إن تراجع الهجمات المباشرة على التعليم في العراق يفتح فصلاً جديداً من المسؤولية؛ فالمعركة اليوم تتجاوز فتح أبواب المدارس إلى إزالة مخلفات الحرب والتلوث بالألغام، وتخفيف اكتظاظ الصفوف، ومعالجة فقر الأسر النازحة لضمان تحول العودة إلى الصفوف من مجرد إجراء شكلي إلى تعليم آمن، مستقر، ومستدام...
تحتاج المدرسة بعد الحرب إلى أكثر من باب يُفتح وجرس يعلن بداية الدوام؛ تحتاج إلى طريق يأمنه الأطفال، ومعلم يستطيع متابعة دروسهم، وأسر تملك فرصة إبقائهم في الصفوف. في العراق، تتوزع هذه الشروط بين جهود إعادة الإعمار وإزالة مخلفات الحرب ومساعدة المنقطعين على العودة إلى الدراسة. ومع اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، في التاسع من أيلول، يبرز سؤال يمسّ مستقبل التعافي نفسه: متى تصبح العودة إلى المدرسة عودةً إلى تعليم آمن ومستقر؟
يكتسب السؤال أهميته من مفارقة تحملها أحدث التقارير: فبينما تتصاعد الهجمات على التعليم عالميًا، يسجل العراق تراجعًا في الاعتداءات المبلّغ عنها خلال عامي 2024 و2025. غير أن هذا التحسن يفتح فصلًا آخر من المسؤولية؛ حماية ما استُعيد، والوصول إلى الأطفال الذين ما زالت آثار النزاع تعترض طريقهم إلى التعلم.
داخل الصفوف، تبدو بعض ملامح هذه المهمة أكثر وضوحًا. ففي شهادة نشرتها منظمة «People in Need» في تشرين الثاني 2025، تحدث المعلم محمد كامل، البالغ 56 عامًا ومدرس في إحدى مدارس إقليم كردستان العراق، عن أعداد كبيرة من الطلبة يقابلها عدد محدود من المعلمين، وعن صعوبة منح كل طفل ما يحتاجه من اهتمام في الصفوف المكتظة. وتناول أيضًا تدريبات حسّنت أساليب التدريس ودروس تقوية ساعدت الطلبة على متابعة تعلمهم. وتكشف شهادته أن استعادة قدرة المدرسة على أداء دورها عملية تستمر داخل الصف، بعد انحسار الاضطراب المحيط به.
وتعرض المنظمة في المادة نفسها برنامجًا في إقليم كردستان، بتمويل من صندوق «التعليم لا ينتظر» وبالشراكة مع «أنقذوا الأطفال» و«إنترسوس» ومؤسسة روانگە. شمل العمل تدريب المعلمين، ودروسًا تعويضية خلال السنة الدراسية والعطلة الصيفية، ولوازم مدرسية، وجلسات للدعم النفسي والاجتماعي، وتحسينات في البيئة المدرسية. وهي إجراءات تتصل مباشرة بما يعيشه الطالب: درس يفهمه، وأدوات يستخدمها، ومعلم يتابع تقدمه، وأسرة تشارك المدرسة في دعمه.
أما تقرير «التعليم تحت الهجوم 2026»، الصادر عن التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، فيشير في فصله العراقي إلى اعتداءات متفرقة على المدارس والطلبة والعاملين فيها خلال 2024 و2025، وحالة واحدة من الاستخدام العسكري لمنشآت تعليمية، وهجومين على التعليم العالي. ويضع تراجع الهجمات المبلّغ عنها ضمن سياق تحسن الاستقرار واستمرار تحديات الحكم والتوترات الإقليمية. ويقدم بذلك مؤشرًا على التقدم، مع بقاء مخاطر تستدعي المتابعة والحماية.
وعالميًا، يسجل التقرير أكثر من 8500 هجوم على التعليم خلال عامي 2024 و2025، بزيادة تتجاوز 40% عن عامي 2022 و2023، وتضرر ما لا يقل عن 10600 من الطلبة والمعلمين والأساتذة والعاملين في التعليم. ورصد التحالف تقارير عن هجمات في 83 دولة، خصص لـ28 منها ملفات تفصيلية. وهذه حصيلة للعامين اللذين يغطيهما التقرير، فيما تشير تسمية «2026» إلى سنة إصداره.
ويوافق اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات التاسع من أيلول من كل عام. وقد أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 أيار 2020، بالقرار 74/275، وأسندت إلى اليونسكو واليونيسف تيسير إحيائه سنويًا. وتعرض اليونسكو احتفالية 2026 تحت شعار يتساءل، بترجمة معناه، عن قدرة التعليم على الصمود أمام الهجمات وعن صمود المجتمعات الإنسانية. وتتناول المناسبة حماية المؤسسات التعليمية والطلبة والمعلمين، ودعم استمرار التعليم في ظروف النزاع.
وفي العراق، يتعلق هذا النقاش بقطاع واسع تمسّ قراراته حياة ملايين الأسر. ففي 20 أيلول 2025، نقلت وكالة الأنباء العراقية عن وزارة التربية أن العام الدراسي 2025–2026 سينطلق بمشاركة أكثر من 12 مليون تلميذ وطالب من مختلف المراحل. ويوضح هذا الحجم لماذا تتجاوز حماية التعليم معالجة حادث منفرد؛ فالقدرة على استمرار الدراسة ترتبط أيضًا باستعداد الأبنية والملاكات والخدمات، وبالاستجابة للاحتياجات المختلفة بين محافظة وأخرى. والرقم يصف حجم المشاركة المدرسية المعلن لذلك العام، ولا يمثل عدد المتضررين من النزاع.
في العراق… ما الذي يفصل عودة المدرسة عن عودة التعليم؟
تبدأ بعض عوائق العودة قبل الوصول إلى باب المدرسة. ففي الرابع من نيسان 2025، قالت اليونيسف ودائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام «UNMAS» إن أكثر من 2700 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية ما زالت ملوثة بالذخائر المتفجرة. وربط البيان بين هذا التلوث وبين تقييد الوصول الآمن إلى التعليم وسبل العيش وعرقلة عودة المجتمعات النازحة. كما أورد، استنادًا إلى تقارير أممية رسمية، مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 314 طفلًا بالذخائر المتفجرة خلال السنوات الخمس السابقة لنشره.
ويضع البيان سلامة التعليم ضمن ملف يشمل الأرض والسكن والعودة والخدمات. فالمدرسة تحتاج إلى بيئة محيطة يمكن استخدامها بأمان، وإلى أسرة تستطيع الاستقرار في منطقتها. ودعت المنظمتان إلى تسريع أعمال مكافحة الألغام وتوسيع التوعية بالمخاطر وتعزيز تدابير الحماية. وهذه آثار مستمرة للحرب، يختلف تصنيفها عن الهجمات المباشرة على المؤسسات التعليمية، لكنها قد تلتقي معها في تعطيل قدرة الطفل على الوصول إلى فرص التعلم والاستفادة منها.
وفي نينوى، ينتقل جانب من التحدي إلى سرعة إنجاز الأبنية المطلوبة. فقد أعلنت وزارة التخطيط العراقية في الأول من أيلول 2026 متابعة مشاريع تتضمن إنشاء 35 مدرسة بأسلوب البناء الجاهز الكونكريتي. وذكرت تسلّم مدرستين، مع استمرار العمل في المدارس الأخرى، وأوردت نسبتي إنجاز تبلغـان 21% و28% لعقدين من مشاريع المدارس. وحددت الوزارة أهداف العمل بفك الازدواج وتقليل الاكتظاظ وتوفير بيئة دراسية مناسبة، داعية الجهات المعنية إلى استكمال المشاريع ضمن المدد المحددة.
وتكشف هذه الأرقام مرحلة العمل التي بلغتها المشاريع، وتفتح بابًا لمتابعة ما سيصبح متاحًا للطلبة بالفعل. فالأثر التعليمي للمدرسة الجديدة يظهر حين تستقبل الطلاب وتنتظم خدماتها، وحين تخفف الضغط عن الأبنية القائمة. ومن هنا تأتي أهمية متابعة التسليم والتشغيل إلى جانب نسب الإنجاز الهندسي. فالحديث عن 35 مدرسة يشير إلى نطاق المشاريع التي تناولها البيان، بينما عدد المدرستين يحدد ما قالت الوزارة إنها تسلّمته حتى تاريخ الإعلان؛ والفارق بينهما هو مساحة العمل المتبقية.
وسبق هذا الإعلان مسار آخر لتأهيل المدارس في المحافظة. ففي 25 أيلول 2025، نقلت وكالة «نينا» عن وزارة التربية اتفاقًا على تأهيل وترميم أكثر من 150 مدرسة، عقب اجتماع برئاسة محافظ نينوى ومشاركة مسؤولين تربويين ومستثمرين. وربطت الوزارة المبادرة بتحسين البيئة التعليمية والخدمات المقدمة للطلبة والملاكات التدريسية، واستكمال تطوير البنى التحتية بدعم الاستثمار. وبذلك يجتمع في المحافظة مساران: إنشاء أبنية جديدة، والعمل على تأهيل أبنية قائمة.
وتحتاج قراءة هذين المسارين إلى إبقاء كل مشروع ضمن نطاقه. فخبر تأهيل المدارس يوثق اتفاقًا أُعلن، بينما بيان التخطيط يقدم تقدمًا تنفيذيًا لمشاريع محددة. ولا تكفي المادتان وحدهما لتكوين حصيلة موحدة للمدارس المنجزة في نينوى أو لمعرفة ما إذا كانت قوائم المشاريع تتداخل. أما ما تثبتانه معًا فهو حضور الحاجة إلى توسيع الأبنية وتحسينها في أجندة العمل المحلي، مع بقاء الإنجاز الفعلي والخدمة المقدمة للطالب مقياسًا للمتابعة.
وفي غرب الموصل وسنجار، يأخذ العمل التعليمي بعدًا يرتبط بالعلاقات التي أثّر فيها النزاع. ففي بيان نشرته اليونسكو في 11 شباط 2026، أعلنت المنظمة والحكومة اليابانية إطلاق مشروع يجمع التعليم والمصالحة لدعم المجتمعات المتأثرة بالحرب. ويستهدف توفير بيئات تعلم آمنة وداعمة في عشر مدارس ابتدائية وثانوية، لفائدة أكثر من ثلاثة آلاف طفل وشاب، مع اهتمام بالعائدين والنازحين، وخصوصًا الفتيات المراهقات.
ويشمل تصميم المشروع تدريبًا تشاركيًا للمدارس وأولياء الأمور، وتمكين الشباب والمشاركة المجتمعية، إلى جانب بناء قدرات المعلمين. ويعني ذلك أن المدرسة تُوضع ضمن جهود استعادة الثقة والتواصل داخل المجتمع. فالعودة إلى التعليم تتطلب القدرة على الانخراط في الصف والتفاعل مع الآخرين، إضافة إلى وجود المقعد. والأرقام التي توردها اليونسكو تحدد المستفيدين المستهدفين عند الإطلاق، فيما ستوضح نتائج التنفيذ مقدار ما تحقق من تلك الأهداف.
وعندما تتوافر المدرسة، قد يبقى دخل الأسرة عاملًا حاسمًا في استمرار الطفل فيها. ففي تقرير من بغداد نشره موقع «The New Arab» في 25 أيار 2026، عرضت أم عراقية نازحة، عرّفها التقرير باسم أم عبد الله، ظروفًا دفعت أبناءها إلى ترك الدراسة والعمل لمساندة الأسرة بعد مرض والدهم.
وتوضح شهادتها المنشورة كيف يتداخل النزوح مع ضغوط المعيشة في قرار يفترض أن يكون تعليميًا، وكيف يمكن أن تصبح العودة إلى الصف مرتبطة بقدرة الأسرة على تعويض الدخل الذي يوفره عمل أبنائها.
وفي المقابل، نقل الموقع عن وزارة التربية عودة أكثر من 13 ألف طفل إلى الدراسة عبر برنامج «فرصة»، ونسبة استبقاء بلغت 95% خلال 2025–2026. وقال إن البرنامج نُفذ بالتعاون مع «أنقذوا الأطفال»، وشمل اللوازم المدرسية ودعم النقل وأجهزة مساعدة للطلبة ذوي الإعاقة، وتفعيل مجالس الآباء والمعلمين. وهذه نتائج منسوبة إلى الإعلان الوزاري عن البرنامج. وتظهر إجراءات الدعم أن العودة تحتاج إلى معالجة تكاليف الدراسة وظروفها اليومية، إلى جانب فتح باب التسجيل.
