إنسانيات - تاريخيات

غارة النعمان بن بشير: راية للجريمة

من قصص نهج البلاغة

(يا أهل الكوفة.....أخرجوا إلى أخيكم مالك بن كعب فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بكثير فانهضوا إلى إخوانكم لعل الله يقطع بكم من الظالمين طرفا...).

هذه القطعة من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يستنهض بها أهل الكوفة ويحثهم على نصرة أخيهم مالك بن كعب الأرحبي عامله على عين التمر حينما شنّ عليها النعمان بن بشير غارة غادرة بأمر معاوية.

النعمان أداة لمعاوية

من رؤوس الفتن, وقادة النفاق, وشذاذ البغاة والعتاة, باع دينه وشرفه وضميره لمعاوية, فانضمّ إلى قائمة المجرمين الذين كانوا (أبطال) سوح الغدر والمكر والمؤامرات وشن الغارات على المدن والقرى الآمنة, وقتل الأبرياء والضعفاء والشيوخ والنساء والأطفال...، سوح الجبناء الذين ترتعد فرائصهم من ذي الفقار وسيوف الأشتر والمرقال وعمار عند المواجهة ليغيروا على الرجال بغتة وهم آمنون ويغدروا بهم...، ساحة الأنذال والمنحرفين عن الحق والسالكين طريق النذالة والخسة والوضاعة والمتملقين لابن آكلة الأكباد والمتقوِّتين على موائد السحت, ساحة الدهاء الذي لم يعرف يوماً معنى الشرف..., إنه مجرم آخر وأداة أخرى من أدوات معاوية الإجرامية.

النعمان بن بشير

هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس بن زيد بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الملقب بـ (الأنصاري)، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة، ولم تتطرق المصادر إلى سنة ولادته المشؤومة بالتحديد ولكن بعضها ذكر أنه كان أول مولود في الإسلام مع اختلاف المؤرخين في ذلك بينه وبين عبد الله بن الزبير, وروي أنه جاء ــ وهو صغير ــ إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ومعه شخص آخر يضاهيه في العمر، ليشهد معه غزوة له، فاستصغرهما النبي وردهما... ويشير إليه المؤرخون في ذكر الأنصار وعدّوه كالعادة من الصحابة فقالوا: (له ولأبويه صحبة......

إن انتماء هذا المجرم إلى الصحابة الأنصار كان في النسب فقط, وإلا فمن أشد الغبن بحقهم وأكبر الإجحاف بمنزلتهم أن يعدّه المؤرخون كواحد منهم ويساوونه بهم، فلم يكن له أدنى صفاتهم, بل كان شاذاً كل الشذوذ عنهم ومنحرفاً عن طريقهم، فهو أمويّ النزعة عثمانيّ الهوي معاويّ الطاعة امتلأت سيرته بالجرائم والمخازي والبوائق وو... وهو مع ذلك يدخل ضمن قائمة الصحابة الذين يترضّون عنهم وقد سخط الله عليهم فأية مهزلة هذه ؟

قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: (ج2ص304): (كان النعمان بن بشير الأنصاري منحرفاً عنه ــ أي عن علي (عليه السلام) ــ وعدوَّاً له, وخاض الدماء مع معاوية خوضاً، وكان من أمراء يزيد ابنه حتى قتل وهو على حاله....)

وقد اتخذه معاوية ورقة يلعب بها لصالحه وليتبجّح به كونه يعتبر في الظاهر وأمام الرأي العام من الأنصار والصحابة ــ وإن كان بعيداً كل البعد عنهم ــ، وقد روت عنه المصادر في سيرته أخباراً في المجون والخلاعة وإقامة ليالي اللهو والغناء في روايات عدة مع عزة الميلاء المغنية المشهورة في المدينة أيام يزيد بن معاوية.

وبلغ من وفائه لمعاوية أن حُظي بمنزلة كبيرة عنده, وكان يكرمه ويرفع من شأنه أمام أهل الشام, كما روى ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء (جزء2/ص463) حيث يقول: (كان معاوية يقول: يا معشر الأنصار تستبطئونني وما صحبني منكم إلا النعمان بن بشير وقد رأيتم ما صنعت به, وكان ولاه الكوفة وأكرمه).

نعم هكذا ينتقي معاوية رجاله من طغام الناس وأراذلهم وأوغادهم لينفذوا له مآربه الدنيئة كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أَلاَ وَإِنَّ ؟ مُعَاوِيَةَ ؟ قَادَ لُمَةً مِنَ اَلْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَرَ حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ اَلْمَنِيَّةِ)

فأطاعوه بمعصية الله: (صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ).

أبوه بشير بن سعد

لم يكن انحراف النعمان عن الحق ووقوفه مع الباطل بجديد عليه فقد سبقه أبوه المنافق بشير بن سعد ــ وكان أعوراً ــ والذي عصى الله ورسوله ونقض العهد الذي أخذه عليه النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى جميع المسلمين يوم الغدير بمبايعة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده, لكن بشيراً خان ذلك العهد وكان أول من بايع أبا بكر يوم السقيفة من الأنصار.

كان سعد بن عبادة الخزرجي قد رشح نفسه في السقيفة التي غاب عنها أمير المؤمنين (عليه السلام) لانشغاله بتغسيل النبي وتكفينه, وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج3ص532), وابن قتيبة في الإمامة والسياسة: (أن بشير بن سعد لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة قام حسداً لسعد، فقال: يا معشر الأنصار أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا، فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم)....

الله أكبر ألا يعلم بشير من هو أحق الناس بميراث محمد ومن هو وصيه وقد سمع به من فم محمد نفسه يوم الغدير؟ بلى والله لقد سمع ذلك ولكنه (انسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ).

وأبى بشير أن يكون لغيره السبق في دعم تلك (الفلتة) التي وقى الله المسلمين شرها, فوضع بصمته الواضحة عليها. يقول ابن قتيبة: (فلما ذهب عُمر وأبو عُبيدة يبايعان أبا بكر، وجدا أن بشير بن سعد قد سبقهما إليه فبايعه...).

نبوءة الحباب

لقد غدر بشير بقومه وهذا ما جعل الحباب بن المنذر يثور غضباً ويكشف عن طوية بشير الفاسدة والحاقدة ونفسيته الرديئة الحاسدة ويقول له: يا بشير بن سعد عقُّك عِقاقٌ ما اضطرك إلى ما صنعت؟ حسدت ابن عمك على الإمارة؟

لقد كشف الحباب عما في نفس بشير من الحسد والحقد ليس على ابن عمه سعد بن عبادة فقط, بل على جميع الأنصار وقد تنبّه الحباب إلى العواقب الوخيمة لتلك البيعة المشؤومة على الأنصار فانتفض ليمنع الناس عن البيعة بالقوة: (فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء....).

تنبأ الحباب بعواقب هذه البيعة الشيطانية اللعينة على الأنصار وما سيؤول إليه مصيرهم وفقها, وقد صدق تنبؤه حينما أفصح في السقيفة عما داخله من شعور واستقراء للمستقبل الأسود الذي ينتظرهم إذا تولى الخلافة أبو بكر وقال: سيأتي من (يسومنا الضيم...)

سعد من ضحايا السقيفة

كان من أشد المعارضين لهذه البيعة المهزلة سعد بن عبادة الأنصاري سيد الخزرج الذي قال مخاطباً أبا بكر: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض لسمعتم مني في أقطارها زئيراً يخرجك أنت وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع، خاملاً غير عزيز....)

وكثر الناس بين مؤيِّد لسعد ومعارض له وارتفعت الأصوات المندِّدة ببيعة أبي بكر والمساندة له: (حتى كادوا يطؤون سعداً. فقال سعد ــ بن عبادة ــ قتلتموني، فقال عمر: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه وأدخلوه داره وتُرِكَ أياما، ثم بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما مَلَكَتْهُ يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابـي، فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولجَّ وليس يبايعك حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَل الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمراً قد استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه، فكان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجماعتهم ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعواناً لصال بهم، ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر ووَلِيَ عمر فخرج سعد إلى الشام ولم يبايع لأحد منهما وشعر عمر إن بقاء سعد حيا يهدد خلافته فأرسل إليه من قتله وأشاع في الناس بأن الجن قد قتلته لأنه كان يبول واقفاً!!!

هذه مواقف بشير بن سعد المخزية تجاه بني قومه, والأخزى عصيانه أمر الله ورسوله وطاعته أهل النفاق والشقاق وتقديم المشورة لهم, والدفاع عنهم, وقد انتهت حياته تابعاً لا متبوعاً كما تنبأ الحباب.

خرج بشير بن سعد مع الجيش الذي قاده المجرم خالد بن الوليد لغزو عين التمر عام (12هـ) فقتل رجالها وسبى نساءها وارتكب فيها مجزرة عظيمة وقد أصيب بشير بن سعد بسهم في تلك المعركة فقتل ودفن هناك, ولكن حياته لم تقتصر على هذه المواقف المنحرفة، بل ترك بعده من يواصل منهج النفاق والانحراف وتكون له مواقف أكثر منها انحرافاً وخزياً تضاف إلى سجله وسجل ابنه النعمان النعمان بن بشير.

رسول الفتنة

كان النعمان عثمانياً, وكان يوم الدار مع عثمان ولكنه لم يدافع عنه حينما قتل, فقد صحبه ووالاه طمعاً بما يغدقه عليه من الأموال التي خصّ بها أعوانه وحاشيته وبطانته دون الناس, وما إن انتهى ذلك اليوم بقتل عثمان حتى أخذ النعمان أنامل نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان وقميصه وحملهما إلى معاوية ليوقد الفتنة التي سالت بسببها دماء الآلاف من المسلمين, عندما رفع معاوية راية العصيان والنفاق والشقاق والكفر ليقاتل أمير المؤمنين بدعوى الطلب بدم عثمان وقد مهّد النعمان لهذه الحرب ونفخ في أبواقها ودق طبولها.

فرح معاوية بهذه (الهدية) التي قدمها إليه النعمان على طبق من ذهب والتي اتخذها ذريعة للتمرد على حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام), ولكي يحكم من خطته الدنيئة ويرسخ في أذهان الناس بأنه يريد القصاص من قتلة عثمان فقد أرسل النعمان مع زميله في النفاق والشقاق أبي هريرة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال لهما:

(إئتيا عليا فناشداه الله وسلاه بالله لما دفع إلينا قتلة عثمان فإنه قد آواهم ومنعهم، ثم لا حرب بيننا وبينه، فإن أبى فكونوا شهداء الله عليه وأقبلا إلى الناس فأعلماهم ذلك)!!

ما عشت أراك الدهر عجبا!! يرسل معاوية رأس النفاق والكفر هذين المنافقين لينصحا علياً ويطلبا منه تسليم قتلة عثمان !! ألا يعرف معاوية من هم قتلة عثمان وهو أحدهم عندما تخلف عن نصرته, وإن جميع المسلمين قد اشتركوا في قتله, ولكن العجيب من المؤرخين الذين يظهرون موقف معاوية من إرساله هذين المنافقين بموقف من يريد مصلحة المسلمين فيقولون:

(أن النعمان بن بشير قدم هو وأبو هريرة على علي (عليه السلام) من عند معاوية يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقتلهم بعثمان لعل الحرب أن تطفأ ويصطلح الناس)!!

ومتى كان معاوية بالذي يهتم لأمور المسلمين؟ ومتى كانت غايته الإصلاح وهو رأس الفساد والكفر والنفاق والجريمة وإشعال الحرب بين المسلمين؟ كانت غايته من إرسال هذين المنافقين المحسوبين ظلما على الصحابة إلقاء تبعة قتل عثمان على أمير المؤمنين, وهو (عليه السلام) أبرء الناس من دمه، رغم أنه كان من المجاهرين بالرأي المضاد القوي ضده، فأراد معاوية من ذلك تحريض الناس ضد علي وتأليب الرأي العام على محاربته وهو يعلم جيداً قبل غيره إن ثورة المسلمين التي قامت ضد عثمان والتي أسقطته لم تمثل اتجاهاً واحداً يمكن أن يُشار إليه، فقد اشترك في قتله المؤمنون الذين كان هدفهم تغيير الأوضاع الفاسدة وإقامة حكومة عادلة وكانوا يعنون علياً بذلك, كما تستر وراءها ــ أي الثورة ــ المنافقون والوصوليون والانتهازيون وعلى رأسهم طلحة والزبير اللذين كانا من بطانة عثمان فلما رأوا أن الثورة قائمة لا محالة صاروا مع الثوار للاستفادة منها, وكان عمرو بن العاص يؤلب على عثمان وقد أعلن ذلك قائلا: (إن كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان), وكان سبب عدائه هذا لعثمان لأنه قد حرم من المناصب في عهده, ثم خرج مع معاوية لقتال أمير المؤمنين في صفين بدعوى القصاص من قتلة عثمان طمعاً في مصر!!.

كما انقلبت سيرة عثمان بعد قتله إلى سيرة الخليفة المظلوم المؤمن التائب الصالح الزاهد العابد بعد أن كان في حياته نعثلا عند من قالت في حياته: (اقتلوا نعثلا فقد كفر) لأنه منعها من عطائها, ثم خرجت للطلب بدم عثمان لأن الناس قد بايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام)!!

لقد أراد معاوية أن يرجع مثل النعمان وأبي هريرة ــ وهم في نظر الناس من الصحابة ــ من عند علي (عليه السلام) إلى الناس ويخبرونهم بالجواب، فقد كان يعلم جيداً أن علياً (عليه السلام) لا يدفع قتلة عثمان ــ الذين ثاروا لله ــ إليه فأراد أن يكون هذان يشهدان له عند أهل الشام بذلك وأن يعلن بذلك حربه وعصيانه لأمير المؤمنين.

ثم من هما النعمان وأبو هريرة أمام كبار الصحابة الذين انضموا تحت راية أمير المؤمنين وعارضوا مؤتمر السقيفة ووقفوا معه في حروبه الثلاث، قال المسعودي في (مروج الذهب) (ج2ص374): (شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلا منهم سبعة عشر من المهاجرين وسبعون من الأنصار وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله تسعمائة وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة)

وقال الذهبي في (تاريخ الإسلام) (ج3ص484): (كان مع علي أربعة آلاف من أهل المدينة ممن شهد بيعة الرضوان وقد قتل مع علي بصفين خمسة وعشرون بدريا منهم عمار)

وقال ابن حجر في (الإصابة) (ج2ص388): (قتل من أصحاب بيعة الرضوان مع علي ثلاثة وستون رجلا منهم عمار)

فهل كان مع معاوية أحد من هؤلاء ؟

نعيق النفاق

جاء النعمان وأبو هريرة إليه (عليه السلام) فدخلا عليه فقال له أبو هريرة: (يا أبا الحسن: إن الله قد جعل لك في الإسلام فضلاً وشرفاً، أنت ابن عم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد بعثنا إليك ابن عمك معاوية يسألك أمراً تهدأ به هذه الحرب ويصلح الله به ذات البين, أن تدفع إليه قتلة عثمان ابن عمه، فيقتلهم به، ثم يجمع الله به أمرك وأمره ويصلح الله بينكم، وتسلم هذه الأمة من الفتنة والفرقة)!! ثم تكلم النعمان بمثل ما تكلم به أبو هريرة.

لم يلتفت أمير المؤمنين إلى أبي هريرة ولم يجبه لأنه كان أصغر من أن يُجاب على نفاقه وصفاقته وتفاهته فقال (عليه السلام) لهما: دعا الكلام في هذا. حدثني عنك يا نعمان أنت أهدى قومك سبيلا ــ يعني الأنصار ؟ قال: لا. فقال (عليه السلام) له: كل قومك قد اتبعني إلا شذاذاً منهم، أفتكون أنت من الشذاذ؟!

كان الجواب مفحماً جعل النعمان يشعر بحجمه الحقيقي بعد أن أنسته الهالة الزائفة التي منحها له معاوية من هو في مقابل كبار الصحابة من الأنصار فضلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام), لكي يوجه إليه هذا الطلب, لقد وضعه جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) في حجمه الضئيل الذي يستحقه وجعله ينتبه إلى سلوكه المشين فلم يستطع الرد سوى بالرضوخ لهذه الحقيقة فقال لأمير المؤمنين:

(أصلحك الله، إنما جئت لأكون معك وألزمك، وقد كان معاوية سألني أن أؤدي هذا الكلام وقد كنت رجوت أن يكون لي موقف أجتمع فيه معك وطمعت أن يجري الله تعالى بينكما صلحا، فإذا كان غير ذلك رأيك فأنا ملازمك وكائن معك).

لقد كان كبار الصحابة من الأنصار ورؤوسهم وأشرافهم وأفاضلهم وأسبقهم إلى الإسلام مع علي, فمن هو النعمان أمام قيس بن سعد بن عبادة, وخزيمة بن ثابت ــ ذي الشهادتين ــ وأبي أيوب الأنصاري وعامر بن فضالة، وسهل بن حنيف وغيرهم من أفذاذ الرجال ؟ وما قيمة هذا المنافق أمامهم لكي يطلب من أمير المؤمنين وهو قائدهم وسيدهم هذا الطلب؟ فأحس النعمان بصغره, بعد أن عرفه أمير المؤمنين بموقعه المناسب له فرضخ له وقال قوله هذا نفاقاً وكذباً ومكراً, فبقي في الكوفة وهو يتحيّن فرصة للهرب إلى سيده معاوية وصدق المتنبي حينما قال:

شبيهُ الشيءِ منجذبٌ إليهِ *** وأشبهنا بدنيانا الطغامُ

فقد التف حول معاوية من هم على شاكلته من طغام الناس وأراذلهم أمثال النعمان, وابن العاص, ومروان, وسعيد, والمغيرة, والوليد, وأبي هريرة وغيرهم, وكل واحد من هؤلاء له سجل حافل بالجرائم والموبقات والمخازي.

عودة أبي هريرة

أما أبو هريرة فقد عاد إلى الشام وأخبر سيده معاوية بما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، ففرح معاوية بذلك فهو كان يعلم مسبقاً جواب أمير المؤمنين قبل أرساله النعمان وأبا هريرة, ولكنه لعب هذه اللعبة لتحقيق مآربه السياسية الدموية والبشعة, وقد عُرف بهذه الأساليب الدنيئة التي جُبل عليها, فما إن وصله أبو هريرة حتى أمره أن يخبر الناس ففعل.

لقد امتثل أبو هريرة لأمر معاوية دون تردد كاشفاً عن عنصره الوضيع ومعدنه الدنيء في تحريض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام) وإعطاء شرعية أموية جاهلية لمعاوية للتمرد على علي وعصيانه وعدم الامتثال لطاعته وقتاله بعد أن أجمع المسلمون على بيعته, وليس غريباً على هذا المنافق التافه أن يوقد نار الفتنة بين المسلمين ويدق طبول الحرب بينهم غير آبه بالدماء التي جرت, فقد عُرف بنفاقه وكذبه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله), وكان يكذب عليه في حياته متعمداً حتى قال رسول الله: (من كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار).

فرار النعمان

أقام النعمان في الكوفة بعد رحيل أبي هريرة عنها أشهراً ثم خرج فاراً, فمرَّ بـ (عين التمر) ــ وهي مدينة عراقية بين كربلاء والأنبار ــ وهناك قبض عليه مالك بن كعب الأرحبي وكان عاملاً لعلي (عليه السلام) عليها فقال له مالك :ــ ما مر بك ههنا؟. فقال النعمان: إنما أنا رسول بلغت رسالة صاحبي ثم انصرفت. ولكن مالك لم يقتنع بقول هذا المنافق فارتاب منه وحبسه، ثم قال له: تبقى هنا كما أنت حتى أكتب إلى علي فيك.

فتوسل إليه النعمان أن لا يكتب إلى علي وأن يطلق سراحه وأقسم له أنه أدى رسالته وهو عائد إلى الشام, فقد ثقل على النعمان مواجهة أمير المؤمنين وهو على هذه الحال بعد أن أعطى كلمته بأنه سيبقى معه وفر منه فرار العبيد, لكن مالك أصرّ على مكاتبة أمير المؤمنين بمصيره, وحاول النعمان التخلص منه بشتى الطرق, فسمع بأن قرظة بن كعب الأنصاري قد جاء إلى عين التمر يجبي خراجها لعلي (عليه السلام), فأرسل من يعلمه بحاله مع مالك وأوصاه بأن يحضر لينقذه من هذا المأزق, فجاء قرظة مسرعاً حتى وصل إلى مالك بن كعب فقال له: خل سبيل هذا الرجل - يرحمك الله - فقال له مالك: يا قرظة, اتق الله ولا تتكلم في هذا فإن هذا لو كان من عباد الأنصار ونساكهم ما هرب من أمير المؤمنين إلى أمير المنافقين، فلم يزل قرظة يقسم عليه ويرجوه أن يطلق سراحه حتى خلى سبيله، ولكن مالك لم يكن ليترك النعمان يذهب وهو يظن بأنه قد خدعه بكلامه فقد وجه إليه كلاما أذله فيه فقال له:

ــ يا هذا لك الأمان اليوم والليلة وغداً ثم والله لئن أدركتك بعدها لأضربن عنقك.

لم يصدق النعمان أنه قد أفلت من مالك فما كاد مالك ينتهي من كلامه حتى ركض مسرعاً وركب بعيره ليبتعد بما يستطيع عن مالك وهو يسير على غير هدى وبقي ــ ضالاً ــ في الصحراء ثلاثة أيام لا يدري إلى أين تقوده راحلته؟ بل لا يدري أين هو ؟ !

ثم وجد ضالته فبينما هو يسير إذ رأى قرية صغيرة فوقف ليستجلي الخبر, ومع من هذه القرية؟ فسمع امرأة كانت تطحن وهي تقول:

شربتُ مع الجوزاءِ كأساً رويَّة *** وأخرى مع الشعرى إذا ما استقلّتِ

معتَّقة كانتْ قريشٌ تصونُها *** فلما استحلّوا قتلَ عثمانَ حلّتِ

فعلم أنه عند حي من أصحاب معاوية فلما دخل القرية عرف أنها لبني القين وقد أقاموا حول الماء فتنفس الصعداء حين التقى من هم على ضلالته وهو على ضلالتهم فأمن عندهم. ولما وصل إلى معاوية شارك زميله أبا هريرة تحريضه على قتال أمير المؤمنين بدعوى المطالبة بدم عثمان.

النعمان في صفين

كان من الطبيعي أن يقف النعمان في صف البغاة مع جيش معاوية في حرب صفين ولم يكن مع معاوية من الأنصار غيره، لكن من مهازل القدر أن يحسب هذا المنافق التافه على الأنصار, بل إنه يتبجّح بأنه منهم وهم منه ومن أبيه براء, فأنصار النبي هم أنصار علي ومن عادى علياً فهو من أعداء النبي وليس من أنصاره وهذا المفهوم هو بنص حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) المشهور والذي اتفقت عليه جميع فرق المسلمين عندما قال يوم الغدير: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه, اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, واخذل من خذله), وقد وقف النعمان إلى جانب أعداء رسول الله وأعداء وصيه وأعداء أصحابه من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه, ثم راح يتبجّح ويتشدّق بانتسابه إلى الأنصار وهو من أصاغرهم ولم تكن فيه خصلة واحدة مما كان عليه الأنصار من الشجاعة والحمية والنجدة والحق, بل كان النعمان جباناً ذليلاً منافقاً ولم تكن له في أيام صفين ولا غيرها مبارزة واحدة, بل كان من (أبطال) الترهات والكذب والنفاق والتملق لسيده معاوية.

لقد بلغ بهذا المنافق التملق لمعاوية بأن يتجرأ على وصف سلوك الأنصار نهج أمير المؤمنين بالباطل, حيث وقف في صفين وخاطب زعيم الأنصار وسيدهم قيس بن سعد بن عبادة (رضوان الله عليه) فقال:

(يا قيس بن سعد، أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضى لنفسه ــ يقصد معاوية ــ إنكم معشر الأنصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم علياً كان هذا بهذا, ولكنكم خذلتم حقاً ونصرتم باطلاً, ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، حتى أشعلتم الحرب ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعاً إلى برازكم والله لا تزالون أذلاء في الحرب أبداً, إلا أن يكون معكم أهل الشام، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية, وأقرب إلى الظفر، فاتقوا الله في البقية)!!!

ليس عجيباً أن يثير هذا الكلام الضحك والسخرية عند سماعه فقد ضحك البطل قيس بن سعد عندما سمع هذا الجبان يتفوّه به, إنه يصف الأنصار بالأذلاء بوقوفهم مع علي وهو الذي كان أذل من (فرام المرأة) عندما قبض عليه مالك بن بشر الأرحبي في عين التمر, وتوسل به لكي يطلق سراحه وكاد قلبه ينخلع من الخوف ولاذ بقرظة بن كعب, ثم يقول الآن: ونحن أقرب إلى الظفر وقد أبدى رؤوس جيش الشام عوراتهم خوفاً من ذي الفقار ووصل الأشتر إلى فسطاط معاوية الذي فعل كما فعل ابن العاص لحقن دمه.

ضحك قيس من هذا القول المتملق وسخر منه فهو يعرف النعمان وصغره ووضاعته ولكنه آثر بأن يجيبه وإن كان لا يستحق الجواب ولكن لكي لا تبقى في أذهان السذج والمخدوعين هذه السفاسف والترهات التي نطق بها النعمان فقال له:

(والله ما كنت أراك تجترئ على هذا المقام, أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه, وأنت والله الغاش لنفسك، المبطل فيم انتصح غيره، أما ذكرك عثمان، فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه: قَتَل عثمان من لستَ خيراً منه، وخذله من هو خير منك. وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. وأما معاوية, فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلهم الأنصار، وأما قولك إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا, حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. ولكن انظر يا نعمان: هل ترى مع معاوية إلا طليقاً إعرابياً، أو يمانياً مستدرجاً؟ وانظر: أين المهاجرين والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. ثم انظر، هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك ــ مسلمة بن مخلد ــ ولستما والله بدريين ولا عقبيين ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القرآن).

هذا الجواب الشافي الذي وجهه البطل قيس لهذا المنافق أوضح فيه إلى أي مدى بلغت السفالة بمعاوية وأتباعه في قتالهم أمير المؤمنين (عليه السلام).

الغارة الجبانة

لقد كانت عقدة (عين التمر) مؤثرة على النعمان, فأبوه قتل فيها مع خالد بن الوليد في هجومه الوحشي عليها, وهو كادت روحه تخرج من جسده وقلبه يتوقف من الرعب عندما قبض عليه مالك بن كعب الأرحبي حتى خلصه قرظة منه, فبقيت أحداث تلك الأيام تؤرقه وبقي يتحين الفرصة لأخذ ثأره ورد اعتباره للإهانة التي وجهها إليه مالك, والذل الذي كان عليه وهو يتوسل إليه بأن يطلق سراحه..., وأخيرا حانت الفرصة.

كان معاوية قد بدأ بسياسة شن الغارات على المدن والقرى الآمنة والعودة إلى الجاهلية الأولى التي لم يخرج عنها فكان يستدعي أتباعه ويأمرهم بشن الغارات وترويع الناس وقتل كل من يجدوه من شيعة أمير المؤمنين وسلبهم ونهبهم ولم يُستثنى من القتل حتى النساء والأطفال, وكان يختار لهذه العمليات الإجرامية من له تاريخ عريق في الجريمة والكفر والنفاق أمثال: الضحاك بن قيس الفهري, وبسر بن أرطأة المري, وسفيان بن عوف الغامدي وغيرهم والذين ارتكبوا أبشع الجرائم بحق الإنسانية في التأريخ, ومن ضمن الذين اختارهم أيضاً لينضموا إلى هذه الوحوش البشرية النعمان بن بشير.

فهذا المجرم الذي (لم يزل مع معاوية مناصحاً مجالداً لعلي ويتتبع قتلة عثمان) كما وصفته المصادر كان مستعداً كل الاستعداد لارتكاب أية جريمة في سبيل إرضاء سيده معاوية وطمعا بما عنده من الأموال والمناصب, وأخيراً جاءته الفرصة عندما سمع معاوية يقول لأصحابه: (أما من رجل أبعث معه بجريدة خيل حتى يغير على شاطئ الفرات يرعب بها أهل العراق)؟ وانتفضت أحقاد النعمان على أهل العراق واحمرت عيناه وهو يذكر أباه المقتول, كما وتذكر إذلاله في عين التمر فقال له:

ــ (ابعثني.. فإن لي في قتالهم نية وهوى) فقال معاوية: فانتدب على اسم الله!!

ولا أدري هل يرضى الله بإرعاب الأبرياء وترويعهم وتشريدهم وقتلهم وسلبهم ونهبهم لكي يرسل معاوية النعمان على اسم الله!! ــ حاشا الله من ذلك ـــ إنهم يرتكبون من الجرائم ما تقشعر لها الأبدان وتشمئز منها النفوس ويقرنون ذلك باسم الله!! وليس ذلك بعجيب فتاريخ الأمويين أعاد نفسه بداعش عندما يفجر الإرهابي نفسه باسم الله ويقتل الأبرياء وهو يكبر الله.

دنا النعمان من عين التمر وهو يستعد للهجوم عليها ومعه ألفا رجل، وكان مع مالك بن كعب الأرحبي ــ عامل علي ــ الذي أذل النعمان ألف رجل قبل أن يدنو النعمان من عين التمر, ولكن مالك أذن لهم بالرجوع إلى الكوفة ولم يبق معه إلا مائة رجل أو أقل من هذا العدد.

وعلم مالك بدنو النعمان بألفي رجل, وكان الفارق كبيراً جداً بين أصحاب مالك وبين جيش النعمان الذي يزيد عدده بعشرين ضعفاً على عدد أصحاب مالك, وإذا أراد مالك المواجهة فإن كل رجل من أصحابه عليه أن يواجه عشرين رجلاً من أتباع النعمان, فكتب مالك إلى علي (عليه السلام) بكتاب جاء فيه:

(أما بعد فإن النعمان بن بشير قد نزل بي في جمع كثيف فما أنت ترى ــ سددك الله تعالى وثبتك ــ والسلام).

خطبته (عليه السلام)

وصل كتاب مالك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فدعا الناس إلى نصرة مالك وقال لهم: (يا أهل الكوفة انتدبوا إلى أخيكم مالك بن كعب، فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع ليس بكثير فانهضوا إليهم لعل الله أن يقطع بكم من الظالمين طرفا.

ولكنهم (أبطأوا ولم يخرجوا !!!

فصعد عليه السلام المنبر وخطب فيهم قائلا:

(يا أهل الكوفة المنسر من مناسر أهل الشام إذا أظل عليكم أغلقتم أبوابكم وانجحرتم في بيوتكم انجحار الضبة في جحرها والضبع في وجارها، الذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم رمى بأفوق ناصل، أف لكم لقد لقيت منكم ترحاً، ويحكم يوما أناجيكم ويوما أناديكم، فلا أجاب عند النداء، ولا إخوان صدق عند اللقاء، أنا والله منيت بكم، صم لا تسمعون، بكم لا تنطقون، عمي لا تبصرون، فالحمد لله رب العالمين، ويحكم اخرجوا إلى أخيكم مالك بن كعب فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بالكثير فانهضوا إلى إخوانكم لعل الله يقطع بكم من الظالمين طرفا).

ولكنهم تثاقلوا وكأن الأمر لا يعنيهم فخطب (عليه السلام) فيهم ثانية يستنهضهم قائلا:

(مُنِيتُ بِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ, وَلَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ, لَا أَبَا لَكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ, أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَلَا حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ, أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً, وَأُنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً ,فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلًا وَلَا تُطِيعُونَ لِي أَمْراً, حَتَّى تَكَشَّفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ, فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ, دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ‏ .

ثم نزل. فلم يخرجوا، فأرسل إلى وجوههم وكبرائهم فأمرهم أن ينهضوا ويحثوا الناس على المسير، فلم يصنعوا شيئاً!! فدخل (عليه السلام) بيته وهو حزين, وكان الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي (رضوان الله عليه) حاضراً يراقب الموقف وهو ساكت, فلما وصل أمير المؤمنين إلى قوله هذا ودخل بيته قام وقال لأهل الكوفة:

(هذا والله الخذلان القبيح، هذا والله الخذلان غير الجميل، ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين... ثم دخل على أمير - المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال له: يا أمير المؤمنين إن معي ألف رجل من طئ لا يعصونني فإن شئت أن أسير بهم سرت ؟

فقال له (عليه السلام): جزاك الله خيراً يا أبا طريف ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبائل العرب لحد الشام, ولكن اخرج إلى النخيلة فعسكر بهم، فخرج فعسكر، وفرض علي (عليه السلام) سبعمائة لكل رجل فاجتمع إليه ألف فارس عدا طيئاً أصحاب عدي بن حاتم فسار بهم عدي على شاطئ الفرات وما إن سار عدي حتى وصلت الأخبار إلى أمير المؤمنين بهزيمة النعمان قبل وصول عدي إلى عين التمر.

مخنف بن سليم

لما أحاط النعمان بعين التمر قرر مالك قتاله حتى الموت وراح يشجع أصحابه على القتال ويحثهم على الصبر واليقين والثبات والحق الذي هم عليه مع أمير المؤمنين, وكان مالك من الشجعان الأبطال فقال لأصحابه:

(قاتلوهم في القرية واجعلوا الجدر في ظهوركم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واعلموا أن الله تعالى ينصر العشرة على المائة، والمائة على الألف، والقليل على الكثير مما يفعل الله ذلك).

لم يهب مالك النعمان ولم يبال بكثرة من معه بل خاطب أصحابه بهذه الشجاعة النادرة والبسالة الفائقة وحثهم على القتال وهم يواجهون جيشاً يفوق عددهم بعشرين ضعفاً, ثم أرسل أحد أصحابه ويدعى عبد الله بن حوزة الأزدي إلى أطراف عين التمر لعله يجد من أصحاب أمير المؤمنين من ينضم إليهم لمواجهة جيش النعمان فقال له:

(إن أقرب من ههنا إلينا من شيعة علي (عليه السلام) وأنصاره وعماله قرظة بن كعب ومخنف بن سليم فاركض إليهما وأعلمهما حالنا وقل لهما: فلينصرانا بما استطاعا)

بادر ابن حوزة إلى فرسه واعتلاه وهو يسرع به إلى طلب النجدة وترك مالك وأصحابه يرمون بالنبل جيش النعمان فالتقى بقرظة فاستعانه واستغاثه وأبلغه قول مالك ولكن قرظة اعتذر وقال: إنما أنا صاحب خراج وما معي أحد أغيثه به.

فتركه عبد الله بن حوزة وراح يركض بفرسه ويجيل ببصره في الصحراء عله يجد فيها من يلبي طلبه فوجد مبتغاه, نظر إلى مجموعة من الفرسان فدنا منهم كان على رأسهم مخنف بن سليم وهو من أصحاب أمير المؤمنين المخلصين وقد جاء على أرض الفرات إلى أرض بكر بن وائل لجمع الصدقات فاستغاثه, وكان مع مخنف رجال كثر فأرسل مع ابن حوزة خمسين رجلاً منهم بقيادة ابنه عبد الرحمن فوصلوا سريعاً فوجدوا أن النعمان أحاط بجيشه أصحاب مالك الذين استماتوا في الدفاع عن المدينة رغم قلتهم وقد أنهكتهم كثرة العدو وقاتلهم مالك بن كعب وأصحابه إلى العصر وقد كسروا جفون سيوفهم واستسلموا للموت فلما رأى أتباع النعمان عبد الرحمن ومعه خمسون رجلاً ظنوا أن وراءهم جيشاً فانحازوا عنهم وارتعبوا من هذا الهجوم المباغت الذي قام به عبد الرحمن عليهم فلم يشعروا إلا وقد هجمت عليهم الفرسان فاقتتلوا وحجز الليل بينهم وهم يظنون أن هؤلاء الفرسان هم مقدمة لجيش سيأتي بعدهم مدداً فاتخذوا الليل ستارا للانهزام ولو أبطأ عبد الرحمن بن مخنف عن مالك وأصحابه لقتلوا جميعا فمجيء عبد الرحمن في تلك اللحظة أثار حماس مالك وأصحابه أكثر فهجموا عليهم هجمة رجل واحد وأخرجوهم من القرية وقتلوا منهم وجرحوا وقد قتل من أصحاب مالك بن كعب رجلان هما: عبد الرحمن بن حرم الغامدي، ومسلم بن عمرو الأزدي.

وكتب مالك بن كعب إلى علي عليه السلام يبشّره بنصره وهزيمة النعمان ورد كيد معاوية إلى نحره فجاء في رسالته ما نصه: (أما بعد فقد نزل بنا النعمان بن بشير في جمع من أهل الشام كالظاهر علينا وكان معظم أصحابي متفرقين وكنا للذي كان منهم آمنين فخرجنا إليهم رجالا مصلتين فقاتلناهم حتى المساء واستصرخنا مخنف بن سليم فبعث إلينا رجالاً من شيعة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وولده عند المساء فنعم الفتى ونعم الأنصار كانوا، فحملنا على عدونا وشددنا عليهم فأنزل الله علينا نصره وهزم عدوه وأعز جنده، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

ولما ورد الكتاب على علي (عليه السلام) قرأه على أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم نظر إلى جلسائه فقال: الحمد لله. وندم أكثرهم لعدم خروجهم لنصرة مالك, وهكذا باءت هذه الغارة وأصحابها بالفشل الذريع ورد الله كيد من دبر لها إلى نحورهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1