مفهوم الدعارة وبحسب الموسوعة الحرة، ينقسم إلى شقين: الأول: وهو البغاء وهو توفير وبيع الجنس. الثاني: وهو صناعة الجنس وهو يشمل جميع أنوع صناعة الجنس من رقص وتعري، أو توفير الجنس عبر الإنترنت، أو خدمات الجنس. وقد تم التفريق بين هذين المفهومين، لأن النظام القضائي يفرق بين البغاء وصناعة الجنس من حيث الترخيص والممنوعات والمسموح به والعقاب لكل منهما.

وفي بعض الدول، تكون الدعارة قانونية عندما تكون مسجلة لدى دوائر الدولة الرسمية المخصصة لهذه الأغراض وقد قامت بعض الدول بتشريع قوانين خاصة لتنظيم الدعارة باعتبارها نشاطا مشروعا، ويمنح العاملين في الأنشطة الجنسية نفس الحقوق التي يتمتع بها العاملون في القطاعات الأخرى، خاصة الحق في الرعاية الصحية. ونجحت ألمانيا التي يعمل بها نحو 400 ألف عاهرة، في التسعينيات في تنظيم ما يعتبره البعض "أقدم مهنة في التاريخ" بحيث أصبح لممارساتها الحق في الحصول على معاشات التقاعد والتأمين الصحي، وحد أقصي لساعات العمل لا يتجاوز 40 ساعة عمل أسبوعيا في ظروف صحية مناسبة.

وقد أوجدت منظمات مؤخرا "يوم عالمي للمشتغلات بالدعارة" تثمينا لعملهن احتفي به في عدة دول أوروبية، تلك القوانين والأنظمة وبحسب بعض الخبراء كان لها الكثير من النتائج السلبية التي ساعدت على انتشار الشذوذ و الجريمة بمختلف أنوعها نتيجة الانغماس في مواد الدعارة، وحسب إحصائيات أممية، وطبقا لأبحاث أجرتها منظمات غير حكومية محايدة، فإن مداخيل الأموال التي مصدرها الاتجار في الجسد أو البغاء أو الوساطة في البغاء عبر العالم، تصل ما بين 200 و1000 مليار دولار، وهو ما يجعل الدعارة التجارة الثالثة في العالم (بعد السلاح والمخدرات) من حيث المداخيل ورؤوس الأموال العابرة للقارات التي يتحكم فيها بعض السماسرة وشبكات الجنس. هذا بالإضافة الى تأثيراتها السلبية على الكيان الأسري. تلك الأمور دفعت بعض الدول الى إعادة النظر في بعض القوانين والأنظمة المشددة بهدف معالجة بعض المشكلات المهمة التي أصبحت تهدد مجتمعاتها.

فرنسا

وفي هذا الشأن فقد أقر مجلس الشيوخ الفرنسي بـ 165 صوتا مقابل 44 نص قانون يقضي بإلغاء البند المتعلق بمعاقبة زبائن العاهرات وإعادة تفعيل عقوبة الإغراء (أي تغريم العاهرات). وكان نص القانون الأصلي يقضي بإلغاء جنحة إغراء الزبائن، والتي أقرها الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في 2003، ومعاقبة الزبائن. لكن اللجنة الخاصة التي أسسها مجلس الشيوخ لحسم النقاش بهذه القضية الشائكة قررت العكس تماما، فعاقبت العاهرات وبرأت الزبائن. إلا أن النص سيعود إلى مجلس النواب للمصادقة النهائية. وفي حال الخلاف بين غرفتي البرلمان الفرنسي، ستعود الكلمة الأخيرة للنواب.

وبحسب النص الذي أقره مجلس الشيوخ، فإن العاهرات يواجهن في حال إغراء الزبائن عقوبة السجن شهرين وغرامة مالية قدرها 3750 يورو. وكانت جمعيات حقوقية حذرت من أن يدفع القانون الجديد بالعاهرات إلى العمل بسرية أو أن يصبحن رهائن شبكات إجرامية. وردا على هذه الجمعيات، قال رئيس اللجنة الخاصة، جان بيار فيدال، وهو من الحزب اليميني المعارض، إن "قوات الأمن بحاجة لكل الوسائل التي من شأنها تفكيك هذه الشبكات".

وكان النص الأصلي يقضي أيضا بمعاقبة ما سماه "شراء خدمة جنسية" بغرامة مالية قدرها 1500 يورو، ولكن ممثلو حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" الذي يحظى بالغالبية في المجلس، صوتوا لأجل إلغاء هذه العقوبة. وبحسب إحصاءات غير رسمية، يقدر عدد المومسات في فرنسا بنحو ثلاثين ألفا، غالبيتهن من بعض الدول الأفريقية وشرق أوروبا والصين وأمريكا الجنوبية. والدعارة ليست "مهنة" محظورة في فرنسا، لكن المشروع يسعى لتقييدها وضبطها بقوانين صارمة نادرا ما تحظى بالإجماع في مجتمع يقدس الحريات الشخصية.

