تمثل تجربة الحكم التعددي في العراق من التجارب الفريدة في المنطقة والتي تم الترويج لها على انها البذرة الاولى لتغيير الشرق الاوسط... اي اننا أصبحنا امام نظرية "تصدير الديمقراطية" وهي ممارسة تزرع الخوف في كل الانظمة المجاورة لأنها تحمل في طياتها فعل التهديم للنظم القائمة على القبلية ووراثة الحكم، واعادة بناء تلك الأنظمة وفق أسس جديدة لا تعطي أي فرصة لهيمنة ايدلوجيا او عائلة واحدة.

توجست الدول المجاورة والاقليمية من هذه التجربة بعضها لأسباب طائفية او الخوف من عدوى الديمقراطية فحاولت عرقلة مسيرة هذه التجربة وفعلا تم لها ذلك اسرع مما كانت تتوقع، والسبب هو الاحزاب العراقية غير الناضجة والتي لم تستطيع قراءة الساحة المحلية والاقليمية بشكل صحيح، فهي لم تتعامل مع الدول الأخرى بمنطق العلاقات الدولية، بل راحت تركض وراء مصالح ايدلوجية او طائفية وفي بعض الأحيان طمعا بمنصب سياسي يمكن ان تخسره في أي لحظة.

وفر السلوك السياسي الخاطئ للأحزاب العراقية الكثير من الجهد والوقت للدول المجاورة والإقليمية لعرقلة سيرة التجربة الديمقراطية ونضوجها، حتى تحولت من التخطيط نحو المستقبل الى التفكير الاني بحل المشكلات الأمنية التي اجتاحت العراق منذ الأشهر الأولى للتغيير، وبمرور الأيام أصبح حفظ الامن هو الهاجس الوحيد للأحزاب العراقية حتى في الفترات التي ينعم فيها الشعب بالاستقرار.

بعد سقوط النظام البعث السابق، كانت امام الأحزاب العراقية عدة مهمات أساسية يجب عليها إنجازها حتى تعبر الى شاطئ الاستقرار وهي:

الاولى: وضع الاسس للنظام السياسي الجديد في البلاد.

الثانية: اعادة تشكيل النظام الاجتماعي بما يتلاءم مع متطلبات النظام التعددي السياسي، وما يتبعه من تركيز على احترام دولة القانون.

الثالثة: بناء اسس رصينة لاقتصاد البلد بما يسهم في اعادة اعمار العراق وبناء البنى التحتية المتهالكة او التي دمرتها الحرب.

في المرحلة الأولى، والتي تركز على بناء أسس النظام السياسي للبلد، بقيت الأحزاب لمدة عامين منهمكة في اجاء انتخابات لأول جمعية وطنية وقع على عاتقها صياغة مسودة الدستور العراقي الجديد الذي يتخذ من التعددية السياسية طريقة للتداول السلمي للسلطة وكان إرضاء كل الفئات الاجتماعية امرا صعبا في ظل حالة الاستقطاب الطائفي والقومي، لكن بالنهاية تم اجراء الاستفتاء على الدستور وحصلت موافقة اغلبية الشعب العراقي عليه وهو ما اعتبر اول انجاز سياسي عراقي واللبنة الأولى للديمقراطية.

الأحزاب التي قامت بكتابة الدستور العراقي بعد عام 2003 كانت مقسمة الى ثلاث فئات، الأحزاب الشيعية والتي كانت تبحث عن مكاسبها الخاصة، وهذا ليس عيبا فالسياسة هي فن الحصول على المكاسب او السلطة، وفئة الشخصيات التي مثلت المكون السني كونهم لم يملكون أحزابا حقيقية في تلك الفترة ما عدا الحزب الإسلامي، وكانت مشكلتها عدم الرغبة في كتابة الدستور أصلا، اما الأحزاب الكردية فانقسمت الى حزبين رئيسيين هما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وهي ليست اكثر تطورا من غيرها، فلم تبحث عن أسس عامة لنظام سياسي بقدر ما كانت تركز على المكاسب للكرد، لذلك أصبحت المادة 140 هي الايقونة اللازمة للكرد طوال السنوات الماضية وعلى ضوئها تقاس علاقة القيادات الكردية مع الحكومة الاتحادية والأحزاب العربية الأخرى.

