الفساد الرياضي: من حرب الاحتكار الى النزاعات القضائية


ملفات الفساد الرياضي في مختلف الألعاب والبطولات، التي تزايدت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، هي اليوم محط اهتمام إعلامي واسع خصوصا مع استمرار الفضائح والتحقيقات الخاصة بقضايا الرشاوى وغيرها، التي طالت العديد من الدول والشخصيات الرياضية المهمة، فقد أعلنت شرطة مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية فتح تحقيق في عملية شراء أصوات، عن طريق دفع رشى لأعضاء في اللجنة الأولمبية الدولية، لمنح المدينة البرازيلية استضافة دورة الألعاب الأولمبية 2016. وقامت الشرطة بتنفيذ حملة مداهمات في 11 موقعا بحثا عن أدلة في تلك القضية. وأشارت شبكة "غلوبو" إلى حصول مداهمات في ضاحية لوبلون الراقية حيث منزل رئيس اللجنة الأولمبية البرازيلية كارلوس نوزمان الذي كان رئيس ملف ترشيح المدينة.

وقام 70 عنصرا في الشرطة القضائية البرازيلية برفقة نظراء فرنسيين وأمريكيين، بهذه المداهمات بحثا عن أدلة، بحسب بيان الشرطة. كما تم إصدار مذكرتي توقيف، بحسب البيان، بينما من المقرر أن يعقد مؤتمر صحافي في وقت لاحق لتقديم تفاصيل إضافية. وسبق لفرنسا فتح تحقيق مماثل عبر النيابة العامة المالية التي تعمل على التدقيق في عمليات الرشوة المتعلقة بمنح استضافة أولمبياد 2016، والذي تم التصويت عليه في اجتماع للجنة الدولية في كوبنهاغن في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2009.

وفازت ريو بنتيجة التصويت على شيكاغو الأمريكية ومدريد الإسبانية وطوكيو اليابانية. وبحسب الملفات التي أرسلتها مصلحة الضرائب الأمريكية إلى النيابة العامة الفرنسية والتي كشفتها صحيفة "لوموند" الفرنسية في آذار/مارس الماضي، قامت شركة تدير مصالح رجل الأعمال البرازيلي آرثر سيزار دي مينيزيس سواريش فيليو، قبل ثلاثة أيام من التصويت، بتحويل مبلغ 1,5 مليون دولار أمريكي إلى شركة يملكها بابا ماساتا دياك، نجل رئيس الاتحاد الدولي لألعاب القوى وعضو اللجنة الأولمبية آنذاك لامين دياك.

ورجل الأعمال البرازيلي هو أحد أقارب سيرجيو كابرال حاكم ولاية ريو دي جانيرو السابق (2007-2014)، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 14 عاما في إطار عملية رشوة ضخمة في البرازيل. وكان بابا ماساكا دياك قد قام بتحويل مبلغ يناهز 300 ألف دولار من شركته إلى كيان "ييمي ليميتد" الذي كشفت "لوموند" أنه يعود إلى العداء السابق الناميبي فرانكي فريديريكس. وكان فريديريكس مدقق عملية تصويت اللجنة الأولمبية الدولية قبل أن يصبح عضوا في الأخيرة اعتبارا من 2012. وبرر فريدريكيس هذا التحويل بعمليات ترويج لألعاب القوى، إلا أنه اضطر للاستقالة من منصبه رئيسا للجنة تقويم الألعاب الأولمبية 2024، قبل أن يتم استبعاده أيضا من الاتحاد الدولي لألعاب القوى.

حقوق بث المباريات

وفي هذا الشأن أعلن القضاء السويسري فتح تحقيق يطال القطري ناصر الخليفي، الرئيس التنفيذي لمجموعة "بي ان" الاعلامية، والامين العام السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الفرنسي جيروم فالكه، على خلفية عمليات منح حقوق بث مباريات كأس العالم. ورفضت مجموعة "بي ان" وفالكه، كل على حدة، الاتهامات الموجهة اليهما في التحقيق، وهو الأحدث ضمن سلسلة فضائح فساد طالت الاتحاد الدولي وكرة القدم العالمية خلال العامين الماضيين، والذي شمل تنفيذ عمليات تفتيش في أماكن عدة منها المكاتب الباريسية للشبكة القطرية، والتي يتولى رئيسها الخليفي أيضا رئاسة نادي باريس سان جرمان الفرنسي.

وأتى كشف التحقيق السويسري الذي فتح في آذار/مارس الماضي، غداة مثول فالكه - الموقوف عشرة أعوام عن ممارسة أي نشاط كروي على خلفية قضية فساد أخرى - أمام محكمة التحكيم الرياضي للمطالبة برفع العقوبة عنه، مؤكدا انه لن يعود الى كرة القدم. وأعلن مكتب المدعي العام السويسري "فتح تحقيق جنائي بحق الامين العام السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم (فالكه) والرئيس التنفيذي لمجموعة بي ان ميديا، على صلة بمنح الحقوق الاعلامية لكأس العالم"، والتي تقوم الشبكة بنقلها منذ أعوام عدة.