من جانب اخر تظاهرات مئات المومسات في باريس احتجاجا على المشروع وتحتج المومسات خصوصا على ما ينطوي عليه مشروع القانون من تغريم للمومسات اللواتي يغرين الرجال لجذبهم. وشاركت في التظاهرة احدى الاعضاء في مجلس الشيوخ استر بنباسا، وقالت "ينبغي استهداف مافيات الدعارة، وليس هؤلاء النساء". وقالت احدى المومسات المشاركات في التظاهرة "لماذا يمنعوننا من حرية عرض اجسادنا في بلد ديموقراطي؟". واضافت "ينبغي عدم الخلط بين من يمارسن الدعارة باختيارهن، واللواتي يجبرن عليها عن طريق عصابات الجريمة المنظمة".

على صعيد متصل أجرت منظمة تقدم المساعدة للنساء العاملات في الدعارة ومجموعة بسيتيل للخبراء، دراسة تأتي في سياق الرد على طلب المفوضية الأوروبية في العام 2014، إدراج أعمال الدعارة في احتساب إجمالي الناتج المحلي، وهو ما رفضته السلطات الفرنسية. وحاولت هذه الدراسة إظهار التكاليف الاقتصادية والاجتماعية للدعارة "للرد على أسطورة أن الدعارة تساهم في التنمية"، بحسب معديها الذين حددوا 29 بابا للأعباء التي تسببها، استنادا إلى إحصاءات وطنية ودراسات موجودة أصلا وتحليلات خبراء ومقابلات مع مومسات.

ووفقا لهذه الدراسة الممولة من المفوضية الأوروبية، فإن عدد المومسات في فرنسا يبلغ 37 ألفا، معظمهن (62%) يبحثن عن الزبائن عبر الإنترنت. وقدرت المبلغ المالي لأرباح ممارسة الدعارة بحوالي 3,2 مليار يورو، استنادا إلى عدد المومسات ومتوسط العائدات التي تجنيها كل واحدة منهن والتي تقدر بنحو 87 ألفا و700 يورو. لكن حركة المال بين الزبائن والمومسات غالبا ما تبقى خارج الدورة الاقتصادية، إذ أنها تهرب من الضرائب التي يمكن أن تصل إلى 853 مليون يورو، وترسل إلى الخارج. كما أن النفقات الاجتماعية التي تستفيد منها المومسات، من خدمات طوارئ وخدمات اجتماعية وإجراءات وقاية، تقدر بما بين 50 و65 مليون يورو.

إلى ذلك، فإن الأعباء المنفقة على المومسات اللواتي يتعرضن للاغتصاب تصل إلى 311 مليونا، علما أنهن معرضات ست مرات أكثر من غيرهن للاغتصاب، وأحد عشر مرة أكثر من غيرهن للانتحار. أما النفقات الاجتماعية غير المباشرة، من حضانة أطفال وجرائم ونفقات صحية وشرطة وقضاء، فتصل إلى 427 مليون يورو، بحسب معدي الدراسة الذين أيدوا الرأي الداعي إلى إلغاء الدعارة في فرنسا وتجريم زبائنها.

من جهة اخرى أطلقت في فرنسا حملة ضد دعارة القاصرات في الثانويات. وقررت جمعية "نتحرك ضد دعارة الأطفال"، صاحبة المبادرة، أن تصدم الرأي العام الفرنسي ببث شريط فيديو على العموم يظهر مراهقة بمرحاض ثانوية تمارس الجنس الفموي. وأوضحت الجمعية أن هذه الصور، وإن كانت صادمة، فهي حقيقية. ونالت الحملة دعم مدافعين عن حقوق الأطفال، حيث يعتبرون أن الظاهرة أصبحت فعلا خطيرة، علما أن الأرقام تفيد أن بين 5 آلاف إلى 8 آلاف قاصر تمارس الدعارة في فرنسا. بحسب فرانس برس.

وترى جمعية "نتحرك ضد دعارة الأطفال" أن الحديث عن هذه الظاهرة "يعد جزءا من حلها ". وقالت رئيسة الجمعية أرميل لو بيغو ماكو "يجب الاعتراف أن هذا الأمر يشكل خطرا على مجتمعنا"، مؤكدة على ضرورة "اليقظة" تجاه الظاهرة. وقالت الرئيسة في تصريح لصحيفة، نقلته صحيفة لوفيغارو، أن هدف الجمعية "ليس تخويف الآباء وإنما فتح عيونهم" بغرض تنبيههم إلى ما قد يعترض أبناءهم من مخاطر جراء هذه الظاهرة. وتشرح لو بيغو ماكو أن وقوع مراهقات في براثن الدعارة قد ينطلق من ممارسات جنسية يعتقدون أنها لا تخرج عن طقوس اللعب.

هولندا واسرائيل

الى جانب ذلك قالت الشرطة الهولندية إن مئات المومسات في أمستردام تظاهرن احتجاجا على خطة للبلدية لترميم حي الدعارة، المعروف بالمنطقة الحمراء، وإغلاق عدد كبير من واجهاته الشهيرة. وقالت الناطقة باسم شرطة المدينة، ماريولين كوك، أن عدد المتظاهرات بلغ نحو 250 مومسا.

وبحسب المشاهد التي بثها التلفزيون الهولندي العام "ان او اس"، فقد وضعت المومسات أقنعة لتجنب التعرف عليهن وهن يحملن لافتات كتب عليها: "توقفوا عن إغلاق واجهاتنا. وتعتبر المومسات أن خطط البلدية تحرمهن من مكان عمل آمن. ونقلت وكالة الأنباء الهولندية عن الناطقة باسم المومسات قولها: "نحن بحاجة إلى دعم ونريد أن يأخذنا السياسيون على محمل الجد". بحسب فرانس برس.

وتعتزم بلدية أمستردام إغلاق عدد من بيوت الدعارة في حي "ريد لايت ديستريكت" الشهير، في مسعى إلى مكافحة الجرائم المتزايدة وعمليات الإتجار بالبشر. وقد أغلقت حوالى 115 واجهة في الحي من بين 500. ويعمل نحو 7 آلاف شخص في مجال تجارة الجنس في أمستردام. وتأتي 75% من المومسات من البلدان المنخفضة الدخل، لا سيما تلك الواقعة في أوروبا الشرقية، بحسب البلدية. وقد تم إباحة الدعارة في هولندا سنة 2000.

على صعيد متصل تم الكشف عن تفاصيل جديدة حول شبكة دعارة في اسرائيل تجبر فيها السيدات اليهوديات على ممارسة البغاء مع غير اليهود بواسطة جماعة تنتمي لطائفة "المسحيين اليهود". وقالت الشرطة إن الضحايا من السيدات تم اقناعهن بأن ممارسة الجنس مع غير اليهود "سينقذ الشعب اليهودي ويجلب الخلاص". وأضافت أن السيدات أجبرن على ادمان الكحول والمخدرات وممارسة البغاء تحت تأثيرهما.

وقال المسؤول عن التحقيق في الواقعة لصحيفة هاآرتسإن 15 سيدة معظمهن من القاصرات استدرجوا للعمل في الشبكة. وزعمت الصحيفة أن معظم زبائن تلك الشبكة كانوا من الأجانب الذين يعملون في الضفة الغربية وبعض الفلسطينيين. وتمكنت السلطات الاسرائيلية من كشف الشبكة بعد تحقيقات سرية استمرت لمدة اربعة أشهر بعد تقارير عن نشاط الشبكة في كافة أنحاء اسرائيل. وربطت بعض التقارير فكرة "خلاص اليهود" التي روجت لها الشبكة الاسرائيلية مع فكرة "جهاد النكاح" التي انتشرت مؤخرا بين جماعات اسلامية متشددة.

مومسات لتسهيل العقود التجارية

في السياق ذاته تقدم المومس الفرنسية السابقة كارول شهادة تسلط فيها الضوء على سلوكيات تشوب الكثير من اوساط الاعمال في فرنسا، وتقول "كنت احظى بمعاملة كبار الشخصيات، واقدم كهدية لمدراء شركات ورجال سياسة". ويتزامن تقديم هذه الشهادات مع حلول موعد بدء محاكمة الرئيس السابق لصندق النقد الدولي دومينيك ستروس، في قضية اخلاقية تورط فيها اشخاص مرموقون في عالم الاعمال.

واختارت هذه المومس السابقة اسم كارول المستعار في شهادتها التي ادلت وهي تؤكد ان تقديم مومس كهدية هو أمر شائع في اوساط الاعمال بهدف تسهيل توقيع عقود تجارية معينة. وتركت كارول البالغة من العمر 41 عاما مهنة الدعارة في العام 2013، بعد ان كان عملها يقتصر على "الاوساط الراقية" من رجال الاعمال والسياسة في شمال فرنسا. وكانت كارول تقدم كهدية، منها مرة قدمت لمدير شركة محلية وطلب منها "فعل كل ما يلزم لجعله يوقع على العقد".

ويقول ايف شاربنيل مدير مؤسسة "سيل" التي تكافح الدعارة "انها ممارسات موجودة وان بشكل غير ظاهر"، موضحا ان البدل المدفوع عن هذا النوع من المومسات يكون عاليا جدا، لكن معظمه يذهب الى القوادين وليس الى المومسات. ويشار الى هذا النوع من "الهدايا" عادة بعبارات مثل "غرفة مع وسادة"، او "غرفة مفروشة". ويقول غريغوري تيري من منظمة "نيد" التي تقدم المساعدة للمومسات "بات امرا شائعا في اوساط الاعمال ان تستخدم المومسات لتسهيل توقيع عقود تجارية".

ويحسب جان سيباستيان ماليه الخبير الاوروبي في قضايا الدعارة، فان هذه الظاهرة تزدهر خصوصا في الاوساط التي يشوبها "الفساد والرشاوى". ويقول "في عدد من الدول العربية يرفض بعض رجال الاعمال توقيع عقد ما لم يحصل على غرفة مع وسادة. واذا كان الجنس يستخدم للتودد في سبيل اتمام عقود تجارية، فانه يستخدم ايضا لممارسة الضغوط. بحسب فرانس برس.

ويروي ماليه "عثر رجل اعمال على مومس في غرفته في الفندق، فطردها، اذ كيف يمكن ان يتمكن من التفاوض بعد ذلك لو كان قبل هذه الهدية؟". وتقول كارول انها كانت تستخدم احيانا للايقاع برجال معينين. وتضيف "كانوا يرسلوننا الى مطعم او حانة، ويطلبون منها ان نغري رجلا لجعله يقع، ومن ثم يبتزونه". ويأسف شاربنيل لكون "عدد قليل فقط من المؤسسات التي تتبع هذه الوسائل تلاحق امام القضاء". ويضيف "من الصعب اثبات هذه الوقائع الا في حالات نادرة تقرر فيها المومس نفسها ان تقدم دعوى قضائية او ان تدلي بشهادتها".

وادي الجنس

على صعيد متصل ازدهرت في الآونة الاخيرة تجارة الجنس في "سيليكون فالي" بولاية كاليفورنيا الأمريكية، المقر الرسمي لمعظم شركات التكنولوجيا الرائدة، إذ نشأت شركات معنية بتقديم الخدمات الجنسية تجني الملايين من الدولارات من هذه الصناعة، ووفقا لعدد من فتيات الليل اللواتي فإن العديد من الفتيات لديهن زبائن يمتلكون أموالا طائلة. ورغم ذلك، فإن هذه التجارة باتت خطيرة بالنسبة للعديد من الشركات التي تعمل في مجال الجنس بسبب العديد من الأحداث.

فبعد مقتل أحد المسؤولين التنفيذين في شركة غوغل، والذي يدعى فورست تيموثي، قامت الشرطة باعتقال أليكس تيشلمان، وهي فتاة ليل كانت على علاقة به. وتقول إحدى العاملات بهذا القطاع مع كبار الزبائن "البعض يعتقد أن الأمر طبيعي ويحصل دوما، ولكنه ليس كذلك." من ناحية أخرى، قام مكتب التحقيقات الفدرالي بإغلاق موقع (...) الإباحي، الذي يقوم بتقديم خدمات ترويجية لفتيات الليل، ويتيح لهن التواصل مع زبائنهن. وتعرض الفتيات المرتادات لهذا المواقف التي شعرن فيها بالتعنيف أو الخطر. ومن دون هذا الموقع، تشعر الفتيات أنهن يواجهن صعوبات بإيجاد زبائن لهن. بحسب.CNN

وقد ذكر مكتب التحقيقات الفدرالي أن مؤسسي الموقع أدينوا بتهمة استخدام الانترنيت من أجل الدعارة وتبيض الأموال. وقد أثر إغلاق هذا الموقع على العديد من الفتيات اللواتي كن يعتمدن عليه. وقد ذكرت إحداهن، وهي من بين العاملات في تجارة الجنس بسيليكون فالي، إن لديها جدولا ثابتا من الزبائن الذين يأتون من أكبر شركات التقنية، وأنها قامت بجمع حوالي مليون دولار خلال العشر سنوات الماضية من عملها في تلك المنطقة. يذكر أن منطقة سيليكون فالي في ولاية كاليفورنيا تعد من أهم الوجهات التقنية، اذ تحتوي على العديد من الشركات التي تعمل في مجال القطاعات التكنولوجية المتطورة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1