هذه القوى كانت متخوفة من بعضها الى حد كبيرة وهي تعاني من شبح عودة نظام الحزب الواحد، ما دفعها لابتكار طريقة جديدة لمنع عودة هذا الكابوس باختراعها فكرة التمثيل لكل مكونات الشعب العراقي، وهو ما ذكر صراحة في المادة (49) "مراعاة تمثيل سائر مكونات الشعب العراقي"، هذه الفقرة المبهمة وغير الصريحة من حيث الإشارة الى التمثيل الطائفي والقومي، الا انها تحولت الى ذريعة لتعزيز فكرة المحاصصة بكل شيء ولجميع الأحزاب، محاصصة ثلاثية بين الشيعة والسنة والكرد، ومحاصصة اصغر داخل أحزاب كل مكون، فضاعت الديمقراطية وذابت في نظام من التوزيع المتوازن على شكل اقطاعيات سياسية.

ومن المشكلات الأخرى التي واجهها الدستور هو ترحيل المواد الى السنوات القادمة مثل المادة 140 المثيرة للجدل والتي تتعلق بالمناطق المتنازع عليها بين سلطات إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وبقيت هي الأساس لاغلب المشاكل بين الطرفين حتى تحولت من ازمة بين حكومتين الى ازمة بين حزب الدعوة من جهة والحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة أخرى، وترتب على ذلك انشغال الطرفين بتبادل الاتهامات طوال فترتي حكم نوري المالكي وحيدر العبادي الى ان انتهى المطاف بخطة فرض القانون التي أسهمت بسيطرة قوات الحكومة الاتحادية على اهم النقاط الخاضعة لقوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان.

اعادة تشكيل النظام الاجتماعي

اعتمدت الأحزاب السياسية العراقية في طريقها للوصول الى السلطة على النظام الاجتماعي الذي انتجته الحقبة الديكتاتورية السابقة، فهي لم تحاول تعديل او اصلاح هذا النظام بقدر ما قامت بتعزيزه عبر تفضيل الانتماءات الفرعية على الانتماءات الوطنية، وجعلت من الحزب والعشيرة هي الوحدة الأكبر، ودفعت النظام القانوني الى الوراء، فلا يمكن للقضاء ان يلاحق مسؤولا حزبيا له نفوذ او يستطيع جلب من لهم السطوة الاجتماعية، وبات حل المشكلات ليس بالذهاب الى المحاكم بل عبر اتصالات كبار المسؤولين المتنفذين او عبير الجلسات العشائرية.

أدى هذا العرف في تحديد العلاقة بين الناس، الى شيوع فكرة الاستثناء، والتي تعني استثناء الحزب الفلاني من تطبيق القانون لانه فعل كذا وكذا من اجل الوطن، وبالتالي فمن حقه ان يستولي على أملاك الدولة وقصور النظام السابق لانه مستثنى من القواعد العامة بحكم الامر الواقع، والامر ينطبق على المسؤول الأصغر فالاصغر من خلال اختراع فكرة خط الطوارئ في الدوائر الحكومية او السيطرات الأمنية، وهو في حقيقته ليس خطا للطوارئ بقدر ما يعنيه من تفضيل لطبقة اجتماعية على أخرى بغض النظر عن القانون الذي يجب ان يفصل بين الناس.

بناء نموذج اقتصادي جديد

بني النظام الاقتصادي العراقي على ركيزة أساسية واحدة، وهو الاقتصاد الريعي القائم على توزيع جزء من موارد النفط الكبيرة جدا على عدة ملايين من الموظفين بدون ان يبذلوا جهدا سوى ان يذهبوا للدائرة الحكومية صباحا ويعودا في بعد الظهيرة، وهو ما يسمى بالبطالة المقنعة التي تنهش اقتصاد البلد، وتجعله قائما على كف عفريت يمكن ان يسقط في أي لحظة عندما تهبط أسعار النفط.

لم تنشئ الدولة بنية تحتية اقتصادية صالحة للنهوض بالوضع السيئ الذي خلقته الحقبة السابقة، بل راحت تهدم بقايا تلك البنية الاقتصادية المتهالكة فقامت بتسريح عمال المصانع ووضعهم ضمن جيوش المتقاعدين، وأصبحت الاستيراد هو اقصى ما يمكن القيام به من ابسط الحاجيات والى الآلات العملاقة وحتى التيار الكهربائي بات مستوردا كليا سواء كان على شكل مولدات أهلية او من خلال التعاقدات الرسمية مع دول الجوار، وبهذه الحالة تحول البلد الى مجرى تسير فيه أموال النفط من المستوردين الى الدول التي نستورد منها حاجياتنا، وهو ما ولد حالة من عدم التوازن وتداعت اركان هذا الاقتصاد الوهمي مع هبوط أسعار النفط ولم يتعافى حتى هذه اللحظة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2