في بعض المؤسسات، تبدأ الأزمات الحقيقية عندما تتراجع قيمة الكفاءة أمام اعتبارات أخرى لا علاقة لها بجودة العمل أو مصلحة المؤسسة، عندها يصبح الموظف النزيه، الذي يلتزم بالقوانين ويحترم الأنظمة ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، عرضة للتهميش والإقصاء، بينما يجد الموظف المتحزب أو شديد الارتباط بالمسؤول الأعلى طريقه إلى مواقع التأثير...
في بعض المؤسسات، تبدأ الأزمات الحقيقية عندما تتراجع قيمة الكفاءة أمام اعتبارات أخرى لا علاقة لها بجودة العمل أو مصلحة المؤسسة، عندها يصبح الموظف النزيه، الذي يلتزم بالقوانين ويحترم الأنظمة ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، عرضة للتهميش والإقصاء، بينما يجد الموظف المتحزب أو شديد الارتباط بالمسؤول الأعلى طريقه إلى مواقع التأثير، حتى مع ضعف أدائه وقلة إنجازه وعدم امتلاكه ما يكفي من الخبرة لتطوير العمل.
هذه الظاهرة تترك آثارا عميقة في المؤسسة كلها، فعندما يدرك العاملون أن معيار التقدم الوظيفي لم يعد مرتبطا بالكفاءة والانضباط والإنتاج، تبدأ الثقة بالتراجع، ويحل الصمت محل المبادرة، ويصبح الحفاظ على العلاقة مع صاحب القرار أهم من تقديم الأفكار والمقترحات التي يمكن أن تخدم المؤسسة.
الموظف النزيه غالبا ما يمتلك واحدة من أهم الصفات التي تحتاج إليها أي مؤسسة، القدرة على قول الحقيقة المهنية حتى عندما تكون غير مريحة، فهو لا يبحث عن رضا المسؤول على حساب العمل، ولا يغير موقفه كلما تغيرت التوجيهات، ولا يجعل وظيفته وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، وقد ينتقد قرارا إداريا عندما يرى فيه ضررا على المؤسسة، وقد يرفض تجاوز الإجراءات، وقد يطالب بتطبيق المعايير على الجميع دون استثناء.
هذه الصفات قد تجعل وجوده مزعجا في بيئة إدارية تفضل الموظف الذي يوافق دائما ويصمت عن الأخطاء، وهنا تبدأ عملية الإقصاء بصورة تدريجية؛ فقد يُحرم من المسؤوليات، أو تُسحب منه الصلاحيات، أو يتم تجاهل مقترحاته، أو يُستبعد من الاجتماعات المهمة، أو يُنقل من موقعه رغم خبرته، ثم يُفسر الأمر إداريا بعبارات عامة مثل إعادة الهيكلة أو الحاجة إلى التغيير.
قِبال ذلك قد يحصل الموظف المتحزب أو شديد الولاء للمسؤول الأعلى على مساحة أكبر من النفوذ، ليس بسبب ما يقدمه من نتائج، وإنما بسبب قربه من مركز القرار واستعداده لتنفيذ التوجيهات دون نقاش، وهنا تكمن المشكلة الأخطر عندما تتحول العلاقة الشخصية إلى معيار لتوزيع المسؤوليات، تصبح المؤسسة أمام نظام يكافئ الولاء الفردي بدل الأداء المؤسسي.
والنتيجة تظهر في تفاصيل العمل اليومية، معاملات تتأخر وقرارات تتعطل، مقترحات جيدة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، مشكلات متكررة تعاد معالجتها بالطريقة ذاتها، وموظفون أكفاء يفقدون الحافز للمبادرة، وعندما يرى الموظف المجتهد زميلا أقل كفاءة يحصل على الامتيازات والمواقع بسبب قربه من المسؤول، فمن الطبيعي أن يتساءل عن جدوى الاجتهاد والالتزام إذا كانت النتائج لا تُقاس بالمعايير المهنية.
الأخطر من ذلك أن المؤسسة قد تدخل في دائرة مغلقة، المسؤول الأعلى يعتمد على مجموعة من الموظفين المقربين، وهؤلاء يحرصون على إرضائه والمحافظة على مواقعهم، فيقدمون له صورة إيجابية عن واقع العمل، وقد يتجنبون نقل المشكلات الحقيقية خوفا من تحميلهم المسؤولية، وبذلك تصل المعلومات إلى الإدارة ناقصة أو مشوهة، وتتخذ القرارات بناء على صورة لا تعكس الواقع.
أما الموظف النزيه، الذي كان قادرا على كشف مواطن الخلل، فقد يكون قد ابتعد عن موقع التأثير، ومع غيابه تفقد الإدارة إحدى أهم أدوات الرقابة الداخلية الطبيعية هي الموظف الذي يتحدث بصدق عن المشكلات.
ولا يعني الدفاع عن الموظف النزيه منح أي موظف حصانة من التقييم أو النقد، فالنزاهة وحدها لا تكفي إذا غابت الكفاءة، كما أن الكفاءة تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالظهور، المطلوب هو نظام واضح يربط المسؤولية بالإنجاز، ويقيم الموظفين وفق معايير معلنة، ويمنع تضارب المصالح، ويضمن تكافؤ الفرص أمام الجميع.
كما أن المسؤول الإداري الناجح لا ينبغي أن يقيس ولاء الموظف بمدى موافقته على آرائه، الولاء الحقيقي للمؤسسة يظهر من خلال احترام القانون، والمحافظة على المال العام أو موارد المؤسسة، وإنجاز العمل، وحماية سمعة المؤسسة، والتنبيه إلى الخلل عندما يظهر، أما تحويل الولاء إلى طاعة شخصية، فهو يضعف المؤسسات ويجعل استمرار النجاح مرتبطا بشخص المسؤول بدل ارتباطه بنظام إداري مستقر.
ومن هنا تبرز مسؤولية القيادات الإدارية في بناء ثقافة مهنية لا تسمح بإقصاء الكفاءات بسبب استقلاليتها أو صراحتها، اذ يجب أن تكون التعيينات والترقيات والتكليفات قائمة على الخبرة والمؤهلات والإنجاز، وأن تكون هناك آليات واضحة للاعتراض والتظلم والتقييم، كما ينبغي توثيق القرارات الإدارية المهمة، حتى لا تصبح الصلاحيات وسيلة لمعاقبة موظف بسبب موقف مهني أو مكافأة آخر بسبب قربه من صاحب القرار.



اضف تعليق