحكم المتوازن، وتشترك المؤسسات الرسمية في صناعة القرار، ويشترك الشعب وجميع مكونات المجتمع في صناعة القرار عبر ممثلين له في البرلمان والحكومة والسلطات الأخرى، التي ستكون في ظل المرونة الفكرية حرة مستقلة وغير خاضعة إلا لسلطة الدستور حصرا، فضلا عن الأعراف المعمول بها في المجال الاجتماعي والعلاقات المتبادلة بين الناس.

وعندما يسود المنهج المرن الدستوري المنضبط في نظام الحكم السياسي، سوف تقل كثيرا فرص الدكتاتورية والعكس يصح تماما، لذلك نلاحظ أن الطغاة يتخوفون من المنهج الفكري المنفتح على الآخرين المشاركين في التكوين المجتمعي ويرفضونه، بل يحاربونه بقوة لأنه يشكل مصدر خطر على كراسيهم وسلطتهم وامتيازاتهم.

لهذا السبب قال الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه النفيس الموسوم (من أسباب ضعف المسلمين)، حول هذا الجانب: (إن من أهم أسباب تولد الطاغوت هو: الجهل وعدم الوعي الكافي، فإن من يعلم بأن الله خلق الإنسان حراً، ومنحه حرياته الأساسية، وجعله حاكماً على نفسه وماله، لا يرضخ للعبودية والظلم، ولا يعترف بالطغاة والظالمين. من هنا يلزم السعي الجاد لتوعية الشعوب وذلك بنشر الفكر الإسلامي عبر الكتب والنشرات والإذاعات والانترنيت وما أشبه).

الحكام العسكريون يخشون الفكر

ذلك أن الوعي عبر الانترنيت ووسائل التثقيف الإعلامية والثقافية الأخرى يضمن درجة كافية من الوعي تطيح بالفكري ذي النزعة الأحادية، وتجعل المنهج الفكري الحر هو السائد كمنهج حياة وسلوك.

للدول العربية تجربة مريرة مع الأنظمة السياسية العسكرية التي جلبتها الانقلابات الى دفة الحكم، لذا يظهر أن الملامح التي يمكن ملاحظتها في المشهد السياسي، أن المنهج التعددي يكاد يكون غائبا على نحو شبه كامل، حيث يتصدر الحكم في معظم هذه البلدان أنظمة حكم استبدادية يقودها حكام طغاة، يحاربون التعددية بشتى السبل والوسائل، ولم ينحصر هذا الضعف في المنهج المنفتح في العصر الراهن، بل يشكل امتدادا للعصور السابقة، حيث كان الحكام الطغاة في البلدان العربية والإسلامية يرفضون التعددية، ويفرضون سلطتهم الفردية التي لا تجيز التعامل العادل والمتساوي بين جميع مكونات المجتمع، ولعل السبب الأساس في ضعف المنهج المتحرر فكريا، بالمقابل أن احتكار الفكر ينتج حالة من التعسف تفرض نفسها على الجميع كمهج حياة وهذا ما يسعى إليه الحكام العسكريون

من هنا يؤكد يقول الإمام الشيرازي على: (أن ما نشاهده اليوم من حالة ضعف المسلمين هو نتيجة أمور عديدة، من أهمها ما سببه الحكام الطغاة، غير الشرعيين، على مر التاريخ من الأوائل والأواسط والأواخر، فإنهم من وراء حالة ضعف المسلمين التي نشاهده ونلمس آثاره حتى اليوم، فان الضعف السابق والوسط واللاحق يسبب ضعف المستقبل أيضاً).

وقد لا يتنبّه المعنيون الى هذا الانعكاس الزمني الخطير، والخلل في تراجع الشعب عن المطالبة بحقوقه، حيث يجعل الطغيان اقوى وأشد، لذلك يستميت الحكام الفرديين والمتعاونون معهم على محاربة المنهج التعددي، وتركيز الحكم والسلطات في أيدي قلة من الأفراد التي تؤازر الحاكم على قمع الشعب، وبهذا يفقد المجتمع مزايا التعددية التي تصب في الصالح العام، من خلال عدم السماح بتركيز السلطة، وحصر صناعة القرار بيد الفرد الحاكم، إنما هناك مؤسسات دستورية تأسست استنادا الى المنهج الفكري الحر (الدستوري)، لابد أن يتم من خلالها صناعة القرار الذي يشترك فيه جميع ممثلي الشعب، أولئك النواب الذين اختارهم الناخبون بحرية عبر انتخابات ينبغي أن تكون نزيهة وليست شكلية، كما تحاول الأنظمة العسكرية أن تفبركها، وتجعل النتائج دائما لصالح القائد الأعلى.

بعض أسباب تأخّر المسلمين

لذلك يحارب الحكام العسكريون مثل هذه الإجراءات الدستورية، إذ يقول الإمام الشيرازي: (من صفات الطغاة أنهم لا يرون أية قيمة للشعوب. ولذلك نسمع تصريحات كثيرة لحكام كثيرين: بأنهم للاحتفاظ بعروشهم مستعدّون لإبادة الشعب كله، كما أنهم طبقوا تصريحاتهم الإرهابية على ساحة الواقع).

يشكل غياب الفكر الحر والمنهج التعددي أهم المعضلات التي أدت الى تأخر العرب والمسلمين عن الغرب، في السياسة وسواها، هو غياب التعددية، من خلال العمل بقوة على قمع المعارضة، وقد برع الحكام الطغاة في البلاد العربية والإسلامية في الطرق والأساليب التي يحدون فيها ويحجمون من دور المعارضة، وكان الهدف الأساس لهؤلاء الحكام وحكوماتهم هو تحجيم الصوت والرأي المعارض لهم، خاصة ان المنهج التعددي يتيح للجميع التعبير عن رأيهم بوضوح وصراحة، كما ان الفكر المتحرر يضمن للجميع المشاركة في صناعة القرار عبر ممثليهم، لذلك لا مكان للصوت الآخر في ظل الحكام العسكر، كونه لا يريد أي نوع من المعارضة إلا تلك التي يصنعها بنفسه ويحركها كما يريد.

وهذا ما جعل الإمام الشيرازي يحذر قائلا إن: (من أشهر صفات الطغاة محاولتهم القضاء على المعارضة بمختلف الطرق الإرهابية: سجناً وتعذيباً وقتلا). أما في بعض مجتمعات الغرب فقد حرص المعنيون في الأمر على إشاعة المنهج التعددي في قيادة وإدارة دولهم، لذلك تقدم هؤلاء في المجالات كافة، وتأخر المسلمون عنهم كثيرا، حتى باتوا يعانون من غياب المنهج المتحرر وانتشار الطغيان.

لذا يشير الإمام الشيرازي الى هذه الحقيقة فيقول سماحته: (تقدم الغرب وتأخر المسلمون، حيث استيقظ أولئك وغفل هؤلاء، فوقع بينهما ما وقع مما نشاهده من الهوّة السحيقة، والفجوة الكبيرة، وقد أصيب المسلمون في هذا اليوم بضعف غريب).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الإمام الشيرازي)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك