جبل الفأس يمثل موقعًا نوويًا إيرانيًا شديد التحصين قرب نطنز، تحوّل إلى ورقة استراتيجية بعد ضربات فوردو ونطنز. أهميته تنبع من احتمال احتوائه أجهزة طرد مركزي ويورانيومًا مخصبًا، وصعوبة استهدافه عسكريًا. لذلك تراه إيران ورقة ضغط وردع تفاوضية، بينما تعدّه الولايات المتحدة وإسرائيل هدفًا خطيرًا مرتبطًا بمنع طهران...
منذ شهر تموز من عام 2020، تعرضت منشأة نطنز النووية، التي تبعد مسافة (400) كيلومتر جنوب العاصمة طهران، إلى هجوم سيبراني إسرائيلي مدمر، أصاب أجزاء مهمة من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وتسبب باندلاع حريق داخل المنشأة، وأغلق أجزاء كبيرة منها، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي فيها.
وبعدما أعلن الكيان الصهيوني دوره وراء الهجوم والتخريب الذي تعرض له الموقع النووي، أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، علي أكبر صالحي، أمام لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني: "إن إيران ستبني مجمعًا جديدًا لتجميع أجهزة الطرد المركزي في قلب الجبل". ونتيجة لذلك، ولحاجة إيران إلى ورقة ضغط وتفاوضية رابحة في الوقت ذاته، بدأت، في كانون الأول من عام 2020، عملية البناء في الجبل الذي عُرف بجبل الفأس.
وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية له لدى القيادة العسكرية الإيرانية في حرب "الاثني عشر يومًا"، عندما وجهت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات جوية بالقنابل الخارقة للتحصينات لمحطتي فوردو ونطنز النوويتين، في حزيران من عام 2025، وتسببت بإغلاق المحطتين وتدمير أجزاء كبيرة منهما، إذ قامت إيران، بمساعدة مجموعة من الخبراء، ولا سيما الروس، بنقل أجزاء من أجهزة الطرد المركزي وكميات من اليورانيوم المخصب إلى هذا الجبل شديد ومعقد التحصين.
ومنذ ذلك الحين، عدّت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل جبل الفأس ضمن بنك الأهداف الاستراتيجية والمراقبة الشديدة، ولا سيما بعد منع إيران وكالة الطاقة الذرية الدولية من تفتيش جبل الفأس والمواقع المحيطة به وزيارتها، مما دفع الطرف المقابل في الصراع، ولا سيما الأمريكي والإسرائيلي، إلى التشديد على أهمية هذا الموقع، والتهديد بتدميره خلال الحرب، إذ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 21 تموز من العام الحالي: "إن الولايات المتحدة ستوجه على الأرجح ضربة إلى جبل الفأس في وقت قريب نسبيًا".
وفي السياق ذاته، أعلن الكيان الصهيوني أن الموقع يضم المكونات اللازمة لإنشاء منشأة تحت الأرض قادرة على تخصيب اليورانيوم إلى مستوى عسكري يبلغ 90%، وعدّ هذا المبرر دافعًا للتحرك الأمريكي وإمكانية تدميره. وفي هذا الصدد سوف نبيّن الأهمية الاستراتيجية لجبل الفأس في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، على النحو الآتي:
أولًا/ الموقع والتسمية:
يُسمى موقع الجبل بالفارسية "كوه كُلنك كزلا"، ويُترجم إلى جبل الفأس/ المعول، ويشتهر في المجال الإعلامي باسم "جبل الفأس"، إذ يقع في محافظة أصفهان على مسافة (220) كيلومترًا جنوب العاصمة طهران، وعلى مسافة كيلومترين من منشأة نطنز الإيرانية، وعلى ارتفاع (1600) متر فوق مستوى سطح البحر ضمن سلسلة جبال زاكروس. وتحيط به سلسلة معقدة من التضاريس الصخرية، مما يضفي على موقعه طابعًا استثنائيًا من التعقيد والتحصين المشدد.
ثانيًا/ التحصين الهندسي:
يمتاز جبل الفأس بتحصين هندسي فريد، إذ يقع تحت الجبل على مسافة (100) متر، ويحتوي على مجمعين من الأنفاق المعقدة، وتحيط بهذه الأنفاق سياجات أمنية وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى منظومات من الصواريخ للدفاع الجوي. ويتكون العمق الاستراتيجي للجبل من الغرانيت الصلب، إذ تجعل تلك الصخور المحيطة منه من أشد التحصينات الهندسية أمام القنابل الصاروخية، وأكثرها مقاومة للضربات الجوية.
ثالثًا/ وجود أجهزة الطرد المركزي واليورانيوم المخصب:
بعد تدمير محطتي فوردو ونطنز، عملت إيران على نقل أجهزة الطرد المركزي وكميات كبيرة من اليورانيوم المخصب أو عالي التخصيب إلى هذا الموقع المحصن، إذ تشير المعلومات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية إلى وجود نشاط في جبل الفأس يعود لأجهزة الطرد المركزي المتقدمة. إضافة إلى ذلك، أكدت أنها متيقنة من أن إيران قامت بنقل كميات من اليورانيوم المخصب إلى الجبل، وهذا ما جعل الأهمية الاستراتيجية لجبل الفأس تزداد يومًا بعد يوم في المدرك العسكري لإسرائيل وللولايات المتحدة الأمريكية، لما يمتاز به هذا الموقع من تحصين مشدد وسرية تامة بعيدة عن أنظار الرقابة الدولية.
رابعًا/ ورقة ضغط وتفاوضية:
منحت الأهمية الاستراتيجية لجبل الفأس إيران ورقة ضغط وتفاوضية في الوقت ذاته، إذ جعلت من الصعوبة إمكانية تدمير النظام وانهياره في مرحلة واحدة، وجعلت إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات وإملاء الشروط التفاوضية من قبل الطرفين أمرًا واقعيًا. فالولايات المتحدة الأمريكية لطالما راهنت منذ بداية الحرب على تسليم اليورانيوم المخصب أو الغبار النووي، وعدّته ضمن بنك أهدافها الاستراتيجية الرئيسة للحرب. فتسليم اليورانيوم المخصب أو تحديد موقعه بدقة يُعدّ من قبل الطرف الأمريكي أهم من انهيار النظام السياسي في إيران، وهذا ما دار حوله الاتفاق النووي الأمريكي-الإيراني لعقود طويلة، إلى بداية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018، خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، وتجلي تداعياته على المنطقة بالكامل، ثم رفع التصعيد والتوتر، اللذين قادا في النهاية إلى الحرب الوجودية الحتمية.
خامسًا/ ورقة ردع إيرانية:
يمنح الموقع الجغرافي لجبل الفأس إيران إمكانية بقاء أجزاء كبيرة من برنامجها النووي حية ومحصنة، وبعيدة عن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية الاستراتيجية. والتحول الخطير في هذه المرحلة، كما يراه الغرب، هو إمكانية وصول إيران في وقت قصير إلى مستوى 90% من التخصيب، وهذا يعني امتلاك السلاح النووي، وحينها سوف تختلف موازين الحرب وتفرض واقعًا جديدًا على الأرض. وهذا ما تطمح إليه إيران في هذه المرحلة، أي امتلاكها ورقة ردع نووية.
في الختام، يتضح من خلال ما تم ذكره أن موقع جبل الفأس يُعد من المواقع الاستراتيجية المهمة شديدة التحصين والتعتيم والسرية، إذ إن منع إيران وكالة الطاقة الذرية الدولية من تفتيش الموقع وزيارته يُعد من الأوراق الردعية الضاغطة في منظور صناع القرار العسكري الإيراني، ولا سيما أن إيران تعوّل بشكل كبير على أهمية هذه الورقة، وإمكانية إيجاد مخرج للحرب يغير موازين القوى، واستعادة الواقع الفعلي للمسار الدبلوماسي، وإيجاد آلية متوازنة في إملاء الشروط بين الطرفين.
وفي المقابل، يدرك الطرف المقابل، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، أهمية هذه الورقة، أي ورقة الردع، ويراهن على تدمير آخر جزء متبقٍ منها، ويعدها من الخطوط الحمراء شديدة الخطورة، التي أصبح من المستحيل له أن يسمح لإيران بالوصول إليها وامتلاك أطرافها. وهو ما شكل جوهر الصراع الكبير بين الطرفين، واتساع الفجوة في المسار الدبلوماسي لعدة جولات باءت بالفشل الشديد، وفقدان الثقة وغياب ملامح مسار الحرب، لتعود من جديد إشكالية الطرف الآخر، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.



اضف تعليق