وهنا يبرز فرق عملي بين إرجاع الطفل إلى السجل المدرسي ومساعدته على الاستمرار. فالتسجيل بداية يمكن رصدها بسرعة، بينما المواظبة تُختبر طوال العام، كلما واجهت الأسرة نفقات أو صعوبات جديدة. ولهذا تمنح نسبة الاستبقاء، ضمن نطاق البرنامج الذي أعلنها، معلومة مختلفة عن عدد العائدين: إنها تتعلق بما يحدث بعد العودة. ويجعل هذا الفرق متابعة البرامج التعليمية أكثر قربًا من حياة الأسر، وأقل اعتمادًا على أرقام الالتحاق وحدها.
ومن داخل الأسرة والصف، يمتد التعافي إلى الخدمات النفسية والاجتماعية. ففي 20 كانون الثاني 2026، أعلنت وزارة التخطيط، بالتعاون مع اليونيسف، إطلاق أول دليل عراقي إرشادي لأطباء الصحة النفسية والأخصائيين النفسيين العاملين مع الأطفال في مناطق ما بعد النزاع. وأوضحت اليونيسف أن إعداد الدليل شمل مشاورات مع مؤسسات حكومية ومجتمع مدني وأكاديميين ومقدمي خدمات وأطفال، مع اختباره ميدانيًا في المخيمات.
ويهدف الدليل إلى توفير توجيهات عملية موحدة للعاملين في خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، ومساعدة الأخصائيين الاجتماعيين على تطبيق حزمة أساسية من خدمات حماية الطفل وإدارة الحالات. وتربط المنظمة هذا العمل بدمج الدعم في الصحة والتعليم والحماية. وتكتسب الخطوة أهميتها من أنها تنظم استجابة لاحتياجات الأطفال المتأثرين بالنزاع والنزوح والفقر، بحيث يصبح الدعم جزءًا من الخدمات التي تتعاون عليها المؤسسات. أما مدى الوصول إلى الأطفال، فيرتبط بتطبيق الدليل وانتشار الخدمات وقدرة العاملين على تقديمها.
وتشمل الاستجابة العراقية أيضًا حق الأطفال ذوي الإعاقة في الوصول إلى التعليم. ففي الثالث من كانون الأول 2025، أطلق العراق الاستراتيجية الوطنية لإدماج الأطفال والشباب ذوي الإعاقة للأعوام 2026–2030. وبحسب اليونيسف، تتناول الاستراتيجية التعليم الدامج والخدمات الصحية والحماية الاجتماعية والبنية التحتية الميسّرة والوصول الرقمي، وتسعى إلى إزالة العوائق التي تحد من مشاركة الأطفال والشباب في مجتمعاتهم. كما تتضمن تحسين البيانات وتعزيز التشريعات وتكافؤ الفرص للفتيات والفتيان.
وتعطي هذه الاستراتيجية معنى أكثر تحديدًا لفكرة المدرسة المتاحة للجميع. فوجود بناية عاملة لا يحسم وحده قدرة كل طالب على استخدامها أو تلقي الخدمات المناسبة فيها. وحين تتجه الجهود إلى تأهيل المدارس وإنشاء أخرى، يصبح إدماج متطلبات الإتاحة في التخطيط وسيلة لتجنب إعادة إنتاج العوائق داخل الأبنية الجديدة. وهذه قراءة لما تقتضيه أهداف الاستراتيجية عند وصلها بمشاريع التعليم؛ أما قياس تنفيذها فيحتاج إلى متابعة المرافق والخدمات التي أصبحت متاحة بالفعل.
ولمتابعة هذه الاحتياجات، تحتاج المؤسسات إلى معلومات تستطيع العمل بها. وفي الثامن من شباط 2026، قالت اليونيسف إن نظام إدارة المعلومات التربوية طُبق في 16675 مدرسة عراقية حتى كانون الأول 2025، وإن نحو نصفها تلقت دعمًا مباشرًا من المنظمة. ويجري هذا العمل بتمويل من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع وزارة التربية واليونسكو، ضمن جهود تقوية النظام التعليمي وتحسين تقديم الخدمات. ويشير العدد إلى المدارس المشمولة بتطبيق النظام الإداري، لا إلى مدارس متضررة أو أعيد إعمارها.
