عرفت البشرية التضحية من نبي الله، ابراهيم، عليه السلام، عندما صدّق الرؤيا وعزم على ذبح ابنه اسماعيل، وكان فتىً صغيراً باهراً، وقد رزقه الله بعد أن بلغ من العمر عتيّا، فتعلمت الانسانية هذا الدرس العظيم لتكون للقضايا الكبرى والمقدسة، مكانتها العليا التي يهون دونها كل شيء، حتى روح الانسان، فضلاً عن ماله وولده وممتلكاته ومصالحه في الحياة الدنيا.

آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي، استلهم هذا الدرس من تجسيد أقرب اليه تاريخياً وحضارياً، متمثلاً في التضحيات التي قدمها الامام الحسين، عليه السلام، في واقعة عاشوراء من أجل قضايا مصيرية وحاسمة في حياة الامة، فكانت هذه التضحيات الجسام من أسرار خلوده وتميّزه في التاريخ وفي ضمير الاجيال.

إطار التنظير الخانق

جرى الحديث طويلاً عن تجارب الحركات الاسلامية في القرن الماضي، وايضاً التيارات الفكرية وسبب إخفاقها في تحقيق اهدافها، رغم ما بذلته من جهود كبيرة في مجال التنظيم والتعبئة والنشر والتوعية بوسائل مختلفة، مع تحقيق نسب نجاحات كبيرة في أزمان وأماكن مختلفة، وكانت النتيجة أن يأتي جيل من بعد ثلاثة اجيال عاصروا تلك الحركة، ليترأوا منها ومن فكرها، ويشفقوا على أولئك الذين أزهقت أرواحهم في السجون و ساحات الاعدام من اجل شيء.

نعم؛ الشباب الجامعي، وهو اليد الضاربة لأي تنظيم او تيار فكري وثقافي، الى جانب ابناء الشريحة المتوسطة في المجتمع، هم الذين يكونون رأس حربة في المواجهة مع الانظمة الديكتاتورية الجائرة وما تمتلكه من امكانات مخابراتية ومالية واعلامية، فيكونون أول من يضحي بأرواحهم في الزنزانات وتحت التعذيب، لانهم رفعوا اصواتهم بالمعارضة بوجه السلطة الظالمة، من خلال توزيع المنشورات، او عقد لقاءات تنظيمية خاصة، او معارضة اجراءات حكومية يرونها تناقض القيم والمبادئ، ونحو ذلك.

ان الشهيد الشيرازي، وهو عالم دين، وابن لأسرة مرجعية معروفة في العراق، كان في ساحة المواجهة كأي واحد من أولئك الشباب المتوثب، المملوء حماسة وفكراً في آن. كان في ريعان شبابه عندما اعتلى المنصّة في الحسينية الطهرانية في مهرجان مولد الامام علي، عليه السلام، وصدح بتلك القصائد اللاهبة التي تحدّى فيها تيارات فكرية جارفة، وقوى سياسية تعذر على الكثير الاقتراب منها، فمنذ المهرجان السنوي الاول الذي أقيم عام 1960، رشق الشهيد الشيرازي التيار القومي، والتيار الماركسي، بوابل من الانتقادات، وكشف للرأي العام آنذاك الفارق الكبير بين التيار الذي يقوده الامام علي، عليه السلام، وبين التيار الذي يقوده شخص مثل عفلق، أو ماركس، وأعلنها صراحة في إحدى ابياته، استعداده لخوض المواجهة حتى الموت:

و اسحق جباه الملحدين مردداً لا السجن يرهبني ولا الاعدامُ

فعندما تكون المواجهة محتدمة ومصيرية، وقد أشهر الطرف المقابل سيفه، لابد من الوقوف بحزم وشجاعة وتقبل النتائج كافة، وهذا ما فعله الشهيد الشيرازي بإشهاره سلاح الكلمة في وقت كان الآخرون يتعكزون على العنف والدموية وضروب الحرب النفسية، من؛ تسقيط وتشويه وبث الاشاعات وغيرها، علماً أن الشهيد لم يكن وحده، فقد كان يسير ضمن تيار رسالي يقوده شقيقه المرجع الديني السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- بمعية خطباء وعلماء دين وشخصيات اجتماعية الى جانب ثلة من المتعلمين والمثقفين في العراق.

التجارب الثورية والإصلاحية أثبتت فشل التنظير في قيادة الجماهير بغياب الطليعة الشجاعة والمضحية، فما الذي يجبر الناس على مواجهة النظام الديكتاتوري وأجهزته القمعية وقدراتها الهائلة لمجرد الاستجابة لدعوات من محاضرين ومتكلمين في اشرطة مسجلة او من خلال منشورات مطبوعة ترسل من غرف مظلمة او من وراء الحدود. انما المشكلة في التجربة الشجاعة للشهيد الشيرازي انه كان عالم الدين الوحيد في الميدان في مواجهة قطعان من الذئاب والسباع، وعندما اعتقل عام 1970، لم يتجرأ أحد على المطالبة بإطلاق سراحه، فبقي في السجن وحيداً بين رجال التعذيب الوحشي، كما كان وحيداً قبل ذلك في الساحة الثقافية في كربلاء المقدسة.

الحرب النفسية في المهجر

المضي في طريق التضحية لم يقتصره الشهيد الشيرازي على المواجهة داخل العراق وبشكل مكشوف، بل وجد له امتداداً خارج العراق، وبعد الغاء حكم الاعدام واطلاق سراحه بشكل إعجازي، عندما انطلق في مشاريعه التعليمية والتثقيفية، من تأسيس الحوزة العلمية الزينبية، ونشر ثقافة اهل البيت، عليهم السلام في سوريا ولبنان، وفي مديات أبعد؛ حيث وصل الى البلاد الافريقية لمتابعة الاوضاع الثقافية والعلمية لاتباع أهل البيت هناك. هذه التحركات والنشاطات لم تكن لتتم عبر الهواء الطلق، ولم تفرش للسيد الشهيد السجادة الحمراء أينما حل وارتحل، كما لم تكن هنالك أيدي تشدّ على يديه لما كان يبذله من عطاء ويقدمه من انجازات باهرة، بل كان العكس تماماً، حيث الايادي التي كانت تضرب على يديه، وتسعى للتقليل من أهمية ما يقوم به، ومن الامثلة على الحرب النفسية التي واجهها الشهيد، ما قال له أحد المتربصين له الدوائر، بأن "من الافضل بناء مرافق صحية في منطقة السيد زينب، بدلاً من الحوزة العلمية"!!

ورغم تعرضه للضغوطات النفسية، والتشكيك، والتسقيط، فان الشهيد الشيرازي كان يرى في كل ذلك وغيره من لوازم العمل الرسالي في سبيل نشر العلم والفضيلة.

ان مجرد الخوض في فعاليات ونشاطات بحجم ما كان يخوض فيه الشهيد الشيرازي كان كافياً لإثارة الحسّاد والمعارضين ممن يجدون انهم متضررين بسبب نجاح مشاريع هذا السيد البطل والشجاع في كل الميادين، لاسيما في ساحة مفتوحة مثل بلاد الشام في سني السبعينات، حيث كانت ساحة مفتوحة لمن يريد تشييد المؤسسات الدينية والثقافية، وأي شخص آخر في منزلة السيد حسن الشيرازي، وهو الشخصية العلمائية والادبية والفكرية المرموقة، يفكر ألف مرة قبل ان يخطو خطوة واحدة في ساحة عمل كهذه تتنافس فيها جهات مختلفة، بيد ان الشهيد كان قد "أعار جمجمته لله –تعالى- ورمى ببصره أقصى القوم" ليقتحم العقبات ويتحدى الظروف وكل اشكال المنغصات لانجاز ما كان يراه مهمة حضارية مثل؛ تأسيس الحوزة العلمية بالقرب من مرقد السيدة زينب، عليها السلام، وهو الوعد الذي قطعه لوالده المرجع الديني السيد ميرزا مهدي الشيرازي –طاب ثراه- خلال مرافقته اياه في رحلة الحج مروراً بسوريا.

ان ساحات المواجهة بين التيار الرسالي والتيارات الاخرى تبقى تسجل انتصارات كبيرة بوجود علماء دين ومثقفين ومفكرين من طراز السيد حسن الشيرازي، لا يترددون لحظة واحدة في التضحية بأموالهم و انفسهم من اجل ان تبقى القيم والمبادئ حيّة نابضة في المجتمع والامة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1