كما هي حالات ونزعات نفسية عدّة، تتعدد التفسيرات العلمية، تبعاً لانتماء المدارس مذهبياً، وايديولوجياً، لتقدم للانسان ما يعكس ظروفه الاجتماعية، والاقتصادية، وحتى السياسية، ومن هذه الحالات المتأصلة في النفس الانسانية؛ الخوف.

ورغم أن معظم المدارس تتفق على وجود جانبي السلب والايجاب في حالة الخوف لدى الانسان، بيد أن الافتراق في حجم تأثير هذه الحالة على السلوك والتفكير، فالجميع يُقر أن ثمة خوف مرضي من شأنه ان يخلق الهواجس والمخاطر الوهمية، كما يوجد الخوف المطلوب والاحترازي من المخاطرالحقيقية، ولكن؛ الاحتراز من أي شيء؟ وأية مخاطر حقيقية؟

الاعتقاد بسلبية الخوف مطلقاً

الشعوب الغربية، متمثلة في الشعوب الاوربية وايضاً الشعب الاميركي، راحت ضحية حربين عالميتين ضروس، أجبرت على أن تدفع خيرة شبابها وعلمائها الى محارق القتال بين قوى سياسية طامحة للتوسع والنفوذ، حتى من الصعب ذكر احصائية دقيقية لعدد من قتلوا من الشعوب الاوربية خلال الحرب العالمية الاولى، والحرب العالمية الثانية والتي كانت القارة الخضراء والصغيرة مسرحاً لهما، والى جانب الاعداد الكبيرة من القتلى والجرحى، والدمار الهائل في البنية التحتية، أصيبت الشعوب الاوربية بجروح نفسية لا تقل خطورة عن الاصابات البدنية، فقد تولدت مشاعر سلبية مثل؛ اليأس، والخوف، والخيبة، الامر الذي دفع العلماء للبحث عن مخارج لهذا الطريق المسدود، وايجاد حلول ناجعة للمشاكل النفسية لإعادة الانسان الاوربي الى سابق عهده؛ متوازناً نفسياً، ثم محبّاً للعلم والتعلم، ومنتجاً بشكل مبدع، وهو ما حصل.

لذا صدرت مؤلفات عدّة في مجال معالجة الحالات النفسية السلبية، مثل الخوف والقلق، من أبرزها "دع القلق وابدأ الحياة" للطبيب الفرنسي الشهير، ألكس كاريل، الذي ترجم الى لغات عدة، وصدر بطبعات عديدة، وفيها يقدم الكاتب الطرق والاساليب لمكافحة القلق الناشئ من الخوف، وذهب الى أن هذه الحالة تترك أثرها المباشر على الجهاز الهضمي فتحدث له مشاكل أبرزها؛ داء القرحة في المعدة.

وفي مرحلة لاحقة من مسيرة المعالجة هذه، اتجه المعنيون بالأمر في الغرب الى التعبئة النفسية من خلال وسائل الاعلام والنشر لخلق حالة من الثقة بالنفس عالية، وأن الانسان الغربي يفترض ان لا يهاب شيئاً مهما كان، في مسعى لتقمّص الشجاعة والاقدام، وهي الثقافة التي تم الترويج لها منذ السنين الاولى، لاسيما في المدارس، فكانت السفرات المدرسية الى الغابات وحدائق الحيوان لتطبيع الاطفال على الاقتراب من الزواحف، والعناكب، والحيوانات المفترسة، كما شهدنا الاقتحامات الجريئة لأعماق البحار، والغابات الكثيفة والكهوف تحت شعار اكتشاف الطبيعة.

كيف يتقدم الانسان بالخوف؟!

سؤال مثير وغريب في آن، اذ يفترض ان يكون الخوف عامل تثبيط وتحفّظ من أي تحرك او نشاط، فضلاً عن ان يكون خطوة الى الامام وتحقيق تطور ما في الحياة.

الخوف في رؤية الاسلام يعد حالة نفسية متأصلة وثابتة، بينما لا يرى ذلك علماء الغرب والشرق ايضاً، بما يمكن وصفهم بالمدرسة المادية، فهم "ينكرون وجود غريزة ثابتة في النفس، بل ميول فطرية او حاجات اصلية تقبل التعديل والتحوير، بل هناك وظيفة نفسية يضطلع بها الخوف في حياة الكائن البشري، وتلك هي حماية الكائن البشري والذات الفردية ضد اخطار العالمين الداخلي والخارجي، وضد كل ما يهدد سلامة الانسان"، (كيف نقهر الخوف- الشيخ حسن الصفار).

