هل كانت الصدفة وحدها هي التي سخّرت لذلك الصبي من يخلصه من الأسر، ويحتضنه، ويوفّر له ما تصبو إليه نفسه التوّاقة إلى العلم والأدب، ويلبي احتياجاته العقلية والروحية، ويجعله من أعلام التاريخ البارزين، أم أن إرادة القدر كان لها دور في ذلك؟، وهل كانت اليد التي انتشلته من واقعه المزري وخلّصته من الذل والهوان كانت تعدّ له مكانته المتميزة في التاريخ الإسلامي والإنساني، أم كان ذلك لمجرد حاجتها إليه؟.

فحياة هذا الرجل أشبه بالقصص الغابرة التي يبحث عنها القصاص والروائيون لينفضوا عنها الغبار، ويشكلوا من مراحلها ثيمة أدبية، وليجعلوا منها عملاً أدبياً متميزاً، للإجابة على كل هذه الاسئلة فقد تقصيّنا الأحداث التي رافقت حياة هذا الرجل، والتي أحدثت فيها هذا التحول الكبير.

في عام (656هـ) دخل المغول بغداد فجرت فيها مذابح وفواجع وسلب ونهب وإحراق وأسر وسبي، وكان من ضمن الأسرى الذين وقعوا في أيدي المغول صبي لم يتجاوز الأربع عشرة سنة من عمره، فاقتيد ضمن عشرات الآلاف من الأسرى ممن يصلح للخدمة في الدور والدواوين وقصور الحكم، إلى البلدان المختلفة الخاضعة للحكم المغولي، فأخذ هذا الصبي مُكبّلاً إلى آذربيجان، ومنها إلى مراغة، وبعد أن قضى سنة في الأسر، لعبت الصدفة دورها في حياة هذا الصبي، وهُيّأ له من يكتشف قدراته ومؤهلاته العلمية، وذكائه الفائق.

اللقاء بنصير الدين الطوسي

التقى ابن الفوطي بالرجل الذي كان له الدور الأكبر في ارتقائه سلم المجد والخلود، وإنقاذه من الأسر والذل والعبودية إلى حياة العلم والأدب والفلسفة، وكان له الفضل إلى ما وصل إليه من الشهرة، وهذا الرجل هو العالم الجليل والفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي الذي رأى في (ابن الفوطي) ملامح الذكاء وتوسّم فيه دلائل النبوغ والكفاءة، وكان الطوسي في ذلك الوقت يبحث عن الأكفّاء والأذكياء من الشباب ليلمّ بهم الشمل ويجدد مسيرة الإسلام بعد النكبة التي حلّت ببغداد وسعي الغزاة لمحق الاسلام، فعمل الطوسي على فكاك الغلام من الأسر ثم ضمّه إلى حاشيته التي كانت تضم العلماء والكتّاب والمفكرين، وقد رصّهم الطوسي في صفوف قوية متماسكة تقاتل بالقلم والفكر لمقارعة أعداء الاسلام وكل من يكيد له شراً، فكان لهذا الفتى مكانة واضحة ودور بارز بين هذه المجموعة العالمة العاملة.

من هو ابن الفوطي؟

هو كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني الذي اشتهر بعد ذلك بـ (ابن الفوطي)، ينتهي نسبه إلى معن بن زائدة، ولد في محرم عام (642هـ) ببغداد، وكانت ولادته بعد مضي سنتين من خلافة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، ولا يُعرف شيء عن بواكير حياته الأولى سوى ما يظنه بعض المؤرخين من إنه ولد في محلة (الخاتونية) القريبة من دار الخلافة، وإنه عاصر منذ حداثة سنّه قبل سقوط بغداد الصاحب محي الدين ابن الجوزي أحد قتلى واقعة بغداد واستمع اليه، أما لقبه الذي التصق به (ابن الفوطي) فقد جاءه من قبل جدّه لأمّهِ وهو منسوب إلى الفُوط ـ جمع فوطة ـ وهي نوع من الثياب، وإن هذا الجد كان يعمل في صنع الثياب وبيعها.

يُفهم مما تقدم من بدايات حياة (ابن الفوطي) إنه نشأ في ظروف عادية لا أثر فيها لسابقة علمية أو أدبية لأسرته، ولا قدم لها في هذين المضمارين سوى إنه كان في حداثة سنه واحد من المئات الذين استمعوا إلى ابن الجوزي، إذن ما الذي جعل (ابن الفوطي) يحوز السبق في هذين الجانبين، وأن يكون قيّماً على أكبر مكتبة في المشرق، وهي مكتبة (المستنصرية) وأن يذكره المؤرخون في أول صفوفهم كما يذكره المحدّثون في رأس حفّاظهم، فقيهاً وفيلسوفاً وأديبا ومؤرخاً ورياضياً وكاتباً وشاعراً؟!.

من الأسر الى رحاب العلم

بدأ ابن الفوطي رحلته مع العلم تلميذاً للطوسي، واتخذ من تلمذته سلماً يرتقي به إلى سماء المجد، فكان ينهل من منبع علم الطوسي الذي وجهه خير توجيه، واستمرت هذه التلمذة ثلاث عشرة سنة في مدينة مراغة التي اختارها الطوسي ميداناً لكفاحه الطويل، ثم وجه الطوسي تلميذه ابن الفوطي الى دراسة العلوم الرياضية والنظريات الفلسفية، فاتقن التلميذ اللغة الفارسية وأحاط بآدابها وكتب الشعر فيها، كما ألمّ بلغة المغول، وكان من أعظم إنجازات الطوسي وأهمها هي حرصه على إنقاذ الكتب وجمعها في مكتبة كبرى، وصونها من أيدي العابثين، وبعد أن تم له ذلك، عهد بالإشراف عليها إلى تلميذه (ابن الفوطي)، وكأنه كان يعدّه لذلك، وبدوره كان (ابن الفوطي) ينتظر هذه الفرصة التي أحدثت في حياته هذا التحول الكبير، فأكبّ على مطالعة الكتب، فاجتمع لديه الفكر النيّر والذهن المتفتح والأستاذ الموجّه والمناخ المؤاتي، وكل هذه الأجواء كانت عاملاً قوياً ومؤثراً في صقل مواهبه وتكوين شخصيته العلمية والأدبية والفلسفية.

في ذلك الوقت كانت مراغة قد أصبحت مقراً لدولة تتبعّها خراسان وإيران بأسرها والعراق والأناضول أي إنها كانت عاصمة المشرق الذي استولى عليه المغول، وقد بدأ (ابن الفوطي) عمله في المكتبة الكبرى بأن وضع لها نظاماَ دقيقاً يسير عليه المطالعون والدارسون والمشرفون، ثم عكف على طلب العلم وشُغف بالتاريخ فانصرف اليه، فبدأ معه بتسجيل تاريخ الدار التي آوته وأنقذته وحمته وثقفته فسجّل كيفية إنشاء دار الرصد، وأشار إلى استقدام العلماء والمدرسين إليها، وذكر عمل كل منهم واختصاصه ومؤلفاته مترجماً له ترجمة وافية، والّف كتاباً خاصاً سمّاه (تذكرة الرصد) خصه بالذين وفدوا إلى الدار أو مكتبتها، كما وصف بعض ما حوته المكتبة من نفائس الكتب وصفاً ذكر فيه تراجم المؤلفين وزياراتهم للمكتبة وبعض آثارهم، وقد حفظ من كل ذلك صوراً للحياة السياسية والعلمية والاجتماعية والأدبية ما كان لها ان تحفظ لولا ان سجلها بقلمه، لذا كان حريّا أن يوصف بـ (انه مؤرخ النهضة العلمية الكبيرة في مراغة).