وتكمن أهمية الإدارة والبيانات، عند جمع هذه الملفات، في القدرة على تحويل الاحتياجات المتفرقة إلى قرارات يمكن تتبعها. فهناك مشاريع أبنية وبرامج لإعادة المتسربين وخدمات للحماية والإدماج، ولكل منها نطاق ونتائج مختلفة. ولن يكون تقييم التعافي دقيقًا إذا اختلط عدد المدارس المستهدفة بعدد المنجزة، أو عدد الأطفال المسجلين بعدد المواظبين. وما تحتاج إليه الأسر في النهاية هو معرفة ما حصل عليه أبناؤها فعلًا، وما الذي سيصبح متاحًا لهم، ومن يتحمل مسؤولية استكمال ما ينقصهم.
وعلى هذا المستوى، لا يُقاس النجاح العراقي برقم واحد. فالتراجع في الهجمات المبلّغ عنها مؤشر، واستكمال المدرسة مؤشر آخر، وقدرة الأسرة على إبقاء أبنائها في التعليم مؤشر ثالث. وتساعد قراءة المؤشرات معًا على فهم التقدم وحدوده، من دون تحويل أزمة الاكتظاظ إلى هجوم مسلح، أو اعتبار كل انقطاع عن الدراسة ناتجًا عن الحرب. هذا التمييز يحدد مسؤولية الاستجابة: فالمخاطر الأمنية تحتاج إلى إجراءات حماية، والأبنية إلى تنفيذ وتمويل، والأسر المتضررة إلى دعم يساعدها على الاستمرار.
من الالتزامات الدولية إلى ما يصل للطالب
يمتلك العراق أساسًا دوليًا يمكن البناء عليه في حماية المؤسسات التعليمية. فاسمه مدرج ضمن الدول المؤيدة لإعلان المدارس الآمنة في القائمة التي حدثتها وزارة الخارجية النرويجية في 25 تشرين الثاني 2025. وتوضح الوزارة أن الإعلان تطور بقيادة النرويج والأرجنتين بهدف تجنب الاستخدام العسكري للمدارس وتعزيز حماية الأطفال والتعليم في النزاعات. ومن ثم، فإن وجود العراق في هذه القائمة يضع التنفيذ المحلي للالتزام ضمن الأسئلة المشروعة التي تطرحها المناسبة.
ويمكن تقريب معنى التنفيذ من خلال سؤال مباشر: ما الإجراءات التي تحمي وظيفة المدرسة التعليمية عندما تتصاعد المخاطر حولها؟ فالتأييد الدولي يوفر مرجعية، لكن أهميته العملية ترتبط بالتدابير والإرشادات والتنسيق والاستجابة للحوادث. وهذه مسافة تستحق المتابعة في العراق، خصوصًا مع رصد تقرير 2026 حالة من الاستخدام العسكري لمنشآت تعليمية خلال الفترة التي غطاها. ولا يقدم تأييد الإعلان وحده حكمًا على مستوى تطبيقه في كل مؤسسة أو منطقة.
وتعرض ورقة «الأثر العملي لإعلان المدارس الآمنة»، التي أصدرها التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات في أيار 2025، أمثلة تساعد على فهم هذه المسافة. ففي الكاميرون، تشير إلى تدريب قوات دفاع وأمن على الإرشادات، واعتماد خريطة طريق وطنية ولجنة تقنية لمتابعة التنفيذ خلال 2024. وفي كولومبيا، تعرض خطة تنفيذ للفترة 2022–2026 ولجنة مشتركة بين المؤسسات. وتظهر هذه الأمثلة كيف يمكن أن يتحول الالتزام إلى ترتيبات إدارية وتدريبية محددة.
ولا تعني الاستفادة من هذه التجارب نقلها حرفيًا إلى العراق؛ فالسياق الأمني والمؤسساتي يختلف. لكنها تقدم أدوات قابلة للنقاش: تحديد الجهة التي تنسق الحماية، وتدريب المعنيين، وتوثيق وضع المدارس، ووضع خطة يمكن قياس تقدمها. وأهمية الورقة أنها تنقل النقاش من صيغة التأييد العام إلى أمثلة على ما فعلته مؤسسات في بلدان أخرى، بما يتيح مساءلة السياسات على أساس إجراءات واضحة.