وبما أن الرؤية الاسلامية تتعامل مع الخوف كحقيقة نفسية ثابتة، فان التعامل معها يأتي وفق قواعد ثابتة ايضاً، واكثر من ذلك؛ تأتي المعالجة بأبعاد واسعة تفوق الظروف الموضوعية التي يعيشها الانسان، فالخوف ليس "بعبعاً" تجب محاربته ثم تجاوزه الى مرحلة النهوض والتطور، إنما هي حالة بالامكان تقويمها وتوجيهها لتكون وسيلة لتهذيب النفس وتنمية الخصال الحميدة عندما يكون الخوف ليس من الموت، او الخسارة، او الفشل، وإنما الخوف مما هو أكبر بكثير، وله القدرة الفائقة في العالم والكون، يقدّر كل شيء للانسان، لذا نجد مفردة الخوف جاءت في النصوص الدينية جاءت باسم "الخشية" التي تقلل الجانب السلبي منه، وتعطيه معنى المهابة والتعظيم، وفي القرآن الكريم نقرأ معظم مفردات الخوف واردة في التحذير من العذاب، وسوء العاقبة، وأهوال يوم القيامة، بينما الخشية مقرونة بالعلاقة بين العبد الصالح و ربه –سبحانه وتعالى- والامثلة على ذلك عديدة.

وعندما تكون الخشية من الله –تعالى- فهذا يعني اتخاذ أقصى درجات الحذر من ارتكاب الاخطاء في الحياة، بل والبحث عن افضل السبل لتحقيق النجاحات في مختلف المجالات، ومن الحقائق الباهرة التي ذكرها القرآن الكريم؛ العلاقة بين العلم والمعرفة، والخشية من الله، فالعالم الحقيقي هو ذلك الذي يخشى الله في كل شيء، والخشية هنا بمعنى المعرفة والايمان، وهي درجة أعلى بكثير من عامة الناس المؤمنين مما يمارسون الاعمال العبادية بدرجات متفاوتة، وربما واطئة من الايمان، {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وفي احدى محاضراته، اشار آية الله الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- الى استغراب الغربيين من كيفية توصل المسلمين الى هذه الحقيقة منذ اربعة عشر قرناً من الزمن "وكيف تسنّى لنبي الاسلام، وهو غير متعلم، التوصل الى هذه الحقيقة"؟!

وفي روايات أهل البيت، عليهم السلام، وسيرة حياتهم كانت الدعوات حثيثة للمسلمين ولاصحابهم المقربين بأن يعززون هذه ثقافة الخشية من الله –تعالى- بالمقابل يستخفون بالخوف من السلطان الجائر، ومن الموت من اجل القيم والمبادئ، ففي الوقت الذي نقرأ عن أمير المؤمنين: "غاية المعرفة الخشية"، نقرأ له ايضاً حثّه اصحابه وافراد معسكره على خوض المعركة الحاسمة مع جند الشام واتباع معاوية، وعدم الركون الى الخوف والجبن والتخاذل، وهي رسالة جميع الأئمة الاطهار، وإن بأشكال وصيغ مختلفة، لان الهدف الاساس والغاية القصوى؛ تغيير الواقع الفاسد وتحكيم شرع الله –تعالى- في الارض.

واذا القينا اليوم نظرة سريعة على واقع الامة، لاسيما الشعوب المأزومة سياسياً واقتصادياً، نجد أن الخوف، كمصطلح، وكحالة تسكن النفوس، تمثل حجر زاوية في الثقافة العامة، فوجود نظام ديكتاتوري ظالم يتم تسجيله بحساب خوف الناس من الاعتقال والاغتيال ومصادرة الاموال والامتيازات، او شيوع ظاهرة الفقر والادمان والفساد تحت شعار الخوف من الأقوى ليتحول كل ذلك الى واقع لا يجرؤ أحد على تغييره، بينما كان الأجدر استبدال هذا الخوف الموهوم بعامل الخشية من الله –تعالى- التي تمنح صاحبها الشجاعة والعزيمة لخوض المواجهة، يكفي أن نقرأ الحديث الشريف: "من خاف الله أخاف الله له كل شيء"، ثم إن الخشية من الله تعني ألا يكون الانسان ظالماً لنفسه والآخرين، ومؤدياً لحقوق الناس، سواءً كان في متجره او في الدائرة الحكومية، او في منصب رفيع بالدولة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0