وأشار بيان المكتب السويسري الى ان التحقيق غير مرتبط بتحقيق آخر بحق فالكه فتح في آذار/مارس 2016، على خلفية سوء إدارة خلال ولايته كأمين عام للاتحاد الذي هزته فضائح الفساد، في عهد رئيسه السابق السويسري جوزيف بلاتر. وبحسب التحقيق الجديد، قام فالكه "بقبول مساعدات غير مستحقة من رجل أعمال في مجال الحقوق الرياضية على صلة بمنح الحقوق الاعلامية لعدد من الدول لكؤوس 2018، 2022، 2026، و2030". كما يشير التحقيق السويسري الى صلات عمليات غير قانونية بين فالكه، الموقوف 10 سنوات عن ممارسة أي نشاط كروي على خلفية قضية أخرى، "وناصر الخليفي على صلة بمنح الحقوق الاعلامية لبعض الدول لكأس العالم لكرة القدم 2026 و2030".

وأعربت مجموعة "بي ان" التي تتخذ من الدوحة مقرا لها، عن رفضها الاتهامات الموجهة اليها من خلال رئيسها التنفيذي، مؤكدة انها ستتعاون مع التحقيق. وجاء في بيان "ترفض مجموعة بي ان ميديا غروب كل الاتهامات الموجهة اليها من مكتب المدعي العام السويسري. الشركة ستتعاون بشكل كامل مع السلطات وهي واثقة من التطورات المستقبلية في هذه القضية". وكان البيان القضائي السويسري أشار الى انه بالتعاون مع السلطات المختصة في "فرنسا، اليونان، ايطاليا واسبانيا، تم تنفيذ عمليات تفتيش في آن واحد وفي أماكن مختلفة".

وأوضحت النيابة العامة المالية الفرنسية انها قامت بتفتيش مكاتب شبكة "بي ان سبورتس" في باريس، في إطار التحقيق. وأكدت المجموعة القطرية ان مكاتبها في ضواحي باريس خضعت للتفتيش "في أعقاب طلب من مكتب المدعي العام السويسري"، وان الموظفين "تعاونوا مع السلطات حتى انتهاء التفتيش". وبشأن فالكه، أوضح بيان المدعي العام السويسري انه تم الاستماع اليه بصفة "مشتبه به" من قبل ممثلين للمكتب. وفي تصريحات أكد ستيفان سيكالدي، محامي المسؤول السابق في الفيفا، ان موكله "غادر مكتب المدعي العام حيث تم الاستماع الى شهادته طوال اليوم. خرج حرا ولا توجد اي تدابير قسرية بحقه ولم يدفع اي كفالة". وأضاف "لقد اعترض على كل الاتهامات الموجهة اليه".

وبحسب الموقع الالكتروني لمجموعة "بي ان"، تدرج الخليفي "في مسيرته المهنية في عالم الإعلام بدءا كمدير لإدارة حقوق البث في الجزيرة الرياضية منذ انطلاقتها عام 2003، إلى أن تمت تسميته مديرا عاماً للقناة عام 2008". وفي كانون الأول/ديسمبر 2013 "قاد مسيرة انتقال الجزيرة الرياضية إلى شبكة بي ان سبورتس العالمية، وأصبح رئيساً لمجلس الإدارة والرئيس التنفيذي" للمجموعة. ويشغل الخليفي مناصب أخرى أبرزها الرئاسة التنفيذية لنادي باريس سان جرمان الفرنسي المملوك منذ عام 2011 من هيئة قطر للاستثمارات الرياضية (يرأس الخليفي أيضا مجلس إدارتها)، وهو عضو في مجلس إدارة جهاز قطر للاستثمار منذ العام 2015. بحسب فرانس برس.

وشكل النادي الباريسي محور الانتقالات هذا الصيف، اذ ضم البرازيلي نيمار من برشلونة الاسباني مقابل أغلى صفقة في تاريخ اللعبة (222 مليون يورو)، وأتبعها بضم الفرنسي كيليان مبابي من موناكو الفرنسي في صفقة تقدر قيمتها بنحو 180 مليون يورو. أما فالكه، الصحافي السابق في قناة "كانال بلوس" الفرنسية والذي أصبح الرجل الرقم 2 في الاتحاد الدولي لكرة القدم، والمقيم حاليا في اسبانيا، فقد حكم عليه في شباط/فبراير 2016 من قبل غرفة الحكم في الفيفا بالايقاف 12 عاما عن ممارسة اي نشاط متعلق بكرة القدم قبل ان تخفض هذا المدة الى 10 سنوات بالاستئناف، وذلك بعد اتهامه في قضية بيع بطاقات مونديال 2014 في البرازيل في السوق السوداء، وكان قد اقيل من منصبه في 14 كانون الثاني/يناير 2016. ومثل فالكه أمام محكمة التحكيم الرياضي، مؤكدا انه لم يعمل يوما "ضد مصالح الفيفا"، مضيفا "قمت بعملي دائما بأفضل طريقة ممكنة، عملت دائما من اجل مصالح الفيفا. ولكن اذا كنا في فترة الطلاق ننتقل من الحب الى الحقد، فاني لا افهم هذا الحقد".

قطر و مونديال 2022

على صعيد متصل أملت الأمينة العامة للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" السنغالية فاطمة سامورا ألا تؤثر التحقيقات الجنائية المتعلقة بقضية بيع حقوق كأس العالم لمجموعة "بي إن ميديا" الرياضية القطرية، على استضافة الإمارة الخليجية لنهائيات مونديال 2022. وأضافت السنغالية التي خلفت فالك في منصب الأمين العام بعد وصول السويسري جاني إنفانتينو الى رئاسة السلطة الكروية العليا، "كما تعلمون، كؤوس العالم هي جواهر مسابقات فيفا. الآن، وبعدما أصبح هيكلنا أكثر مصداقية، لا يمكننا أن نعرض هذه المسابقات للخطر. نفس الشيء ينطبق على قطر".

وأردفت "حق تنظيم البطولة منح لهم منذ عام 2010، قبل وصول القيادة الجديدة بوقت طويل، ونحرص على تهيئة الظروف المناسبة لتكون (قطر) قادرة على تنظيم هذه البطولة في أفضل الظروف". وكشف مكتب الادعاء العام في سويسرا أنه "يشتبه بأن جيروم فالك قبل تقديمات غير مستحقة من رجل أعمال في مجال الحقوق الرياضية على صلة بمنح الحقوق الاعلامية لبعض الدول لكأس العالم لكرة القدم 2018، 2022، 2026، و2030، ومن ناصر الخليفي على صلة بمنح الحقوق الاعلامية لبعض الدول لكأس العالم 2026 و2030".

وفي حين نفى الطرفان الاتهامات، أفاد متحدث باسم الاتحاد الدولي ان غرفة التحقيقات في لجنة الأخلاق التابعة لفيفا، "فتحت تحقيقا اوليا بحق ناصر الخليفي"، وذلك بعد ساعات من إعلان المدعي العام السويسري. وبخصوص التحقيقات التي تقوم بها السلطات السويسرية بحق فالك والخليفي، قالت سامورا "أصدر فيفا قراره خلال جلسات الاستماع الى أمينه العام السابق (فالك). تعاوننا ونواصل التعاون مع وزارتي العدل الأميركية والسويسرية على حد سواء".

وشددت "بما أن التحقيقات جارية، لا أريد توقع النتائج، وبالتالي لا أستطيع التعليق على ذلك. صحيح أنه كلما حصل أمر يتعلق بالفيفا، العالم بأجمعه يترقب (ما سيحصل)، لكن هذا الأمر لا يمنع قيادة الاتحاد الدولي من مواصلة مضيها قدما وجعل هذه التغييرات (لتحسين الحوكمة) حقيقة واقعة". وفي المقابلة تحدثت سامورا عن الصفقات الخيالية التي حصلت خلال فترة الانتقالات الأخيرة، مشيرة الى أن "فيفا يعمل حاليا مع رابطات المحترفين ونقابات اللاعبين من أجل التوصل الى كيفية تحقيق المزيد من الشفافية في التدفقات المالية". بحسب فرانس برس.

وتابعت "نحن أيضا في أوروبا ضمن بيئة حيث التشريعات والقوانين صارمة جدا من حيث حرية التدفقات المالية. نحتاج ايضا الى دعم المشرعين. سيعقد اجتماع للجهات المعنية في كرة القدم في زوريخ، وأعتقد أنه ستتم مناقشة مسألة الانتقالات. فيفا وحده لا يمكنه أن يشرع في هذا المجال لكننا نرى، كما الجميع، أن هذا الأمر (الانتقالات) لا يجب يكون خارج مراقبة العاملين في كرة القدم".

الى جانب ذلك حذر مراد مازار رئيس الاتحاد الدولي لمكافحة الفساد الرياضي الهيئات والمنظمات الرياضية من تسييس الرياضة على المستوى العالمي وعدم الزجّ بها في الصراعات الداخلية أو حتى الخارجية، ودعا مازار خلال زيارته لعدّة بلدان افريقية وأوروبية إلى محاربة كل أشكال الفساد الرياضي الذي بنى (FIACS) سياسته عليه. من ناحية أخرى اكتشف رئيس الاتحاد بعد مقابلة بعض الهيئات والمنظمات على المستوى الأوروبي، اكتشف أن هؤلاء الأطراف بصدد تحضير برنامج أو مبادرة لتشويه صورة قطر ومحاولة ضرب كأس العالم 2022، وجاء رد رئيس الاتحاد الدولي لمكافحة الفساد الرياضي عنيفاً تجاه هذا المخطط بعد أن أكد الوقوف في طريق كل هيئة أو منظمة أو حتى ناشطين يخططون لتشويه صورة أي بلد وضرب الاستقرار الرياضي، مؤكداً أن الاتحاد الدولي سيكون بالمرصاد ولن يتوقف عن تطهير الساحة الرياضية العالمية، ولهذه الأسباب قرر المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لمكافحة الفساد الرياضي إطلاق مبادرة إعلامية تحت شعار (المصالحة الرياضية) وعنوانها لا لتسييس الرياضة.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الحكم الرشيد)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك