يشكل الأمل رقماً مهماً في معادلة النجاح الى جانب الامكانات والتخطيط والبرمجة، فهو عامل معنوي قابل للنمو في نفس الانسان تساعده لمواجهة الملمّات والازمات في الحياة، وقد بحث علماء النفس هذه الحالة، مع مراقبة نقيضها والعدو اللدود؛ اليأس، فعكفوا على صياغة سبل تنمي حالات تحاكي الأمل مثل؛ التفاؤل، والتفكير الايجابي لإخراج الانسان من دوامة الفشل والاحباط، وما يجعل مجتمعات بأسرها فريسة الكآبة وحالات الانتحار عندما ينقطع خيط الأمل بحياة سعيدة.

وفي الرؤية الدينية اقترن الأمل بالعمل لتغيير الواقع السيئ، وليس الركون الى الآمال والتمنيات المحصورة في ذهن الانسان، وربما يقرأها احياناً في شعارات في مناسبات سياسية تمنيه بالعيش الرغيد، لذا نجد أمير المؤمنين، عليه السلام، يحذر من هذا النوع من الأمل، "الأمل يفسد العمل ويفني الأجل"، وفي حديث آخر: "الامل كالسراب يغرّ من رآه ويخلف من رجاه"، (غُرر الحكم).

والأمل الذي يمكن ان نعده صادقاً، هو الذي يحثّ صاحبه الى التحرك لفعل شيء لتحقيق هذا الأمل، والخطوة الاولى في "الرجاء" التي يدعو اليها القرآن الكريم ويجعلها طريقاً واسعاً يربط، ليس فقط بين الانسان ونفسه، وإنما بين الانسان و ربه ضمن معادلة "الخوف والرجاء" تحثّ الانسان على طلب الكثير والكبير من الله –تعالى- وهو رب السموات والأرض، وفي الآية الكريمة تمييز واضح بين من يرجو النصر على العدو من الله، وبين من يفكر بمصادر قوة أخرى: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}، (سورة النساء، 104).

الإيمان يُحيي الآمال الكبيرة

من أكبر التحديات أمام النجاح في مسيرة العلم، او العمل، او مواجهة المخاطر والتهديدات الخارجية؛ التوهم بوجود قوى أكبر تخلق الفشل والهزيمة، ومن هذه النطفة يولد اليأس والاحباط والشعور بالعبثية، وإن حصلت الحركة او التقدم خطوات في هذه المجالات وغيرها، فانه مرهون بقوى اكبر مما لدى الانسان من امكانيات وقدرات، رغم التأكيدات الوافرة بأن الانسان مكرّم من قبل الله –تعالى- بالعقل، و الارادة، والنعم العظيمة في الارض، بيد ان الابتعاد عن مصدر كل هذه النعم والقدرات هو الذي يوقعه في شرك القوى الوهمية التي يعدها أنها الأول والآخر.

وقد جرّب هذا الشعور، المسلمون في صدر الاسلام ممن عاصروا النبي الأكرم، وشهدوا غزواته، فقد كانت مشاعر الخوف ملازمة للكثير في غير غزوة دعا اليها النبي لكسر شوكة المشركين الذي ما برحوا يتآمرون على الرسالة ويتحينون الفرص للقضاء على النبي وعلى الاسلام، ومصدر تغذية هذه المشاعر من شريحة المنافقين، وهم بُضعة مسلمين بالظاهر، ومحبّطين ومشككين في الخفاء، وقد فضحهم القرآن الكريم، داعياً المؤمنين الى تكريس إيمانهم بالله وتوثيق العلاقة به، لضمان النصر المؤزر، ففي سورة الاحزاب المخصصة بالدرجة الاولى لبيان كيفية انتصار المؤمنين بالله على القوى المتحالفة والكبيرة والتي كانت تسمى آنذاك "الأحزاب" من المشركين الذين تحزبوا واتفقوا على محاربة الاسلام: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}.

الانتصار الحقيقي ذو المديات البعيدة في حياة الانسان الخاصة، وفي حياة المجتمع والامة، هو الذي تضمنه القوة الكبرى اللامتناهية، وليس المال، أو السلطة، او التحالفات و"المحاصصات"، او حتى دهاليز المخابرات وما الى ذلك.

و رب سائل عن مصادر قوة بعض الشعوب في العالم انتصرت وهي ليست مسلمة ولم تعتمد العلاقة المعنوية مع الله –تعالى-، كما انتصر الشعب الهندي على الاستعمار البريطاني، او تمكّن شعب جنوب افريقيا من القضاء على نظام الفصل العنصري وانتزاع حكم وإدارة البلد من البيض المنحدرين من أصول اوربية، وكذا الحال عند شعوب اخرى في العالم، بيد أن المهم لنا ولهؤلاء الشعوب ليس لحظة الانتصار وحسب، إنما ديمومة هذا الانتصار والاحتفاظ بالمكاسب، وإلا ما فائدة تغيّر وضع الناس من العبودية الى الازمات الاقتصادية والسياسية، ومن ثمّ ظهور حالات فساد رهيبة، او التخلص من الاستعمار والسقوط في سياسات لا تقل جوراً منه، وهذا ينسحب ايضاً الى شعوب اسلامية جربت الثورة والتغيير على أمل الحصول على الحرية والكرامة والعدالة التي فقدتها فيما مضى، فباتت تترحم على ذلك الماضي!.

قوانين السماء تحمي الانسان

عندما يكون الصراع بين الحق والباطل، وبين الرذيلة والفضيلة، فان قوانين السماء الى جانب الانسان المؤمن دائماً، وقد جاء في القرآن الكريم بمفردة "السنن"، ولم يحدث في تاريخ البشرية أن انتصر الباطل على الحق، ولا انتصر قوى الرذيلة على الفضيلة، مهما كانت المحاولات والامكانيات، ولعل الآية الكريمة تؤكد هذه الحقيقة: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}، إن كلمة "زهوقاً" تعني حتمية الانتصار لمن يكون الى جانب الحق والسنن الإلهية، ومن هذه السنن؛ الاستقامة، ومنها ايضاً؛ الصبر، والقرآن الكريم حافلٌ بآيات عديدة تحمل هذا المعنى في سياق الحديث عن تجارب الانبياء مع مجتمعاتهم، وكيف أنهم وعدوا بالنصر المؤزر بشرط الالتزام بهذه السنن التي هي بالحقيقة متوافقة مع العقل والفطرة الانسانية، يكفي اتخاذ القرار الشجاع والوقوف بحزم امام كل التحديات، وبدلاً من الذهاب بعيداً في عمق التاريخ، بالامكان الاستعانة من تجارب الأمة في عهد أمير المؤمنين، ومن بعده؛ الامامان؛ الحسن والحسين، عليهم السلام، وكيف أنهم واجهوا كماً هائلاً من الآمال بالعيش الرغيد، والتخلص من الظلم والجور والطغيان، بيد أن المشكلة كانت في فقدان البصيرة التي طالما يشير اليها القرآن الكريم، والتي تمكن الفرد والمجتمع من رؤية العاقبة الحسنة فيما اذا كانوا في معسكر الحق، وهذه التجارب مستمرة مع الزمن الى يومنا هذا، والى يوم القيامة.

وبسبب هذه المشكلة يصعب على الانسان التضحية والالتزام لانه يخشى المجهول الذي لا يراه فيخلد الى الأرض –وفق التعبير القرآني-، وكيف يضحي لاجل شيء لا يراه؟! فيكتفي بآماله وتمنياته الوردية، وربما يتحرك ويتكلم وينفق ويعمل الكثير ولكن؛ ليس وفق القوانين الإلهية الضامنة للانتصار، وإنما وفق رؤيته الخاصة وقناعته الشخصية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0