قامت في الفترة الأخيرة الكثير من الشركات الكبرى على غرار "فيس بوك" و"آبل" و"غوغل" بتشجيع موظفاتها على تجميد بويضاتهن، واقترحت عليهن تحمل النفقات حتى يتفرغن كليا للعمل ولا يخسرن في نفس الوقت حقهن في الإنجاب، فقد أثارت ظاهرة تجميد البويضات ضجة إعلامية وفتحت الباب لمختلف التقييمات الأخلاقية، خصوصا بعد أن اقترحت هذه الشركات الكبرى على موظفاتهن هذه "الخدمة" لتتمكن من التوفيق بين حياتهن المهنية والشخصية لكن تجميد البويضات ليس إنجازا جديدا بل اكتشف في ثمانينات القرن الماضي وعرف منذ ذلك الوقت تقدما كبيرا.

تجميد البويضة: هي عملية يتم فيها تجميع البويضات من مبايض المرأة، ثم يتم تجميدها غير مخصبة وتُخزن للتخصيب في وقت لاحق حيث يتم دمجها مع حيوان منوي في المختبر وزراعتها في رحم المرأة، وتُعد تلك العملية إحدى الطرق المستخدمة لحفظ القدرة الإنجابية لدى النساء سواء لأسباب طبية مثل علاج السرطان أو لأسباب اجتماعية مثل العمل أو الدراسة، حيث أن أثبتت الدراسات أن معظم مشاكل العقم لدى النساء تعود إلى تدهور الخلايا المرتبطة بهرمونات الشيخوخة.

على الرغم من كون الرحم يظل فعالا بشكل كامل في معظم النساء المسنات هذا يعني أن العامل الذي يجب الحفاظ عليه هو بيض المرأة حيث يتم استخراج البيض وتجميده وتخزينه فالقصد من هذه العملية هو أن المرأة قد تختار أن يتم إذابة البويضات وتخصيبها ونقلها إلى الرحم كأجنة لتسهيل الحمل في المستقبل و يختلف معدل نجاح الإجراء (فرص الولادة الحية باستخدام البويضات المتجمدة) تبعا لعمر المرأة، ويتراوح من 14.8 % (إذا تم استخراج البيض عندما كانت المرأة 40 عام) إلى 31.5 % (إذا تم استخراج البيض عندما كانت المرأة 25 عام)

كيف يتم ومتى تلجأ إليه النساء؟

تبدأ عملية تجميد البويضات أولا بتحفيز المبيض على إفراز البويضة فيقع تجفيفها من الماء كليا بعد الحصول عليها، حسب الدكتور منير عجينة، الأستاذ في علم الأجنة والمسؤول عن وحدة طب الإنجاب بأحد المستشفيات بتونس ويجب أن تتم العملية في بضع دقائق بهدف المحافظة على شكل البويضة، ثم تحفظ في درجة حرارة منخفضة 196 درجة تحت الصفر وتستخدم العديد من مضادات الصقيع الخلوية قبل أن توضع البويضة في سائل الآزوت، وعندما ترغب المرأة لاحقا بإنجاب أطفال، يذاب ثلج البويضة ويتم تخصيبها.

لكن نسبة نجاح عملية تجميد البويضات السريع أقل من نسبة نجاح تجميد الأجنة لأن هناك احتمال تلف الجينات أو الكروموسومات وذلك لعدم وجود المناخ الملائم في غالب الأحيان، حسب منير عجينة، فعادة لا يبقى من البويضات إلا ثلث منها.

حالات اللجوء لتجميد البويضات

حالات اللجوء لتجميد البويضات عديدة منها تعرض سيدات لخطر التوقف عن الإباضة إثر عملية جراحية أو إثر استخدامهن علاجا بالأشعة أوعلاجا كيميائيا، حسب المخبر الكندي "بروبريا كلينيك"، ويمكن اللجوء لهذه العملية أيضا في حال المعاناة من أمراض المناعة الذاتية التي تتطلب استخدام أدوية تحوي مواد يمكن أن تسمم الغدد أو المعاناة من مشاكل خطيرة في بطانة الرحم ومن الأسباب الأخرى غياب حيوانات منوية للقاح خلال عملية زراعة طفل الأنبوب، فتجمد البويضات في انتظار حيوانات منوية كافية، وغالبا ما يكون تجميد البويضات خيارا شخصيا لتأجيل الإنجاب أوعند التخوف من بلوغ سن اليأس مبكرا.