انغمر(ابن الفوطي) في الثلاث عشرة سنة التي قضاها في مراغة في المجتمع وتغلغل بين الطبقات المتفاوتة واستزاد من الصداقات، وكان حريصاً على أن لا تفوته الأحداث دون ان يسجّلها بدقة وعناية فائقتين خاصة أن السنوات التي قضاها في مراغة قد شهدت الكثير من التحولات والتغييرات التي شكلت قمة نجاحه وعنفوان تألقه، لكنه كان يتحرّق شوقاً إلى بغداد التي فارقها غلاماً، فثار به الحنين وعصفت به الأشواق إلى ضفاف دجلة التي لم ينسه إياها نضوج الشباب وشيوع الذكر حتى سنحت له الفرصة للعودة إلى العراق.

العودة إلى بغداد

ففي عام (678هـ ـ 1279م) حكم العراق الصاحب علاء الدين الجويني صديق ابن الفوطي في مراغة والذي استدعاه إلى بغداد، وكان العمل الذي اتقنه ابن الفوطي في مراغة هو نفسه الذي عهد إليه به علاء الدين الجويني في بغداد وهو الإشراف على المكتبة المستنصرية، وكانت آنذاك اعظم مكتبة عامة في العالم وملتقى رجال العلم والفكر والأدب فعكف ابن الفوطي على عمله فيها بنفس الدقة والاتقان والتنظيم الذي عرف به في مكتبة مراغة وأقبل على دراسة الفقه والحديث بتعمق حتى استحق بين المحدثين لقب (الحافظ).

الشاهد على الصراع

بقي (ابن الفوطي) في عمله في الجامعة المستنصرية ببغداد خمساَ وعشرين سنة، بدأت سنة (679هـ) وانتهت سنة (704هـ) كان التحول خلالها قد ازداد سرعة، وتحولت بغداد حينها إلى مسرحٍ دامٍ للصراع على السلطة، فقد صبّ (أرغون) حفيد هولاكو نقمته على آل الجويني لأنهم نصروا عمه (تكودار)، فبطش بهم واستأصلهم وقرّب من خصومهم كما عامل العراقيين عامة معاملة انتقام وقمع لميلهم الى آل الجويني، وقد شهد (ابن الفوطي) كل هذه الاحداث المريعة كما شهد مصارع آل الجويني الذين حكموا العراق أكثر من عشرين سنة حكماً حببهم الى العراقيين وأمالهم اليهم، وفي هذه الفترة شهد (ابن الفوطي) وفاة أستاذه ومربيه نصير الدين الطوسي، وكذلك وفاة اكثر العلماء الذين عاصروا الطوسي وتخرجوا على يديه، وتعد هذه الفترة من أشرس الفترات المغولية وأعنفها، وقد أرّخها (ابن الفوطي) فكتب كل ما شاهده وكتب تاريخ الملوك ووصف الاحداث بعقل نير وفكر ثاقب وحزن عميق.

لم ينته مسلسل الأحداث التراجيدية في حياة (ابن الفوطي) إلى هذا الحد وكأن الحياة أبت له أن يستقر على حال ابداً، فبعدما غادر بغداد بسبب الفوضى السياسية وتدهور الأوضاع فيها وتخلّى عن عمله في المستنصرية عام (704هـ)، رحل إلى تبريز حيث أقام هناك ست سنوات ثم عاوده الحنين إلى بغداد فرجع إليها، ولكنه سرعان ما تركها لنفس الأسباب الأولى التي تركها فيها، وغادرها إلى تبريز، وبقي يتردد إلى هاتين المدينتين.

