يوجد الصراع حيث توجد السلطة، الصراع موجود في أي دولة، وغالباً ما يكون بين جبهتين متضادتين كما هو الحال بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا، او بين عدة جبهات كما هو الحال في لبنان والعراق، وفي هاتين الدولتين ورغم تعدد الجبهات، لكنها تختصر الى جبهتين في حال الحديث عن المستقبل، هناك خطاب تفاؤلي تسيطر عليه وسائل اعلام السلطة والأحزاب المتنفذة (حتى وان تصارعت مع بعضها)، وفي نسبة قليلة هناك من يبتغون الحفاظ على ما تبقى من الوطن بغض النظر عن السلطة الحاكمة، في الجبهة الأخرى خطاب اسود لا يعترف بأي شيء سوى التشاؤم والتخويف من المستقبل، وحتى الإنجازات الحقيقية يحاول التقليل منها، بل ويخلط بين فشل السلطة الحاكمة، وبين تشويه صورة الدولة.

خطاب التفاؤل يوجه النقد الحاد ضد المتشائمين، فالواجب حسب المقتضيات الوطنية ان نبث روح الامل لدى الرأي العام لتحفيزهم نحو العمل واعادة ترميم البلد المصاب بالشيخوخة نتيجة تراكم الحروب، فكرة جيدة ان نتوقف عن اعطاء جرعات الموت الرحيم لوطن نراه يموت يومياً امام اعيننا، ان نكون ذلك الطبيب الذي يحي الموتى فهذا من الافعال الوطنية.

فالمواطنة الصالحة ان تساهم فعلا في بناء بلدك، وان تسانده يوم محنته، وان تقوم بواجب الدفاع عنه يوم انتهاك سيادته، وان تحارب كل اشكال تخريبه، وان تفصل بين الحاكم والوطن، فالحاكم مواطن تسلم السلطة لفترة محددة اما الوطن فهو ثابت متجذر قدم التاريخ، المشكلة الحقيقة عندما يتم الخلط بين محاولة اصلاح البلد كواجب وطني، والخطاب التخريبي، بمعنى ان العراق عندما يتعرض لوباء الفساد فالفطرة الطبيعية تدفعنا للخوف من المستقبل ما لم يتم اصلاح الامر، لكن من يتسبب بالفساد يدعو لخطاب عاطفي من نوع مختلف.

الفاسد يستغل نظرية التفاؤل كدرع لحماية مكتسبات فساده، والسلطة الفاشلة تفعل الشيء نفسه، تسيطر على موارد الخطاب الوطني وتربط جميع انشطتها بالوطنية، مع شيطنة لاي خطاب نقدي لافعالها التي تقود البلد الى الهاوية. في الواقع هي مصدر الخطاب التشاؤمي، واذا اردنا القضاء على التشاؤم فالاولى ان نقضي مصدره، وهي ليس بالضرورة من ينتحبون خوفا من المستقبل، انما من يبثون التفاؤل الكاذب، الذين يستخدمون التفاؤل لاستمرار مشاريعهم التخريبية، مجموعات من الأحزاب والشخصيات المتنفذة التي تعتبر كل مقدرات البلاد ملكاً مشاعا هلها.

التفاؤل السياسي له شروط، وهي تعني توافر مجموعة من المقومات لنقول اننا نتنبأ بمستقبل افضل، وغير ذلك فهو وضع للماء في قربة مثقوبة، فهل نملك حقا مقومات التفاؤل؟ علينا أولاً التدقيق في شروط تطور أي دولة في العالم وهي:

الشرط الأول: اقتصاد قوي يوفر دخلا قويا للمواطن، فهل نملك بنية اقتصادية مشجعة، هل اقتصادنا ريعي قائم على النفط، ام ان منتجاتنا الصناعية والزراعية هي من تسير المحفظة المالية السنوية؟ يكفي اننا نعتمد على اكثر من 90% من الموازنة المالية السنوية على النفط، ونستورد حتى الخضروت من الخارج. اذن يخرج الاقتصاد من معادلة التفاؤل. لكن مهلاً، اليس البلد يملك افضل ارض صالحة للزراعة من شماله الى جنوبة؟ اليست بلادنا هي من اكثر البلدان وفرة في الايدي العاملة ما يعني سهولة افتتاح مصانع ما يسهل عملية التحول نحو الاقتصاد الصناعي؟ نحتاج ان ننظر الى الثقب الأسود من الفساد الذي يحول الذهب الى تراب فكيف بالأرض الصالحة للزراعة، بالتأكيد لا يمكن التفاؤل لمجرد وجود الموارد انما الإدارة القائمة، وللدقة، هي السلطات الحاكمة.