الضوابط والقوانين الاخلاقية لتجميد البويضات

لم تلجأ بعد بعض الدول العربية لهذا الحل البيولوجي الذي يخضع في دول أخرى لضوابط وقوانين أخلاقية كحضور الزوجين وإثبات استمرار الزواج حتى تتم عملية اللقاح، وفي حين تعطى الأولوية في المجتمعات لتطور الحلول الطبية حيث أصبح من الممكن أن تضع امرأة بويضاتها للتجميد في أحد المخابر وأن يتم التبرع بها -على غرار التبرع بالأعضاء - ويتم التبرع بهذه البويضات عند الطلب لامرأة تشكو من العجز عن الإباضة أو امرأة في سن اليأس، فيتم زراعتها داخل رحمها.

وهذا جعل هذه العمليات تتضاعف في الغرب كحل لمشاكل العجز عن الإنجاب، ففي فرنسا مثلا نجحت ثماني ولادات سنة 2013 إثر عملية تبرع بالبويضات المجمدة، كما أن شركات كبرى في العالم أصبحت تستغل هذه العمليات للحفاظ على تقدم أرقام ربحها فأصبحت "آبل" و"فيس بوك" تشجع موظفاتها على تجميد بويضاتهن وتتكفل هي بمصاريفها ليتفرغن للعمل ولا يطلبن عطلة أمومة، لكن ذلك أثار موجة من الانتقادات الأخلاقية رأت فيها تدخلا في الحياة الشخصية واستعبادا للموظفين.

وتواجه الحلول الخاصة بالإنجاب في أغلب الأحيان نقدا أخلاقيا صارما خصوصا في المجتمعات العربية، ففي بعض البلدان يعتبر طفل الأنبوب محرما، ويثير من جهته حل الأم البديلة بعض الاحتجاجات في مجتمعات غربية.

ماذا يحدث للبويضة عند فك تجميدها؟

يتم التأكد من جودة البويضة وتبدأ عملية حقنها بواسطة حيوان منوي عن طريق طبيب متخصص عبر ميكروسكوب خاص بعد التأكد أيضاً من جودة الحيوان المنوي، وبعد تلك الخطوة، يتم وضع الجنين في حضانات خاصة لفترة تتراوح من ثلاثة إلى خمسة أيام، وبعدها يتم إرجاع الجنين للرحم من خلال عملية حقن مجهري عادية وتتم بعدها عملية المتابعة العادية.

مَنْ تُقدِم على تجميد بويضاتها؟

1- من يعانين من أمراض وراثية أو أمراض في الدم من شأنها التأثير على عدد وجودة البويضات، أو تسبب العقم.

2- المصابات بالسرطان اللواتي يخضعن للعلاج الكيماوي.

3- الرافضات لعملية تجميد الأجنة (أي تجميد بويضات مخصبة بحيوان منوي) لأسباب عقائدية أو أخلاقية.

4- المتحولون جنسياً من إناث إلى ذكور، بحيث يصبح بمقدورهم الإنجاب لاحقاً.

5- اللواتي يخشين التقدم في السن وتراجع فرصهن في حدوث حمل طبيعي.

الوقت ليس في صالح النساء

الواقع هو أن المرأة تولد بكل الخلايا البيضيّة التي مُنحت لها، لكن بمرور الوقت يتناقص مخزونها المبيضيّ، وكذلك تتناقص جودة بويضاتها، وطالما كان الحديث حول هذا الموضوع مشحونًا بالتوتر ففي عام 2001 حينما أطلقت الجمعية الأمريكية لطب الإنجاب حملةً دعائيّة تتناول جزئيًّا العقم المرتبط بالعمر، هاجمت المنظمة الوطنية للمرأة الحملة لكونها تعسفيّة ومعادية للنسويّة.

إن رد الفعل هذا يضرّ بالنساء ضررًا كبيرًا؛ فالبويضات الأكبر سنًّا ذات احتمال أكبر للإصابة بشذوذات في الكروموسومات، فضلًا عن أنها أكثر عرضةً للإجهاض وما يليه من حزن اضافة الى أن تجميد البويضات عادةً ما يُصور على أنه اختياريّ ونرجسيّ، "يشبه جراحات التجميل أو شراء سيارة ميني كوبر لطيفة"، إلا أن النساء يواجهن ضغوطًا كثيرة، خاصةً في سن منتصف الثلاثينيات، حيث تعني كل سنة تأخيرٍ للحمل زيادةً في قدرة المرأة على الكسب.

تجميد البويضات في الدول العربية

تحدد القوانين في تونس والمغرب والإمارات العربية مثلا حماية فرص الإنجاب فقط عند الأزواج، أما الشابات اللاتي يرغبن في تجميد بويضاتهن لتأخيرهن قرار الزواج والإنجاب، حتى لو تعرضن لمرض خطير، لا يجيز القانون كما يعارض الشرع هذا النوع من التقنيات الطبية بالنسبة إلى غير المتزوجات.

ورغم أن أغلب دول المنطقة تدعم الطرق الطبية الحديثة للمساعدة على الإنجاب إلا أن المحاذير الاجتماعية والدينية والصعوبات المادية تجعل عملية تجميد البويضات محدودة وفي تونس تتزايد أصوات الشابات الداعيات إلى القيام بهذه العملية حماية لخصوبتهن وحفظا لحق الأمومة غير أن عمليات التجميد المسموح بها هي للمصابات بأمراض ورمية.

توجد في الإمارات بروتوكولات تملي عملية تجميد البويضات، "لا توجد أي قيود قانونية على تجميد بويضاتك لدوافع شخصية واجتماعية، وليس طبية ولكن، لا يمكن تخصيب البويضات وتحويلها إلى امرأة إلا إذا كانت متزوجة وتريد الحمل من زوجها".

وفي المغرب فيدعم القانون بدوره المساعدة على الإنجاب وقد وقع تدشين أول مركز عمومي للمساعدة على الإنجاب قبل ثلاث سنوات وذلك بهدف العمل على التخصيب خارج الرحم، والتلقيح الاصطناعي، إضافة إلى التلقيح المجهري كما وقع تقليص كلفة المساعدة على الإنجاب بالطريقة العصرية، إذ تم خفضها بحوالي 50 في المئة ولفت أطباء إلى أنه لم تثبت أي تشوّهات خلقية قد يعاني منها الأطفال المولودون عن طريق تجميد البويضات.

تجميد البويضات ينتشر في السعودية

كشفت مصادر طبية سعودية، عن انتشار ظاهرة جديدة بين النساء في السعودية وأفادت تقارير إعلامية بأن المراكز الطبية في السعودية تشهد إقبالًا على تقنيات تجميد وحفظ البويضات من قِبل سيدات سعوديات راغبات في تأجيل فكرة الحمل والإنجاب مع الاحتفاظ ببويضاتهن من التلف والنفاد لأسباب مختلفة.

وحول هذه الظاهرة قال الدكتور طارق بغدادي؛ رئيس وحدة العقم بمستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض: "تجميد البويضات، عبارة عن إجراء طبي يتم عمله للنساء اللاتي يرغبن المحافظة على خصوبتهن لوقت متأخر من العمر لأيّ سببٍ كان سواء كان سببًا طبيًّا أو اجتماعيًّا".

وأضاف الدكتور "بغدادي" في تصريحات لصحيفة " سبق" المحلية حول أسباب تجميد البويضات: أن هناك حالات كثيرة منها ما هو طبي ومنها ما هو اجتماعي، ومن أهمها: أمراض السرطان والأمراض المزمنة التي قد تؤثر في إخصاب المرأة، بعض الأمراض الوراثية، مثل: مرض الأنيميا المنجلية، والذئبة الحمراء وغيرها".

وتابع: "الظروف الاجتماعية مثل تأخر زواج الأنثى أو عدم الرغبة في الإنجاب لأسباب الدراسة أو أي أسباب اجتماعية أخرى، ويتم ذلك قبل بلوغ سن متقدمة في العمر مع العلم أنه يتم تجميد البويضات فقط للاحتياط في حال عدم القدرة على الإنجاب بالطريقة الطبيعية".

........................................................................................................................
* الآراء الواردة قد في التقرير قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.
المصادر:
العرب
فرانس 24
الراي
الدرر الشامية
للعِلم

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0