مسلسل الفجائع

والسبب الذي كان يجذبه إلى تبريز هو وجود صديقه القديم وزميله في التلمذة على يد نصير الدين الطوسي العالم والسياسي رشيد الدين الهمداني الذي عرفت تبريز في عصره أزهى عهودها العلمية والسياسية، فلازمه ابن الفوطي وعاود سيرته في الأخذ من العلماء الذين كانت تعج بهم تبريز آنذاك، لكن ابن الفوطي كان على موعد مع فاجعة أخرى من مسلسل فجائعه، فقد حيكت الدسائس حول صديقه رشيد الدين الهمداني ولاحقته المؤامرات، حتى قتله السلطان أبو سعيد في أحداث طويلة لا يتسع المجال لذكرها.

ورغم عظم هذه الفاجعة على قلب (ابن الفوطي) في قتل صديقه الوفي وزميله في التلمذة، الاّ أن الفاجعة العظمى التي أصيب بها تمثّلت في ما أعقب هذه الاحداث وهي الفاجعة العظمى في حياة ابن الفوطي والتي قضت عليه وهي إحراق مكتبة رشيد الدين والتي كانت تضم ما لا يقل عن خمسين ألف مجلد من ضمنها معظم مؤلفاته، فضاع بذلك تاريخ فترة من أدق فترات تاريخنا، ولم يبق بعد هذه الكارثة سوى أجزاء معدودة مما كتب ابن (الفوطي).

لقد كان وقع هذه المصيبة شديداً على (ابن الفوطي) فترك تبريز وعاد الى بغداد ومات فيها كمداً عام (723هـ)، بعد انقضاء خمس سنوات على حادثة تبريز عن احدى وثمانين سنة.

مجمع الآداب مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب مصدر المؤرخين

من أهم كتب ابن الفوطي التي ذهبت إلى المحرقة هو كتاب (مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب) ويقع في خمسين مجلداً يتألف منها الكتاب وقد ضاعت كلها ولم ينج منها سوى جزئين فقط هما الرابع والخامس، وقد وُجد الأول في دار الكتب الظاهرية بدمشق، وهو نسخة الأصل، ومسوّدة المؤلف بخط يده، ووجد الثاني في مكتبة جامعة لاهور في باكستان وهو نسخة المؤلف ايضاَ، وقد اعتمد المؤلف في هذا الكتاب في تاريخه للعصر عن طريق التاريخ لرجاله، وقد ظل يعمل في الكتاب ويجدد فيه حتى قبيل وفاته بقليل إذ وردت فيه دراسات عن حوادث سنة (721 هـ) وسنة (722هـ) أي قبل وفاته بسنة واحدة وكان لهذين الجزئين اثراَ كبيراً في إمداد المؤرخين الذين تلوا عصر ابن الفوطي بأدق المعلومات التاريخية عن ذلك العصر، وممن استفاد منه وأخذ عنه الصفدي في (الوافي بالوافيات)، والذهبي في (تاريخ الاسلام)، والسيوطي في (بغية الوعاة)، وابن عتبة الحسني في (عمدة الطالب)، والجزري في (غاية النهاية)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، وغيرهم.

مؤرخ الآفاق

أطلق على ابن الفوطي لقب (مؤرخ الآفاق)، ويؤيد صاحب (الدرر الكامنة) هذا الرأي بقوله: (فعمل تاريخاً حافلاً جداً ثم اختصره في آخر سماه مجمع الآداب في خمسين مجلداً)، كما ذكر من مؤلفات ابن الفوطي الاخرى كتاب (الدرر الناصعة في شعراء المئة السابعة) وموضوع الكتاب يعرف من اسمه، وهذا يدلنا على أن ابن الفوطي لم يكن مؤرخ سياسة وأحداث سياسية فحسب، بل إن له باع في تاريخ الأدب أيضاَ.

ومن مؤلفات ابن الفوطي أيضاً (درر الأصداف في غرر الأوصاف) وهو مجلد كبير، و(تلقيح الإفهام) وهو كتاب في التاريخ أيضاً يتحدث من نشأة العالم إلى خراب بغداد على يد التتار.

وقد أشار الذهبي إلى هذا الباع الطويل في التاريخ والأدب لابن الفوطي بقوله: (كانت له يد بيضاء في النظم و ترصيع التراجم، و له ذهن سيال، و قلم سريع، وخط بديع، وبصر بالمنطق‏ والحكمة، وكان روضة معارف وبحر أخبار، وقد ذكر في بعض تواليفه إنه طالع ‏تواريخ الإسلام‏ فسردها).

وقال عنه السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج8ص252): (ثم صار إلى أستاذه ومعلمه خواجه نصير الدين الطوسي سنة (660هـ) فأخذ عنه علوم‏ الأوائل ‏ومهر على غيره في ‏الأدب,‏ ومهر في ‏التاريخ‏ والشعر وأيام الناس, وله النظم والنثر والباع الطويل في ترصيع تراجم الناس, وله ذكاء مفرط وخط منسوب رشيق وفضائل كثيرة, سمع الكثير وعني بهذا الشأن, وكتب وجمع ، كتب من‏ التواريخ‏ ما لا يوصف ومصنفاته وقر بعير. خزن كُتب الرصد بضع عشرة سنة فظهر بكتب نفيسة وحصل من‏ التواريخ‏ ما لا مزيد عليه ثم سكن بعد مراغة بغداد وولي خزانة كتب المستنصرية, فبقي عليها والياً إلى أن مات و ليس في البلاد أكثر من هاتين الخزانتين, وعمل تاريخاً كبيراً لم يبيضه ثم عمل آخر دونه في خمسين مجلداً أسماه (مجمع الآداب في معجم الأسماء على معجم الألقاب).

ابن الفوطي على لسان الشبيبي

أما من الدارسين المعاصرين الذين اهتموا بدراسة ابن الفوطي فنجد الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي اكتشف مخطوطة الجزء الرابع في دمشق، حيث يقول:

(تعد غارة المغول على مراكز الحضارة الإسلامية ونشوء دولتهم الكبرى أشهر حوادث التاريخ في القرنين السابع و الثامن أو الثالث عشر و الرابع عشر، و يعتبر ظهورهم ورسوخ أقدامهم في الشرق فترة من فترات الضعف في تاريخ آداب ‏اللغة العربية، ويشعر مؤرخو هذه الحقبة بقلة المستندات العربية التي يعول عليها في حل النواحي الغامضة من تاريخ العراق في أيام المغول خصوصاً فيما يتعلق بسياستهم وطراز إدارتهم و آثارهم في هذه البلاد أو يميط اللثام عن القواعد التي قام عليها سلطانهم من مال ورجال و كفاءات علمية أو سياسية، إلى هذا و نحوه من الشؤون التي لا تزال مثاراً للجدل بين المؤرخين.

و لما كنت في الشام سنة (1338هـ ) ـ (1920 م) ظفرت خلال التنقيب عن المخطوطات العربية في (دار الكتب الظاهرية) بنسخة نادرة من الجزء الرابع من أجزاء المعجم الذي ألفه مؤرخ العراق ابن الفوطي في التراجم وسماه (مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب) و كانت النسخة بخط مؤلفها المذكور مؤرخة سنة (712هـ) ، وفي المكتبة العامة ببغداد الآن صورة شمسية للنسخة المشار إليها حصلت عليها وزارة المعارف سنة (1357هـ) ـ (1938 م)، ولا شك في قيمة هذه التحفة الثمينة فيما نحن فيه لأن أكثر مؤرخي ذلك العصر عوّلوا على النقل عمن سبقهم أو على الروايات. أما المؤرخون الذين كانوا شهود عيان للواقعة و اطلعوا على حقائق ما جرى فيها أو بعدها فإنهم، - و لا سيما العرب منهم- قليلون جداً ومنهم مؤرخ العراق كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن الفوطي الشيباني البغدادي ولعله المؤرخ العربي الوحيد الذي طالت حياته و طارت شهرته في أيام‏ المغول.

فقد حوصرت بغداد ثم فتحت وأخذ هو أسيراً بعد فتحها من التتار وشاهد أعظم ملوكهم وأقطاب دولتهم في أعظم عصورها وأزهى أيامها، وذلك من أيام الطاغية هولاكو إلى أيام أحفاده ارغون وغازان، ومن بعدهما إلى زمان السلطان أبي سعيد كما انه زار أشهر حواضرهم و اتصل بحكامها وأعيانها وعلمائها ودرس حالة عصره من شتى نواحيها بل تمكن من الوصول إلى مقاصر الأميرات المغوليات. ممن اتصل به في شبابه آل الجويني أشهر من حكم العراق في عهد هولاكو وابنه اباقا خصوصاً الصاحب علاء الدين الجويني وكذلك الفيلسوف نصير الدين الطوسي وأولاده وتلامذته وغيرهم من رجال العلم والسياسة الذين امتازوا بخبرتهم وتفانيهم في النضال عن حقوق العراقيين والمسلمين في محنتهم الكبرى، ثم ذهبت أيام هولاكو وابنه اباقا وجاءت دولة حفيده ارغون وفيها تغيرت الأحوال وتنكرت السياسة وفتك ارغون بآل الجويني واستأصلهم لكونهم من حزب أخيه السلطان أحمد و قرّب إليه مناوئيهم في السياسة المذكورة، وكانت سياسة ارغون هذا سياسة بطش وانتقام من العراقيين بسبب ميلهم إلى آل الجويني، وقد شهد ابن الفوطي مظاهر ذلك الصراع السياسي العنيف بين أحزاب المغول وبطش بعضها ببعض بكل ما عرف عنهم من قسوة و فظاعة وتمثيل كما شهد مصارع آل الجويني وأعيان هذا البيت الذين سلخوا في إدارة شئون العراق أكثر من عشرين سنة أحبهم خلالها العراقيون حباً جماً وكذلك أدرك وفاة اساتذته نصير الدين الطوسي ومعاصريه وتلامذته وغيرهم من الناس).

أهمية كتاب ابن الفوطي

وقد استهوى كتاب ابن الفوطي الشيخ الشبيبي كثيراً وكأنه وجد ضالة حياته المنشودة وهذا ما جعله يخصه بعدة بحوث ثم ختم ذلك بكتاب من جزئين سمّاه (مؤرخ العراق ابن الفوطي).

ويقول الشبيبي عن أهمية كتاب ابن الفوطي: (كما إنه حررّ حوادث هذا العصر وترجم لرجاله ووصف مظاهر الحياة فيه وصف المثقف الخبير بشئون الحياة في ذلك العصر وحفظ لنا ذلك كله في كتبه و معاجمه، فكُتب ابن الفوطي والحالة هذه من أصح المستندات العربية التي يعول عليها في تاريخ تلك الحقبة وهي في الحقيقة حضارة تلك العصر في تراجم سياسته وعلمائه وأرباب الصنائع والفنون ورجال المال فيه.

توفرت وأنا في الشام على دراسة هذا الكنز الثمين وذلك من ناحية صلته بتاريخ العراق في عصر المؤلف، وقد عرض ابن الفوطي لسيرته خاصة في كثير من مواضعه وذلك بمنتهى الصراحة، فالكتاب في الوقت نفسه سيرة من السير الخاصة الممتعة).

وفي الختام يمكننا القول بعد ذلك بأن (ابن الفوطي) تفرّد بمنهجه في التاريخ بأنه لم يهتم بتاريخ السلاطين وحدهم كما يفعل أغلب المؤرخين، بل أرخ لكل طبقات الشعب فاستحق بجدارة لقب (مؤرخ الشعب) و(مؤرخ الآفاق) ، توفي ابن الفوطي سنة (723هـ)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0