الشرط الثاني: قانون قوي يحمي الناس واقتصادهم، هل تحل المشاكل اليوم بالاحتكام الى القضاء ام الى العشائر والتقاليد الاجتماعية، حتى المسؤول التنفيذي اليوم يلجأ للعشيرة واضعا القانون خلفه، في المدرسة والجامعة والدائرة الحكومية والوزارة والسفارة يأتي القانون في المراتب الثانوية للتحكم في العلاقات بين الناس، والاحكام يتم تقديرها ليس على الفعل نفسه، انما على الفاعل والضحية، فاذا كان الفاعل متنفذا يخفف الحكم او يلغى نهائياً والعكس صحيح.

الشرط الثالث: احزاب سياسية حقيقية توفر بدائل لتداول السلطة، لا نريد أحزاب مثل الولايات المتحدة او المانياً فلكل دولة قيمها الاجتماعية والسياسية، لكن لا نريد ان تتحول الأحزاب الى ما يشبه العشائرية والفوضية، يكفي ان تعرف ان الغالبية العظمى من الأحزاب الحالية لا توجد فيها انتخابات داخلية ولا نظام يحكمها، وبعضها تمثل مكاتب شبه رسمية لدول خارجية وتعلن عن ذلك صراحة دون خجل، واغلب دعواتها تمثل مصالح الخارج اكثر من الداخل.

الشرط الرابع: نظام تعليمي متطور يهيء الافراد لبناء الاقتصاد وتنفيذ القانون والمشاركة الحزبية، بينما تعتمد المدارس الرسمية على نظام الدوام الثنائي والثلاثي، الطلاب لا يستلمون الكتب المنهجية الا بعد انتهاء نصف الفصل الدراسي الأول. لا توجد مروحة سقفية في الكثير من المدارس، وفي الامتحانات النهائية التي تجري في شهر حزيران من كل عام يعيش الطلبة معاناة بكل ما للكلمة من معنى.

فكرة جيدة تستفيد منها جيوش الخطاب التشاؤمي، فجميع المعطيات تشير الى صوابية خياراتهم، لكن مهلا، ما نراه اليوم ليس خطاباً يفيد في شيء، ما نراه هو تشويه لصورة البلد تحت يافطة معارضة النظام السياسي الحاكم، وفي بعض الأحيان يمثل نوعاً من الدعاية الخارجية الموجهة مستغلة نقمة الشارع على أجهزة السلطة. فمثلما استغلت الأحزاب الحاكم فكرة الوطنية لكبح النقد البناء، تستغل الدعاية الخارجية النقمة الشعبية لتدمير ما تبقى من ممكنات التفاؤل السياسي.

انقر لاضافة تعليق
مسلم عباس
العراق
الاحزاب الفاسدة تروج للنموذج السياسي الحالي، والترويج يحتاج الى نوع من اضفاء الشرعية ولا تاتي الشرعية الا من خلال تسويق النموذج على انه يمثل الحلم، او الغاية الكبرى للامة.
من خلال متابعتي للجيوش الالكترونية اراها تروج للتفاؤل السياسي، ولم اجد اي منها يروج للتشاؤم. هي تسوق للنموذج الحلم حسب ما يتفق مع مصالحها.2019-07-18
مرتضى عبد الرسول
العراق-كربلاء
مع احترامي لرأي الكاتب وتقديري لمقاله الجيد والرصين، فان التشاؤم هو من صناعة الأنظمة والأحزاب الفاسدة من اجل ترسيخ الإحباط واليأس في نفوس المواطنين، مما يتسبب بعزلتهم عن المشاركة ف الهم الوطني العام، وهذا نجده في مافعلته الجيوش اللاكترونية في احباط المشاركة في الانتخابات، فالمشاركة الفعالة كانت تعني فقدان الأحزاب للكثير من الأصوات.
أتصور ان التفاؤل بالتغيير هو الذي يحرك الشعوب من اجل الإصلاح، وليس اليأس الذي قد يؤدي بالمواطن الى الانعزال او استخدام العنف ضد السلطة، وفي كلتا الحاتين السلطة هي التي تستفيد...2019-07-18

مواضيع ذات صلة

0