وفي بيان عربي مشترك بمناسبة اليوم الدولي في أيلول 2025، أدانت الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ وتحالف حماية الطفل الهجمات على التعليم، ودعتا أطراف النزاع إلى احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدارس من الهجمات والاستخدام العسكري وضمان استمرار الأطفال في التعلم داخل بيئات آمنة. ويجمع البيان جهتين متخصصتين في التعليم والحماية حول مطلب واحد: أن تُحمى العملية التعليمية والأطفال الذين تعتمد عليها حياتهم اليومية ومستقبلهم.
وهذا الربط بين التعليم والحماية حاضر كذلك في التحرك العربي المرتبط بالمناسبة. ففي العاشر من أيلول 2025، أعلنت وزارة الخارجية القطرية تنظيم الوفد الدائم لقطر في جنيف احتفالية تضمنت معرض صور لمؤسسة «التعليم فوق الجميع» ومناظرة شبابية نظمها مركز مناظرات قطر. وشارك فيها دبلوماسيون وممثلو منظمات دولية وغير حكومية، وتناولت دور المجتمع الدولي والشباب في حماية الحق في التعليم.
وبحسب البيان، دعت المندوبة الدائمة لقطر إلى وقف استهداف المدارس ومساءلة الأطراف المسؤولة. وتعكس الفعالية طريقة لإبقاء القضية حاضرة خارج التقارير المتخصصة، عبر الصور والنقاش ومشاركة الشباب. وتبقى قيمة هذا الحضور، بالنسبة إلى البلدان المتأثرة بالنزاع، مرتبطة بما يسنده من اهتمام مستمر بالحماية والتعليم؛ فالمناسبة تتيح عرض المطالب، بينما تنفيذها يحتاج إلى عمل يتواصل بعد انتهاء الفعاليات.
وفي فعالية أخرى، نقلت وكالة الأنباء القطرية في الثامن من أيلول 2025 مشاركة المندوبة الدائمة في طاولة مستديرة بجامعة جنيف حول العدالة في التعليم. وركزت مداخلتها على أن الإنصاف يتطلب تكييف الموارد مع اختلاف الاحتياجات، وأن التعليم يدعم المتأثرين بالنزاعات والنزوح والأزمات الإنسانية. وهذه الفكرة تتصل بالملف العراقي من زاوية واضحة: الطلبة الذين انقطعت دراستهم، أو نزحت أسرهم، أو يحتاجون إلى خدمات إضافية، لا تكفي لمعالجة أوضاعهم إتاحة فرصة شكلية متساوية للتسجيل.
وعلى مستوى السياسات الإقليمية، أطلقت اليونسكو في بيروت الإطار الاستراتيجي للتعليم في حالات الطوارئ في المنطقة العربية للأعوام 2025–2030، وفق بيان نشرته في 18 تشرين الثاني 2025. وجمع اللقاء وزراء ومسؤولين وشركاء تنمية ومنظمات دولية ومجتمعًا مدنيًا وأكاديميين وشبابًا، في محاولة لتنسيق حماية الحق في التعليم في منطقة تتأثر بالنزاع والنزوح والكوارث المرتبطة بالمناخ. وانتهى إلى الدعوة لتعاون إقليمي أقوى وتمويل مستدام واستجابات مترابطة.
ويمنح هذا الإطار التجارب الوطنية مجالًا للمقارنة وتبادل الخبرات. فالتحدي المشترك هو استمرار التعلم عندما تتعطل ظروفه المعتادة، لكن الأدوات تختلف بحسب الأزمة: بيئات مؤقتة، أو تعويض الفاقد الدراسي، أو دعم المعلمين والأسر، أو إعادة تأهيل الأبنية. وبالنسبة إلى العراق، يمكن قراءة برامج التعافي المحلية ضمن هذا النقاش الإقليمي، مع الحفاظ على خصوصية ما يحتاجه كل مجتمع. فالاستفادة من تجربة مجاورة تبدأ بتحديد المشكلة التي عالجتها، والموارد التي تطلبتها، والحدود التي واجهتها.
وفي لبنان، تقدم بيانات نشرتها اليونسكو بالعربية في التاسع من نيسان 2026 مثالًا على سرعة اتساع التعطل التعليمي أثناء التصعيد. فبحسب وزارة التربية اللبنانية، أغلقت 339 مدرسة في مناطق حرب أبوابها حتى الثامن من نيسان، مع استمرار 133 منها بالتعليم عبر الإنترنت. كما تحولت 431 منشأة تعليمية إلى ملاجئ جماعية. وفي استجابتها، تحدثت اليونسكو عن مراكز تعليمية مؤقتة ومواد دراسية وتعلم مرن ودعم نفسي واجتماعي.
وتبين هذه الحالة أن حماية استمرار التعليم تتطلب بدائل حين يصبح الوصول إلى المبنى متعذرًا. وقد شملت الاستجابة المعلنة تنظيم استخدام المساحات المتاحة وتدريب المعلمين وإعادة إدماج الطلبة تدريجيًا في التعليم الرسمي. ولا تتطابق الحالة اللبنانية مع واقع العراق، لكنها تبرز مسألة التخطيط المسبق: ما الذي تستطيع المؤسسات تشغيله بسرعة عند التعطل؟ وكيف تحافظ البدائل على الصلة بالمناهج والنظام المدرسي، حتى يتمكن الطلبة من العودة من دون انقطاع إضافي؟
أما سورية، فتقدم زاوية تتعلق بحجم الإعمار المتبقي حتى مع إعادة مدارس إلى الخدمة. ففي 19 تموز 2026، نقلت وكالة «سانا» عن مسؤول في وزارة التربية والتعليم إعادة تأهيل 1285 مدرسة منذ بداية العام حتى ذلك التاريخ، وبقاء أكثر من ستة آلاف مدرسة بحاجة إلى إعادة تأهيل. وتضمنت الأعمال المعلنة معالجة البنية الإنشائية وصيانة الأبواب والنوافذ والخدمات، مع تزويد بعض المدارس بمنظومات طاقة شمسية.
ويظهر من المقارنة بين المنجز والاحتياج المتبقي أن تقدم الإعمار يمكن أن يتزامن مع استمرار فجوة كبيرة في الخدمات. وهذه زاوية مفيدة لقراءة المشروعات العراقية أيضًا، من دون مقارنة مباشرة بين أعداد البلدين أو اعتبار احتياجاتهما متساوية. فالمتابعة تحتاج إلى معرفة ما أُنجز، وما بقي، وأين تتركز الحاجة، ومن سيتمكن من الاستفادة. وبهذه الطريقة يصبح رقم المدرسة مرتبطًا بوظيفتها ومجتمعها، بدل أن يبقى بندًا منفصلًا في بيان إنجاز.
وتعيد هذه التجارب النقاش إلى العراق وإلى ما يستطيع الطالب أن يلمسه من التعافي. فالمعلم الذي تحدث عن كثرة الطلبة وقلة الملاكات يحتاج إلى بيئة تساعده على التدريس. والأسرة التي اضطرت إلى إخراج أبنائها من التعليم تحتاج إلى معالجة الظروف التي دفعتها إلى ذلك. والطفل العائد إلى منطقة متأثرة بمخلفات الحرب يحتاج إلى سلامة يمكن الوثوق بها. إنها احتياجات مختلفة، تجمعها غاية واحدة، لكن كلًا منها يتطلب استجابة محددة ومسؤولية واضحة.
لهذا، فإن اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات يتيح للعراق فرصة لمراجعة ما تحقق وما ينبغي استكماله. والتراجع الذي سجله التقرير العالمي يستحق أن يُقرأ بوصفه تقدمًا في الوقائع المرصودة، وأن تُبنى عليه إجراءات تحافظ على حماية المؤسسات والطلبة والمعلمين. وفي الوقت نفسه، تحتاج برامج البناء والعودة والإدماج إلى متابعة آثارها الفعلية، حتى تظهر العلاقة بين ما تنفقه المؤسسات وتنفذه وبين ما يتحسن في تجربة الطفل التعليمية.
وحين يأتي التاسع من أيلول، ستكون الأسئلة الأكثر قربًا من واقع المدارس محددة: هل اكتملت الأبنية التي ينتظرها الطلبة؟ هل استمر الأطفال الذين أعيدوا إلى الدراسة؟ هل حصل المعلمون على الدعم الذي يحتاجونه؟ وهل أصبحت الخدمات متاحة للطلبة الذين تواجههم عوائق إضافية؟ لا تقدم التقارير المنشورة جميع الإجابات، لكنها تحدد أين تبدأ المتابعة.



اضف تعليق